الثلاثاء، 10 مايو، 2011

نطاق ومجال القانون التجاري

نطاق ومجال القانون التجاري :
اختلف كثير من الفقهاء في تحديد نطاق القانون التجاري وكان هذا الاختلاف عن عمد وذلك لانتماء كل فريق منهم
إلى نظرية معينة دون غيرها وكان نتيجة هذا الاختلاف أن ثار التساؤل، هل القانون التجاري هو قانون التجار ؟ أم هو
القانون الذي يحكم الأعمال التجارية ؟ ويمكن رد الآراء التي قال بها الفقهاء إلى نظريتين، الأولى وهي النظرية
وسنتناولهما فيما يلي : Théorie Subjective والثانية هي النظرية الشخصية Théorie Objective الموضوعية
( أولا النظرية الموضوعية : (* 1
وفحوى هذه النظرية عند القائلين بها، أن القانون التجاري تحدد دائرته بالأعمال التجارية
وتطبق أحكامه على هذه الأعمال دون ارتباط بشخص القائم بها سواء كان يحترف التجارة أو Actes de Commerce
لا يحترف ولكن العبرة بموضوع النشاط الذي يمارسه الشخص وحتى ولو قام به مرة واحدة، أما إذا استمر الشخص في
مزاولة النشاط على سبيل الاحتراف فإنه يكتسب صفة التاجر، وهي صفة لا يعترف بها القانون طبقا لمفهوم هذه النظرية،
إلا لإخضاع التاجر لالتزامات معينة كالقيد في السجل التجاري والخضوع للضرائب التجارية وإمساك الدفاتر التجارية
( وشهر الإفلاس. (* 2
وكانت الدوافع التي أدت للقول بهذه النظرية لها جانبين في نظر القائلين بها، الأول جانب فني يستند إلى نص
631 من القانون التجاري الفرنسي، وتقضي المادة 631 من القانون المذكور على عقد الاختصاص -
المادتين637

------------------------------------
1وقد اعتنق هذه النظرية طول القرن التاسع عشر فقهاء كثيرون مثل :
Pardessus - Delemmarre et le Poitevin - Lyon Ceen et Renault.
المرجع السابق. Paul, Didier أنظر Hamel et Lagarde ونقدها وخاصمها الفقيهان هامل ولاجارد
. 2 - أنظر أآثم أمين الخولي : الموجز في القانون التجاري الجزء الأول صفحة 7





بالمحاكم التجارية بالنظر في المنازعات الخاصة بالمعاملات التجارية.
دون أن تحدد هذه المعاملات وأنواعها على سبيل الحصر وكذلك ما قضت به المادة 638 من ذات القانون على أن
المحاكم التجارية لا تختص بنظر المنازعات المرفوعة على التجار بسبب تعاقداتهم الخاصة أو شرائهم أشياء لاستعمالهم
الخاص بعيدا عن نشاطهم التجاري.
وكان تفسير هذه النصوص في نظر القائلين بالنظرية الموضوعية يوحي بأن العمل التجاري، دون سواه، هو معيار
تحديد نطاق القانون التجاري.
أما عن الجانب الثاني فهو ذو صيغة سياسية، لما تؤدي إليه النظرية الموضوعية من تدعيم لمبدأ الحرية الاقتصادية
الذي يتميز بالقضاء على نظام الطوائف الذي كان سائدا في العصور السابقة، وطالما كان حائلا يعوق ازدهار التجارة
( وتقدمها، بسبب منع هذا النظام لغير طائفة التجار مباشرة الأعمال التجارية. (* 1
( ثانيا النظرية الشخصية : (* 2
ويرى القائلون بهذه النظرية، أن نطاق القانون التجاري يتحدد تحديدا شخصيا، حيث أن أصله قانون مهني، ينظم
نشاط من يحترفون مهنة التجارة دون سواهم، ولذلك فإنه وفقا لهذه النظرية يجب تحديد المهن التجارية على سبيل الحصر
بحيث يعتبر القانون كل من احترف مهنة تجارية يعتبر تاجرا، يخضع في نشاطه للقانون التجاري، وعلى ذلك فإن عنصر
الاحتراف في مفهوم هذه النظرية يعتبر المعيار الذي يحدد نطاق القانون التجاري.
وقد يكون عنصر الاحتراف مطاطا في مفهومه وتحديده، لذلك لجأت بعض القوانين كالقانون الألماني باشتراط القيد
في السجل التجاري كشرط لازم ولاكتساب صفة التاجر أنظر أكثم أمين الخولي المرجع السابق صفحة 7 حيث يقول "
ويظهر طابع الشخص للقانون الألماني هنا في أن أعمال هذا الفريق من التجار، ويسمون التجار بالقيد في السجل التجاري
في مباشرة حرفتهم لا تعتبر تجارية ولا تخضع للقانون التجاري إلا لصدورها ممن قيد في سجل بحيث تكون مدينة لو
صدرت من شخص غير مقيد.
ويبرر أنصار هذه النظرية رأيهم في أن القانون التجاري في أصل نشأته يرجع إلى العادات والقواعد والنظم التي
ابتدعها وطبقها أصحاب الحرف التجارية الأمر الذي أصبح به القانون التجاري قانونا مهنيا وأنه على الرغم من إلغاء
نظام الطوائف، وانتشار مبدأ الحرية الاقتصادية الذي يعني الحق لكل شخص في مزاولة ما يشاء من النشاط إلا أن
القواعد التجارية ظلت مستقرة كما كانت عليه في مجتمع التجار الطائفي وكذلك أبقت التشريعات الحديثة على المحاكم
التجارية تزاول اختصاصها في الفصل في المنازعات التجارية دون سواها.

------------------------------

Hamel et Lagarde T.I p. 1 أنظر 169
2
في مؤلفه Ripert قال بهذه النظرية الفقيه الفرنسي
Traité élémentaire de Droit Commercial




* موقف القانون الجزائري :
إذا نظرنا إلى القانون الجزائري الصادر بالأمر رقم 59 لسنة 1975 نجد أن المادة الأولى منه تنص على أن " يعد
تاجرا كل من يباشر عملا تجاريا ويتخذه حرفة معتادة له " وقضى في المادة الرابعة بأن " يعد عملا تجاريا بالتبعية، تلك
الأعمال التي يقوم بها التاجر والمتعلقة بممارسة التجارة أو حاجات متجرة والالتزامات بين التجار ".
وعلى الرغم من أن المشرع الجزائري أخذ هذين النصين بالنظرية الشخصية إلا أنه لم يلبث أن أخذ بالنظرية
الموضوعية حين عدد الأعمال التجارية بحسب موضوعها في المادة الثانية، والأعمال التجارية بحسب الشكل في المادة
الثالثة.
وفضلا عن أن المشروع الجزائري حدد في هذه المواد الأربع مجال ونطاق تطبيق القانون التجاري، فإنه نظم
بنصوص واضحة الأحكام التي تسري على التجار دون سواهم كمسك الدفاتر التجارية والقيد في سجل التجاري وملاكا
ذلك.
ولهذا فإننا نرى أن المشرع الجزائري أخذ بمذهب مزدوج، حيث لا نجد قواعده جميعا من طبيعة واحدة، وإنما
استلهمت بعض أحكامه النظرية الشخصية، والبعض الآخر اعتنقت النظرية الموضوعية.
أكمل قراءة الموضوع ...

تطور القانون التجاري

تطور القانون التجاري : III
عرفت التجارة قواعد وأحكام وأعراف خاصة بها منذ العصور الأولى وكان القائمون بالتجارة يمثلون طائفة خاصة
في المجتمع لها عاداتها وتقاليدها. وما من شك في أن التجارة كانت معروفة عند الكثير من الشعوب القديمة خاصة تلك
التي كانت تسكن سواحل البحر الأبيض المتوسط حيث مكنها موقعها الجغرافي من ممارسة التجارة ولن نتعرض في هذا
المقام إلى دراسة تفصيلية لنشأت القانون التجاري في مختلف العصور والأزمان لذلك سوف نقترح على إيضاح تطور
نشأت القوانين والأحكام التجارية بصفة عامة.
في العصور القديمة :
تمتد نشأت القانون التجاري إلى زمن بعيد فقد نشأت الأعراف التجارية عند شعوب البحر الأبيض المتوسط وقدماء
المصريين والآشوريين والكلدانيين خاصة في مجال التعامل بالنقد والاقتراض والفائدة واستخدام بعض الصكوك التي تشبه
إلى حد ما البوليصة والسند للأمر ولعل أهم الدلائل على ذلك ظهور عدة قواعد قانونية تجارية في مجموعة حامورابي في عهد البابليين 1000 سنة قبل الميلاد منها ما يتعلق بعقد الشركة وعقد القرض فلم تكن هذه القواعد سوى تقنين للأعراف
التي كانت سائدة آنذاك.
وعرف الفينيقيون والإغريق التجارة خاصة البحرية منها إذ اهتموا بوضع القواعد الخاصة بالتجارة البحرية وتركوا
تراثا هاما في ذلك الفرع من القانون مثل الأحكام الخاصة بمبدأ الخسارة المشتركة أو العوار المشترك.
ولا يفوتنا التنويه بدور العرب في مجال التجارة ابتداء من القرن السابع الميلادي إذ ظهرت أنظمة جديدة في مجال
التجارة كشركات الأشخاص ونظام الإفلاس والكمبيالة ( السفتجة ) في عهد الرومان.
لما اتسعت رقعة الإمبراطورية الرومانية وشملت معظم أوروبا وشمال إفريقيا وبعض أجزاء آسيا ظهرت فيها حركة
تقنينية واسعة لتنظيم المعاملات بين الأفراد وتحديد الحقوق والواجبات غير أن هذه التنظيمات الكبيرة لم تكن تحتوي على
قواعد وأحكام تجارية رغم ظهور كثير من المعاملات التجارية مثل الشركات، كذلك ظهرت أعمال تجارية أخرى
كالمصارف بسبب استخدام النقود المعدنية وإمساك الدفاتر التجارية.
ولعل السبب في عدم إشمال المجموعات المدنية الرومانية لمثل هذه القواعد التي تنظم التجارة هو أن الرومان كانوا
يتركون القيام بهذه الأعمال للرقيق والأغراب اعتقادا منهم أنها أعمال دنيا.
على أنه لما اندمج القانون المدني وأصبح هذا الأخير هو الشريعة العامة التي تطبق على جميع التصرفات القانونية وعلى
جميع الأفراد أصبح القانون المدني الروماني يحتوي على جميع الأحكام والقواعد الخاصة بالتجارة سواء البحرية أو البرية
إلى جوار الأحكام المدنية وكانت أحكام هذا القانون تطبق على جميع الرومان دون تفرقة بين تاجر وغير تاجر ذلك أن
الرومان كانوا يؤمنون بفكرة قانون موحد يحكم جميع التصرفات.
غير أنه وفي الفترة ما بين القرن 11 وحتى القرن 16 جاء القانون التجاري أكثر وضوحا واستقلالا عن القانون
المدني وذلك نتيجة زيادة التجارة البرية والبحرية بسبب الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر ويمكن القول أن قواعد
القانون التجاري والبحري قد وصلت في تطورها في هذا العصر إلى مرحلة يمكن اعتبارها أساسا للقانون التجاري الحالي
ففي إيطاليا وجدت أسواق عالمية لتبادل التجارة ومن ثم نشأت طائفة من الأشخاص في ممارسة هذا النوع من النشاط
وخضعت في تنظيم أمورها إلى التقاليد والعادات التي استقرت بينهم وقامت هذه الطائفة بانتخاب قناصل من كبار التجار
( يختصون في الفصل في المنازعات التي تنشأ بين التجار وذلك وفقا للعرف والعادات والتقاليد التي استقرت بينهم. (* 1
: في الفترة ما بين القرن 17 حتى نهاية القرن 18
أصبح القانون التجاري خلال هذه الفترة قانونا مهنيا خلق بواسطة التجارة وليطبق على التجار كما تميز القانون
التجاري بأنه قانون عرفي وأصبح أيضا قانونا دوليا يطبق خلال هذه الفترة على دول أوروبا الغربية .
أما في العصر الحديث فقد بدأ انتشار التقاليد والعادات في بلاد أوروبا وخاصة المدن الفرنسية كان وباريس
ومرسيليا ولما ظهرت الحاجة إلى تقنين هذه العادات والتقاليد في مجموعات قانونية لتنظيم أعمال هذه الطائفة أصدر الملك لويس الرابع عشر أمرا ملكيا بتقنين العادات والتقاليد الخاصة في مجموعة مستقلة فصدرت في مارس 1673
1681 وهي خاصة بالشركات والأوراق التجارية والإفلاس ويطلق عليها مجموعة سافاري وتبعتها مجموعة خاصة
بالتجارة البحرية وتعتبر هذه الأوامر الملكية مرجعا وافيا للقانون التجاري والبحري لكثرة ما تناولتها من موضوعات
وكان القانون التجاري في أول أمره قانونا شخصيا فكان يعد تاجرا كل من هو مقيد في السجل التجاري وبعد إلغاء نظام
الطوائف عقب الثورة الفرنسية 1789 وإعلان مبدأ حرية التجارة تكونت لجنة عام 1801 لوضع مشروع القانون التجاري
على أساس هذه المبادىء الجديدة فأخد القانون التجاري طابعا موضوعيا حيث وضعت فكرة العمل التجاري كأساس
لتطبيق أحكام القانون التجاري وأصبح التاجر هو من يتخذ الأعمال التجارية حرفة معتادة له ولم يعد التاجر من هو مقيد
بالسجل التجاري.

--------------------------------------
. 1 _مصطفى كمال طه : الوجيز في القانون التجاري صفحة 20
أكمل قراءة الموضوع ...

القانون التجاري و علاقته بالقانون المدني وفروع القانون الأخرى

مقدمة
تعريف القانون التجاري I

1 القانون التجاري هو مجموعة القواعد القانونية التي تطبق على الأعمال التجارية وتنظم حرفة التجارة. ومعنى
ذلك أن القانون التجاري ينظم علاقات معينة فقط تنشأ نتيجة القيام بأعمال معينة هي الأعمال التجارية كما ينظم نشاط
طائفة معينة هي طائفة التجار. وتشمل كلمة تجارة من الناحية القانونية معنى أوسع منه من الناحية الاقتصادية إذ يقصد
من هذه الناحية الأخيرة كل ما يتعلق بتداول وتوزيع الثروات. أما من الناحية القانونية : تشمل التجارة علاوة على ذلك
العمليات الإنتاجية فالصانع في المعنى القانوني الذي سنتناوله في هذا الخصوص ليس إلا تاجرا.
( علاقة القانون التجاري بالقانون المدني وفروع القانون الأخرى : (* 1
2 القانون التجاري وفقا للتعريف السابق ليس إلا فرعا من فروع القانون الخاص شأنه في ذلك شأن القانون المدني
إلى جوار الفروع الأخرى كقانون العمل وقانون الأسرة وإذا كان القانون المدني ينظم أساسا كافة العلاقات بين مختلف
الأفراد دون تميز بين نوع التصرف أو صفة القائم به أي قانونا عاما فإن القانون التجاري ينظم فقط علاقات معينة هي
العلاقات التجارية وقد أدى إلى ظهور هذا النوع من القواعد القانونية الظروف الاقتصادية والضرورات العملية التي
استلزمت خضوع طائفة معينة من الأشخاص هم التجار ونوع معين من المعاملات هي الأعمال التجارية لتنظيم قانوني
يتميز عن ذلك الذي يطبق على المعاملات المدنية حيث عجزت القواعد المدنية عن تنظيم المعاملات التجارية التي قوامها
السرعة من جهة والثقة والائتمان من جهة أخرى.
فالملاحظة أن المعاملات المدنية تتسم دائما بالثبات والتروي.
3 وعلى عكس ذلك البيئة التجارية التي تتطلب السرعة والثقة في وقت واحد فطبيعة العقود التي تجرى في مجال
التجارة تختلف كل الاختلاف عن تلك التي تجرى في البيئة المدنية ذلك أن الصفقات التي يبرمها التاجر لا تكون بقصد
الاستعمال الشخصي أو بقصد الاحتفاظ بها وإنما لإعادة بيعها لتحقيق ربح من فروق الأسعار كما وأن مثل هذه الصفقات
تعقد كل يوم مرات ومرات بالنسبة لكل تاجر وهو يبرمها بأسلوب سريع.
وقد ظهرت فعلا عادات وتقاليد معينة التزمت بها طائفة من التجار في معاملاتهم التجارية تختلف عن تلك القواعد
التي تنظم المعاملات المدنية واضطر المشرع إلى تقنين هذه العادات التجارية في مجموعات خاصة بالتجارة والتجار
وظلت هذه القواعد الجديدة تزداد شيئا فشيئا حتى اصبح لها كيان مستقل.
4 على أنه لما كان القانون المدني هو الشريعة العامة لجميع الأفراد وجميع التصرفات فإن أحكام وقواعد القانون
التجاري ليست إلا استثناء من أصل عام يجب الرجوع إليه في كل حالة لا يحكمها نص خاص. تظهر هذه الصلة الوثيقة
Thaller : traité élémentaire de droit commercial : 1أنظر )
volume 1 - n° 6 ,7 , 14




بين القانون المدني والتجاري بوضوح في معظم التشريعات ففي القانون الفرنسي وكذلك الجزائري نجد المجموعة
التجارية لا تتكلم عن البيع إلا في مادة واحدة وتلجأ بالنسبة لباقي الأحكام إلى القواعد العامة بالقانون المدني.
5 على أننا نجد من جانب آخر أن القانون التجاري أثره في القانون المدني ويتمثل في عدة حالات منها اعتبار
الشركات التي تأخذ الشكل التجاري شركات تجارية تخضع للقانون التجاري أيا كان موضوع نشاطها كما قد يقرر
المشرع اكتساب الشركة لصفة التاجر بصرف النظر عن طبيعة نشاطها سواء كان موضوع نشاطها تجاريا أو مدنيا ومن
الأمثلة شركات الأسهم تجارية دائما وذلك بحسب الشكل سواء كان موضوع نشاطها تجاريا أو مدنيا والتشريع التجاري
الجزائري الصادر سنة 1975 والذي نصت المادة 544 منه على أن تعد شركات بسبب شكلها مهما كان موضوعها
شركات المساهمة والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات التضامن.
6 المناداة بوحدة القانون الخاص :
نظرا للصلة الوثيقة بين أحكام القانونين التجاري والمدني ظهر اتجاه في الفقه القانوني ينادي بإدماجهما معا في قانون
واحد يطبق على جميع الأفراد وفي جميع المعاملات دون تفرقة بين عمل مدني أو تجاري أو بين تاجر وغير تاجر وذلك
بفرض الوصول إلى ما يسمى بوحدة القانون الخاص.
7 ويطالب أنصار هذا الرأي بسريان قواعد القانون التجاري من سرعة وبساطة، في الإجراءات على قواعد القانون
المدني كلما اقتضى الأمر ذلك حتى يفيد من ذلك التاجر وغير التاجر كما أنه إذا كانت إجراءات القانون المدني بها بعض
القيود والشكليات في تصرفات معينة أو عقود خاصة نظرا لأهميتها فإنه يمكن فرض هذه القيود والشكليات في تصرفات
التجارية الهامة حتى تستقر بشأنها المنازعات.
ويرى أنصار هذا الرأي أن القانون التجاري بإعتباره قانون الأعمال في عصرنا هذا إنما يتضمن في الواقع النظرية
العامة في الأموال والالتزامات التي تطبق على جميع التصرفات التي تجرى بين الأفراد العاديين وبين من يساهمون في
الحياة الاقتصادية بصفة عامة.
8 قد أخذت فعلا بعض البلاد بهذا الاتجاه كما هو الحال في الولايات المتحدة وإنجلترا وسويسرا وإيطاليا حيث
استطاعت معظم هذه البلاد إدخال العناصر والصفات التجارية للقانون المدني ومثال ذلك القانون المدني الإيطالي الصادر
عام 1942 الذي رد القانون التجاري إلى حظيرة القانون المدني فألغى مجموعة القانون التجاري وأدمج موضوعاتها في
مجموعة القانون المدني.
9 ضرورة استقلال القانون التجاري :
إن فكرة المناداة بتوحيد أحكام القانون التجاري مع القانون المدني وإن كانت تعد منطقية في ظاهرها إلا أنها تخالف
في جوهرها حقيقة الأوضاع والضرورات العملية فما من شك أن المعاملات التجارية لها لما يميزها عن المعاملات
المدنية مما يستتبع وضع نظام خاص بها فطبيعة المعاملات التجارية تقتضي السرعة وسهولة الإجراءات.
وليس من المفيد أن تنتقل هذه التسهيلات إلى الحياة المدنية التي تتسم بطابع الاستقرار والتروي وذلك أن من شأن
تعميم هذه السرعة في الإجراءات زيادة المنازعات وعدم استقرار التعامل بين المدنيين وصعوبة الإثبات أمام القضاء

وخاصة أن مسك الدفاتر أمر لا يلتزم به سوى التجار كما وأن المناداة بنقل بعض الإجراءات الرسمية والشكلية المدنية
إلى العقود التجارية أمر يؤدي في الواقع إلى عرقلة التجارة مهما بلغت أهمية عقودها أو ضخامتها. كما أن تشجيع
المدنيون على التعامل بالأوراق التجارية خاصة الكمبيالات منها من شأنه أن يدفع بهذه الطائفة من الأفراد في مجالات لا
شأن لها بها.
10 ويلاحظ أن البلاد التي أخذت بتوحيد كلا القانونين لم تستطع إدماجها إدماجا كليا حيث ظلت فيها بعض الأحكام
والقواعد المستقلة التي تنفرد بها المعاملات التجارية وطائفة التجار كما هو الحال في بلاد الأنجلوسكونية ومن الأمثلة
على ذلك إنجلترا حيث أصبحت النظم التجارية منفصلة عن مجموع القانون العام مثل قانون بيع البضائع وقانون الإفلاس
والشركات وكذلك الحال في كل من القانون السويسري والإيطالي الذي وضع كل منها بعض النظم الخاصة بالتجارة
والتجار مثل مسك الدفاتر التجارية والإفلاس.
إن للقانون التجاري أصالته في عدة موضوعات لا نجد لها سندا إلا بالمجموعة التجارية مثل الإفلاس وتصفية الأموال
وعمليات البنوك خاصة ما يتعلق منها بالحساب الجاري وخطابات الضمان والتحويل المصرفي التي نشأت نتيجة
المقتضيات العملية واقرها القضاء التجاري.
11 والواقع أنه ما من شك في أن لكل من القانون المدني والتجاري مجاله وأن في إدماجهما في قانون واحد لا
يتناسب مع طبيعة معاملات كل منهما بل أن فيه إنكار للواقع على أن استقلال القانون التجاري لا يعني إنكار الصلة
الوثيقة بينه وبين القانون المدني إذ قد يعتمد القانون التجاري على بعض أحكام القانون المدني اعتمادا كليا ويكتفي بالإحالة
عليها ويؤدي هذا إلى اعتبار القانون المدني الأصل العام الذي يرجع إليه كمصدر من مصادر القانون التجاري.
12 علاقة القانون التجاري بعلم الاقتصاد :
يتصل القانون التجاري اتصالا وثيقا بعلم الاقتصاد فهذا الأخير يبحث إشباع الحاجات الإنسانية عن طريق موارد
الثروة وعلم القانون ينظم وسائل الحصول على هذه الحاجات وتحقيقها فالأشياء أو الأموال التي يهتم رجل الاقتصاد
بعوامل إنتاجها وتداولها وتوزيعها واستهلاكها هي ذاتها التي يهتم رجل القانون ببيان نظامها من الناحية القانونية
والقضائية والاتفاقية وهذه الأشياء التي يتناولها رجل القانون ورجل الاقتصاد كل من ناحيته هي تلك التي يراد استخدامها
وتسخيرها لخدمة الإنسان في أجسادهم وأرواحهم.
والواقع أن هذه الصلة الوثيقة بين القانون التجاري وعلم الاقتصاد أساسها ما يتركه كل منهما من أثر على الآخر
فالنشاط الاقتصادي واتساعه أدى إلى خلق قواعد قانونية جديدة في المجال التجاري والجوي والصناعي والمالي مثل عقود
النقل والتأمين والتشريعات الصناعية وعمليات البنوك كما وأن هذه الصلة الوثيقة بينهما جعلت البعض يرى في القانون
التجاري النشاط الاقتصادي.
13 علاقة القانون التجاري بالقانون الدولي :
للقانون التجاري صلات وثيقة بالقانون الدولي الخاص فهو يقوم بتنظيم العلاقات التجارية الخارجية إذ يحكم المعاملات
التي تنشأ بين أفراد الدولة مع رعايا الدول الأخرى في المعاملات الناشئة عن التصدير والاستيراد والتبادل التجاري بين
رعايا الدول المختلفة وللقانون التجاري أيضا صلة بالقانون الدولي تظهر في حالة إبرام اتفاقيات تجارية دولية وتعتبر هذه
الصلة بين القانون التجاري وكل من القانون الدولي الخاص والعام سببا في اعتبار الحاجة ماسة إلى توحيد حكم هذا الفرع
من القانون،فنظرا لازدياد العلاقات التجارية الدولية نتيجة سهولة وسائل النقل وانشارها نشأت الحاجة إلى توحيد أهم
قواعد القانون التجاري نظرا لاختلاف القواعد الداخلية لكل دولة وذلك للقضاء على مشكلة تنازع القوانين وقد لجأت
الدول والتجار إلى عدة وسائل لتوحيد أحكام القانون التجاري ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي :
أ/ في مجال التوحيد الإتفاقي لا التشريعي لجأ التجار أنفسهم إلى وضع قواعد اتفاقية موحدة للعلاقات الدولية يؤخذ
بها إذا رغب أطراف التعاقد بمعنى أن توحيد الأحكام يتم بطريق إصدار نماذج عقود دولية يلتزم المتعاقدين بها في
عقودهم الدولية ومن ذلك عقود البيع الدولية النماذج المعدة لعقد التصدير والإستراد أو العقود التي تجريها الهيئات المهنية
كالنقابات والغرف التجارية.
ب/ في مجال المعاهدات لجأت الدول إلى توحيد بعض أحكام القانون التجاري عن طريق المعاهدات الدولية التي
تضع أحكام قانونية موحدة تقبلها الدول الموقعة عليها وتلتزم بها في العلاقات الدولية فقط بمعنى أن العلاقات الداخلية لهذه
الدول الموقعة على الاتفاقيات لا تخضع لأحكام هذه الأخيرة وإنما تخضع لأحكام القانون الداخلي ومن الأمثلة على ذلك
اتفاقية بون 1953 في حالات النقل بالسكك الحديدية إذ حددت هذه الاتفاقية شروط وآثار عقد النقل في حالة ما إذا كان
النقل يتعدى الحدود السياسية للبلاد المتعاقدة.
ج/ كما لجأت الدول إلى عقد اتفاقيات دولية تؤدي إلى إنشاء قانون موحد لجميع الدول المتعاقدة على أن تتعهد هذه
الدول بتعديل قانونها الداخلي بما يطابق أحكام هذه الاتفاقيات بحيث تصبح هذه الأخيرة بمثابة قانون داخلي ومن الأمثلة
. على هذه الاتفاقيات اتفاقية جنيف بخصوص توحيد أحكام الكمبيالة والسند الإذني سنة 1930 وأحكام الشيك 1931
علاقة القانون التجاري بفروع القانون الأخرى : II
هذا وبالإضافة إلى ما سبق ذكره، فإن للقانون التجاري علاقة بفروع القانون الأخرى التي سوف لم نتطرق لهما هذا
بسبب عدم أهميتها القصوى.
أكمل قراءة الموضوع ...

المحل التجاري

المحل التجاري

تعريف :

يمكن تعريف المحل التجاري بأنه مال منقول معنوي مخصص لاستغلال تجاري أو صناعة معينة وقد يسمى بالمتجر أو المصنع تبع لنوع النشاط الذي يزاوله الشخص، والمحل التجاري وأن كان يشمل عناصر مادية كالسلع والمهمات وعناصر معنوية كالعنوان والإسم التجاري والحق في الإجارة والإتصال بالعملاء والسمعة التجارية وحقوق الملكية الصناعية إلا أن له قيمة إقتصادية منفصلة تختلف عن القيمة الذاتية لكل من هذه العناصر على حده، فالمحل التجاري يمثل هذه العناصر المجتمعة منظورا إليها كوحدة معنوية مستقلة بقواعدها وأحكامها الخاصة .

عناصر المحل التجاري :

المحل التجاري يشمل مجموعة الأموال المنقولة اللازمة للاستغلال التجاري وقد نصت على ذلك المادة 78 تجاري بأنه تعد جزءا من المحل التجاري الأموال المنقولة المخصصة لممارسة نشاط تجاري هذه العناصر قد تكون مادية مثل البضائع والمهمات وقد تكون معنوية مثل الاتصال بالعملاء والاسم التجاري والحق في الإجارة والتسمية المبتكرة وكذلك براءات الاختراع ويمكن دائما اضافة عناصر أخرى حسب طبيعة تجارةالتاجر فليست هذه العناصر سوى أمثلة لما يتضمنه المتجر غالبا ولئن تفاوتت أهمية هذه العناصر المشار إليها وأصبح من الصعب تحديد العنصر الجوهري الذي لا وجود للمحل التجاري

بدونه إلا أنه يمكن التركيز أساسا على عنصري العملاء والشهرة فقد نصت المادة 78 تجاري على أن يشمل المحل التجاري إلزاميا عملائه وشهرته كما يشمل أيضا سائر الأموال الأخرى اللازمة لاستقلال المحل التجاري كعنوان المحل والإسم التجاري كعنوان المحل والاسم التجاري والحق في الإيجار والمعدات والآلات والبضائع وحق الملكية الصناعية .

العناصر المادية

1 ) البضائع :

عبارة عن مجموعة السلع الموجودة في المحل التجاري والمعدة للبيع مثل الأقمشة في محل تجاري للأقمشة والحقائب في محل تجاري للحقائب وكذلك السلع الموجودة بالمخازن التابعة للتاجر كما تعتبر من قبيل البضائع المواد الأولية التي سوف تستخدم في صناعة ما يقوم المتجر بيعه والتعامل فيه كالجلود بالنسبة لصناعة الحقائب .

2) المنقولات :

و هي التي تستخدم في تسهيل نشاط المحل التجاري وإعداده للغرض المقصود من استغلاله مثل الآلات التي تستخدم في الإنتاج والآلات الحاسبة والأثاث المعد لإستقبال العملاء والسيارات التي تسهل أعمال المحل .

العناصر المعنوية :

يقصد بالعناصر المعنوية الأموال المنقولة المعنوية المستقلة في النشاط التجاري للمحل وتلك العناصر لازمة لوجود المحل التجاري خاصة عنصري العملاء والشهرة ولا يقوم المتجر من الناحية القانونية بدونها على خلاف العناصر المادية وتتمثل العناصر المعنوية في الاتصال بالعملاء والشهرة والاسم التجاري وحق الايجار وحقوق الملكية الصناعية والرخص والإجازات .

(1) عنصري الاتصال بالعملاء والشهرة (السمعة التجارية ) :

لكل تاجر إتصالاته ومعاملاته مع عملائه و زبائنه الذين اعتادوا التردد على محله التجاري ويحرص التاجر كل الحرص على أن تستمر علاقاته مع عملائه ويعمل دائما على تنميتها بكل الوسائل المشروعة حتى يحقق الاقبال المنشود على متجره وعلى التاجر أن يتحمل منافسة غيره المشروعة إذا ما باشر الغير ذات التجارة. وترتب على ذلك تحول بعض عملائه عنه،وعنصر الاتصال بالعملاء يعتبر أهم عناصر المحل التجاري بصفة عامة بل انه في الواقع هو المتجر ذاته وما العناصر الأخرى الا عوامل ثانوية تساعد تحقيق الغرض الأساسي الذي يهدف اليه صاحب المتجر الا وهو دوام الاتصال بزبائنه واقبالهم على متجره ويترتب على ذلك أن فكرة المحل التجاري مرتبطة أساسا بوجود هذا العنصر وكلما توفر عنصر الاتصال بالعملاء توافرت فكرة المحل التجاري باعتباره وحدة مستقلة عن عناصره، ويعتمد عنصر الاتصال بالعملاء عن عنصر الشهرة أو السمعة التجارية التي تعتمد أساسا على عوامل ذات طابع عيني متعلق بالمحل التجاري وتكون لها شأن في إجتذاب العملاء كطريقة عرض البضائع والمظهر الخارجي للمتجر والديكور الخاص بمواجهة المحل والموقع الممتاز والواقع أن كل عنصر منهما يكمل الآخرلتحقيق هدف واحد هو المحافظة على استمرار اقبل العملاء على المتجر وعنصري الاتصال بالعملاء والشهرة حق مالي يمكن التصرف فيه وينظم القانون حمايته عن طريق دعوى المنافسة غير المشروعة .





2 ) الإسم التجاري :





يعتبر الاسم التجاري أحد عناصر المتجر وهو من العناصر المعنوية ويقصد به الاسم الذي يتخذه التاجر لمتجره لتمييزه عن المحال التجارية المماثلة ويتألف الاسم التجاري من إسم التاجر ولقبه .





3 ) التسمية المبتكرة :





يقصد بالتسمية المبتكرة أو العنوان التجاري العبارات الجذابة التي يتخذها التاجرلتمييز محله التجاري عن المحال المماثلة مثل تسميته الهيلتون، بلازا،الصالون الاخضر، الملكة الصغيرة، والعنوان التجاري يختلف عن الإسم التجاري فالتاجر غير ملزم باتخاذ تسمية مبتكرة لمحله في حين أنه ملزم باتخاذ اسم تجاري كما وأن العنوان التجاري لا يتخذ من الاسم الشخصي للتاجر .





4 ) الحق في الإيجار :





يقصد بالحق في الإيجار حق صاحب المتجر أو المصنع في الاستمرار في العقد كمستأجر والإنتفاع بالمكان المؤجر ويمثل الحق في الاجاره أهمية كبيرة إذا كان المحل التجاري يقع في منطقة معينة إشتهرت بصناعة معينة أو لقرب الموقع من الأسواق والمحال المماثلة حيث يسهل على العملاء إجراء المقارنة والاقبال على الشراء كما تظهر أهمية هذا العنصر في بعض أنواع النشاط التجاري التي تعتمد في ازدهارها على وجودها في موقع معين كالمقاهي والمطاعم والجراحات والحلول محل البائع في استغلال المتجر هو الذي يؤكد الاستمرار في الاتصال بالعملاء ونتيجة ذلك كان من الطبيعي أن التصرف في المتجر يشمل أيضا التنازل عن الحق في الايجار الى المشتري وقد نصت المادة 172 تجاري على أنه في حالة التنازل عن المتجر فانه يجوز للمحول إليه أن يتمسك بالحقوق المكتسبة من قبل المتنازل لإتمام مدة الاستقلال. كما نصت المادة 176 على أنه يجوز للمتجر أن يفرض تجديد الايجار غير انه ينبغي عليه في هذه الحالة أن يسدد للمستأجر المخلى التعويض الذي يجب أن يكون مساويا للضرر المسبب نتيجة عدم التجديد .





5 ) الحقوق الملكية الصناعية :





يشمل تعبيرالملكية الصناعية الحقوق التي ترد على براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية والعلامات التجارية والصناعية وجميع هذه الحقوق معنوية ذات قيمة مالية يجوز التصرف فيها .





6 ) الرخص والاجازات :





ويقصد بها التصريح التي تمنحها السلطات الادارية المختصة لا مكان مزاولة نشاط تجاري معين كرخصة إفتتاح مقهى أو سينما أو رخصة لبيع المشروبات الروحية، ولا تعتبر الرخص والاجازات من عناصر المتجر المكونة لمقوماته الا اذا اشترط لمنحها ضرورة توفر شروط موضوعية غير متعلقة بشخص من منحت له وفي هذه الحالة يكون لرخصه قيمة مالية وتعتبر عنصرا من عناصر المحل يرد عليه ما يرد على المحل من تصرفات .

هل تنتقل إتفاقيات التاجر المتعلقة بتنظيم المنافسة مع المتجر؟

يثور التساؤل حول إنتقال الحقوق والالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات التي أبرمها البائع تنظيما للمنافسة مع الغير، فيما يتعلق باستقلال المتجر الى المشتري والواقع أن مثل هذه الحقوق والالتزامات تعتبر مكملة للمتجر اذا كسبها صاحب المتجر ليدر أخطر المنافسة عن متجره ومن ثم تنتقل مع المتجر الى المشتري اذ تقضي القواعد العامة بأنه إذا أنشأ العقد التزامات وحقوقا شخصية تتصل بشيئ انتقل بعد ذلك الى خلف خاص هذه الالتزامات والحقوق تنتقل الى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيئ اذا كانت مستلزماته وكان الخلف يعلم بها وقت انتقال الشيئ اليه، هذا فضلا عن أن هذه الحقوق والإلتزامات تتعلق بأهم عنصر من عناصر المحل التجاري ألا وهو عنصر الإتصال بالعملاء .

وأحيانا يتفق في عقد البيع للمتجر على انتقال العقود التي أبرمها بائع المتجر مع من يقوم بالتوريد له كعقود توريد المياه والغاز والكهرباء أو عقود التاجر مع المؤلفين كما في حالة بيع دور النشر وفي هذه الحالة رغم الاتفاق بين بائع المتجر والمشتري فإنّه يمكن لكل هؤلاء المطالبة بفسخ هذه العقود إذا لم يرغبوا في الاستمرارمع مشتري المتجر .





طبيعة المحل التجاري





إختلف الفقه في التكليف القانوني للمحل التجاري وعلة هذا الخلاف هو ما يتميز به من أحكام، لذلك إنقسم الفقهاء في تكييف الطبيعة القانونية للمحل التجاري إلى ثلاث مذاهب :





(1) نظرية الذمة المالية المستقلة أوالمجموع القانوني :

و فحواها إعتبار المحل التجاري ذمة مالية مستقلة عن ذمة التاجر لها حقوقها وعليها إلتزاماتها المتعلقة بالمتجر والمستقلة عن بقية حقوق والإلتزامات التاجر ومقتضى هذه النظرية أن الدائن بدين شخصي للمدين ولا علاقة له بالمحل التجاري (كدين الطبيب) لا يستطيع التنفيذ به على المحل ومن ثم ينفرد دائنوا المحل التجاري بالتنفيذ عليه دون مزاحمة الدائنين الآخرين للتاجر، فيصبح بذلك المتجر وحدة قانونية مستقلة عن شخص التاجر، ولا محل للأخذ بهذه النظرية في القوانين الجزائري والمصري والفرنسي،أما في ألمانيا فالفقه يكاد يكون مستقرا على أن المحل التجاري في حقيقته مجموع قانوني وبالتالي له ذمة مالية مستقلة .





(2) نظرية المجموع الواقعي :





يرىأنصار هذه النظرية أن المحل التجاري ليس وحدة قانونية مستقلة بديونه وحقوقه وانما هو وحدة عناصر فعلية أو واقعية أي أن عدة عناصر إجتمعت معا بقصد مباشرة استغلال تجاري دون أن يترتب على ذلك ذمة مالية مستقلة عن ذمة مالكه أو وجود قانوني مستقل وبالتالي لا يترتب على التنازل عن المحل التجاري التنازل عن الحقوق والإلتزامات الشخصية المتعلقة بالمحل التجاري ونشاطه التجاري إلا إذا اتفق على ذلك صراحة ويذكر أنصار هذا الرأي أن يترتب على هذه الوحدة لعناصر المتجر هو وجود مال منقول ذو طبيعة خاصة مستقلة عن طبيعة عناصره المكونة له .

بيد أنه يؤخذ على هذه النظرية أن إصلاح المجموع الواقعي ليس له مدلول قانوني فالمجموع اما أن يكون قانونيا واما لا يوجد كما أنها لا تفسر لنا على أساس من القانون إذا كان للشخص ذمة مالية مستقلة عن المتجر أو ذمة مالية واحدة شاملة المتجر .





(3) نظرية الملكية المعنوية :





تقوم هذه النظرية أساسا على ضرورة التفرقة بين المحل التجاري باعتبار وحدة مستقلة، وبين عناصره المختلفة الداخلية في تكوينه وأن حق التاجر على محله ليس إلا حق ملكية معنوية يرد على أشياء غير مادية مثله في ذلك مثل حقوق الملكية الصناعية والفنية ويختلف بالتالي عن حقه على كل عنصر من من عناصر المحل التجاري، ومقتضى هذه النظرية أن يكون للتاجر حق الانفراد في محله التجاري والاحتجاج به على الكافة، وتحميه دعوى المنافسة غير المشروعة وتسمى هذه الملكية المعنوية بالملكية التجارية ويرجح الفقه هذه النظرية لنجاحها في إيجاد تفسير منطقي لطبيعة المحل التجاري .





خصائص المحل التجاري





يتميز المحل التجاري بالخصائص الآتية :





(1) إنه مال منقول :

لما كان المحل التجاري يتكون من عناصر كلها منقولة مادية كانت أو معنوية كما هو الحال بالنسبة للبضائع أو الأثاث أو حق الاتصال بالعملاء وغيرها فهو منقول ولا يخضع بالتالي للقواعد القانونية التي تحكم العقار .





2) أنه مال معنوي :

المحل التجاري وان كان يتكون من عدة عناصر بعضها مادي وبعضها معنوي إلا أنه هو ذاته مال معنوي يمثل مجموعة هذه العناصر مستقلا عنها ومكونا وحدة لهاخصائصها التي تختلف عن خصائص كل عنصر من عناصره وبإعتباره مالا منقولا فانه لا يخضع للأحكام القانونية الخاصة بالمنقول المادي .





3 ) أنه ذو صفة تجارية :

يجب لكي يعتبرالمحل تجاريا أن يكون إستقلاله ونشاطه لأغراض تجارية فاذا كان إستغلال المحل لغير هذه الأغراض (كأغراض مدنية ) فانه لا يعتبر محلا تجاريا .





4 ) ضرورة أن يكون نشاط المتجر أو المصنع مشروعا .




حماية المحل التجاري (المنافسة الممنوعة )




هناك حالات تمتنع فيها المنافسة كلية بطريق مشروع أو غير مشروع ووسيلة حماية تلك الحالات هي دعوى ترفع لمنع المنافسة كلية وليس دعوى المنافسة غير المشروعة وحالات المنافسة الممنوعة إما أن يكون أساسها نص المشرع أو إتفاق الطرفين المنافسة الممنوعة بنص القانون :

في بعض المهن كالصيدلة قد يشترط المشرع على من يعمل بها الحصول على مؤهلات عملية معينة فاذا قام الشخص بمباشرة أعمال الصيدلة دون الحصول على الدرجة العملية المطلوبة به لذلك فانه يكون قد خالف نصوص القانون و أعتبر عمله من قبيل المنافسة الممنوعة بنص القانون و ليس المنافسة غير المشروعة، و قد تتذخل الدولة بقوانين من نوع آخر تمنع بها المنافسة قاصدة من ذلك حماية المستهلكين كما هو الحال بالنسبة للنصوص التي تشترط وزن معين و مواصفات معينة للسلع و كذلك تشترط وضع مواد معينة بنسبة معينة في السلع و المنتجات ، و قد تكون المنافسة ممنوعة بناء على إحتكار قانوني كما هو الحال في أغلبية ملتزمي المرافق العامة .




المنافسة الممنوعة بإتفاق الطرفين :

من صور المنافسة الممنوعة باتفاق الطرفين مايأتي :

1 ـ إلتزام مؤجر العقار بعدم منافسة المستأجر

تقضي القواعد العامة بأن يلزم مؤجر المحل التجاري بتأمين التمتع المستأجر بالعين المؤجرة ، و يحق المؤجر في نفس الوقت أن يؤجر للغير في ذات العقار الكائن به المحل التجاري للمستأجر الأول محلا تجاريا لآخر يمارس فيه نفس نشاط المستأجر الأول و لكن إذا اشترط المستأجر الأول على المؤجر حرمانه من تأجير جزء من العقار للغير لممارسة نشاط مماثل فإنه يمتنع في هذه الحالة على المؤجر القيام بذلك إحتراما للإتفاق .

2 ـ قد يكون الإتفاق بعدم المنافسة ناشئا عن عقد بيع المحل التجاري ذاته :

يعتبر إلتزام بائع المحل التجاري بعدم إنشاء تجارة مماثلة من الإلتزامات التي تنتج عن عقد بيع المدجر ، و لذلك ينشأ هذا اللإلتزام على عاتق البائع دون حاجة إلى النص عليه في عقد البيع و هذا الإلتزام لعدم إنشاء تجارة ممالثلة يعتبر إلتزاما تعاقديا فلا يكون الإخلال به من أعمال المنافسة الغير مشروعة التي تستند أساسا إلى المسؤولية التقصيرية و لكن من أعمال المنافسة الممنوعة التي تستند إلى أحكام المسؤولية العقدية .





3 ـ الإتفاقات بين المنتجين و التجار :

و من صورة المنافسة الممنوعة إتفاق الطرفين على أن يشتري التاجر السلع التي ينتجها المصنع دون غيره من المصانع التي تنتج نفس السلعة أو ألا يبيع المصنع لغير التاجر حتى يتفادى هذا الأخير منافسة غيره من التجار كما هو الحال في تعهد الشركة المنتجة بعدم البيع لغير صاحب التوكيل بالتوزيع داخل إقليم معين و مثل هذه الإتفاقية صحيحة بشرط أن تكون محدودة المدة أو بمكان معين حتى لا تؤدي إلى إحتكار فعلي .





4 ـ إلتزام العامل بعدم منافسة رب العمل :

قد يتضمن عقد العمل بين العامل و رب العمل إلتزاما على الأول بعدم منافسة رب العمل بإنشاء تجارة مماثلة أو العمل عند متجر منافس بعد إنتهاء العقد بينهما و هو ما يطلق عليه بند عدم المنافسة و لما كان مثل هذا الشرط يمثل قيد لا على حرية العامل قد يؤدي إلى إلتزامه بإستمرار في خدمة رب العمل مدى الحياة، فقد خفف القضاء الفرنسي على العامل محددا من حيث الزمان أو المكان أو نوع التجارة .





5 ـ حالة الإتفاق بين المصانع على تنظيم إنتاج السلع :

من حيث كميتها و تحديد أسعارها لتحديبد النشاط الذي يقوم به كل مصنع و عدم تجاوزه بقصد تنظيم المنافسة بين المنتجين و مثل هذه الإتفاقات تكون صحيحة في حدود الفرض الذي تنظمه أمّا إذا قصد من ورائها أو ترتب عليها خلق إحتكارات حقيقية أو إرتفاع كبير في أسعار بيع هذه السلع فهذه الإتفاقات تكون باطلة لمخالفته النظام العام لما ينتج عنها من إهدار لمصالح المستهلكين جميعا في سبيل مصلحة أصحاب هذه المصانع .
أكمل قراءة الموضوع ...

الأحد، 20 مارس، 2011

إلغاء القرار الإداري لحياده عن الهدف المخصص لإصداره

إلغاء القرار الإداري لحياده عن الهدف المخصص لإصداره
تمهيد و تقسيم :

للقرار الإداري هدفان أولهما تحقيق المصلحة العامة و ثانيهما تحقيق الهدف الذي خصصه المشرع لإصدار هذا القرار 0

فإذا حاد مصدر القرار عن هما غدا قراره باطلا لكونه مشوبا بالانحراف في استعمال السلطة ذلك العيب الهام من عيوب قرار الإداري الموجب لإلغائه والمتمثل في استخدام رجل الإدارة لسلطاته بغية تحقيق غاية غير مشروعة لتعارضها مع المصلحة العامة أو مع الهدف الذي حدده القانون لإصدار القرار 0

و نظرا لما يتسم به الانحراف عن الهدف المخصص من أهمية و غموض سبه اتسامه بالدقة , ففيه يكون القرار باطلا حتى لو ابتغى مصدره تحقيق مصلحة عامة 0

و تنظرا لأن كتب الفقه على كثرتها لم تعني بهذا الموضوع برغم أهميته البالغة في الحفاظ على حقوق الأفراد و حرياتهم تجاه تعسف الإرادة 0

لذا فقد آثارنا إلقاء الضوء – على هذا الموضوع من خلال مبحثين في أولهما نضع تحديدا لمفهوم قاعدة تخصيص الأهداف و في ثانيهما نحصر أوجه الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف و في ثانيهما نحصر أوجه الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف المتمثلة في الخطأ في تحدي الأهداف المنوط برجل الإدارة تحقيقها و الخطأ في استعماله لوسائل تحقيق هذه الأهداف 0



المبحث الأول

تحدي مفهوم قاعدة تخصيص الأهداف



إذا كانت القاعدة أن القرارات الإدارية جميعها و بغير استثناء يجب أن تستهدف تحقيق المصلحة العامة فإن هناك أيضا قاعدة أخرى تضاف إلى هذه القاعدة و تكملها و تقضي بوجوب استهداف القرارات الإدارية تحقيق الأهداف الذاتية المتخصصة التي عينها المشرع في المجالات المحددة لها 0

و يكون القرار الإداري مشوبا بالانحراف في السلطة في هذه الحالة , كلما كان الباعث على اتخاذه هو تحقيق هدف غير الذي أراده المشرع حين منح الإدارة السلطة في اتخاذ هذا القرار بالذات و و لا يهم بعد ذلك أن يثبت إن الإدارة كانت تهدف من القرار الذي اتخذته تحقيق مصلحة عامة , ما دامت هذه المصلحة غير المصلحة التي حددها المشرع 0

فالفرق بين الانحراف عن المصلحة العامة و الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف أنه في حالة انحراف عن مبدأ تخصص الأهداف يكون العضو الإداري حسن النية لا يبغي إلا تحقيق الصالح العام , و لكنه يستخدم ما بين يديه من وسائل لتحقيق أغراض مما لا يجوز تتحقق بتلك الوسائل أو مما لا يختص بتحقيقها 0

و معنى ذلك أن لكل قرار إداري هدفين , أحدهما خاص و هو الذي حدده القانون أو يستفاد من طبيعة الاختصاص و هذا الهدف تختلف و درجة تحديده من حالة إلى حالة أخرى كما أن له دائما هدفا عاما و هو المصلحة العامة 0

و التخصيص قد يستفاد من صراحة النص حيث حدد المشرع هدفا خاصا لقرارات وزير التموين هو توفير المواد التموينية للمواطنين و تحقيق العدالة في توزيعها فإذا استهدفت هذه القرارات تحقيق أكبر عائد اقتصادي للدولة فإنها تكون مشوبة بالانحراف بالسلطة و كذلك القرار الصادر بوقف العامل المحال للتحقيق عن العمل , يجب أن يكون الهدف منه هو تحقيق صالح التحقيق فإذا كان الهدف منه إسناد عمله إلى أخر كفء فإن هذا القرار يكون مشوبا بالانحراف في استعمال السلطة 0

و قد يستخلص الهدف المخصص من روح التشريع أو طبيعة الاختصاص فقد حدد المشرع مثلا لسلطات الضبط الإداري هدفا محددا , و هو المحتفظة على النظام العام فإذا استعملت الإدارة سلطاتها في هذا الخصوص لغير هذا الهدف كان قرارها مشوبا بعيب الانحراف بالسلطة حتى و لو كان الهدف لا بجانب الصالح العام 0

و في حالة عدم تحديد المشرع للهدف لخاص الذي يتعين أن يحققه القرار يكون تحديد هذا الهدف متروكا لتفسير القاضي و استخلاصه لمراد المشرع و قصده , حيث يستعمل سلطته التقديرية في تحدي الأهداف الخاصة للقرار بكل الوسائل المكنة كالرجوع إلى الأعمال التحضيرية و المذكرات التفسيرية و تتبع المناقشات التي دارت حول القانون 0

و مفاد ذلك أنه لا يكون للقاضي أي دور أو اجتهاد في تحديدي الهدف الخاص إذا ما كشف عنه المشرع صراحة و إنما يتعين عليه أن يعمل على تحقيقه و على العكس من ذلك يكون له دور بارز في استخلاصه على نحو ما رأينا إذا لم يكشف عنه المشرع 0

و علة تطبيق قاعدة تخصيص الأهداف أن الجهاز الإداري بمختلف فروعه و تعدد أطرافه و تكاثر مسئولياته لا يمكن أن يتيح لأي فرد من أعضاء هذه النظام الضخم أن يأخذ على عاتقه تحقيق طائفة خاصة من المصالح العامة دون الطوائف الأخرى حيث إن التنظيم الهيكلي للإدارة الذي يترتب عليه أن السلطة الممنوحة للموظف يقابلها مجال معين من المصلحة العامة يتعين عليه تحقيقه و عدم خلطه مع مجالات المصلحة العامة الأخرى 0

فالقانون هنا عين له الهدف وحدده و الذي من أجل بلوغه منحه السلطة فإن هو استخدم هذه السلطة للوصول إلى هدف أخر و لو كان يحقق مصلحة عامة فإن قراره يكون مشوبا بالانحراف بالسلطة 0

و يرى جانب من الفقه أن ضرورة الانحراف بالسلطة المتمثلة في مخالفة قاعدة تخصيص الهداف أقل خطورة من صورته المتمثلة في مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف أقل خطورة من صورته المتمثلة في مجانية المصلحة العامة لأن رجب الإدارة في الحالة الأولى لم يتجاوز نطاق الصالح العام ليعمل على تحقيق صالح شخصي و إنما اقتصر على مخالفة الهدف الذي حدده له المشرع و جعل قراراته مرصودة على تحقيقه كما إنه في حالة الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف يكون العنصر الإداري حسن النية لا يبغي إلا تحقيق الصالح العام و إن استخدم ما بين يديه من وسائل لتحقيق أغراض مما لا يجوز أن تتحقق بتلك الوسائل أو مما لا يختص تحقيقها 0

إلا أن هناك جانب أخر من الفقه ذهب بحق إلى أن ذلك لا ينفي خطورة الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف و ذلك بالنظر إلى الآثار المترتبة عليها من اعتداء على حقوق الأفراد لا يعنيهم أن كون الهدف المبتغي من تصرف الإدارة قصدت به تحقيق مصلحة عامة أم لا إنما يعنيهم ما موقع عليه من اعتداء سبه خروج الإدارة عن قاعدة تخصيص الأهداف 0

و قد وجدت هذه القاعدة تطبيقا لها في قضاء مجلس الدولة الفرنسي حيث دأب على إلغاء قرارات الإدارة التي يثبت لديه خروجها عن تحقيق الهدف المخصص 0

حيث قضى بإلغاء قرار المحافظ و الصادر بتقرير المنفعة العامة لقطعة أرض مملوكة للسيد BARON و ذلك للانحراف بالسلطة حيث تبين للمجلس من الظروف المحيطة بالدعوى أن ما أعلنته البلدية من ضرورة المحافظة على الطابع الهادئ للمنطقة السكنية المجاورة للأرض المذكورة ليس من الأهداف التي لأجلها يتقرر نزع الملكية للمنفعة العامة 0

كما قضى بإلغاء قرار المحافظ الصادر بتقرير المنفعة العامة للأرض المملوكة للسيد SCHEWARTZ لإنشاء ملاهي و حمام سباحة , ذلك أن القرار لا هدف إلى المحافظة على صحة العامة و إنما يهدف إلى تطوير أنشطة الترفيه الخاصة بالبلدية 0

و قد كان إلغاء مجلس الدولة لقرار المحافظ في القضيتين سبه خروج المحافظ على الهدف المخصص لتقرير المنفعة العامة و هو المحافظة على النظام العام بمدلولاته الثلاثة و كان إلغاء مجلس الدولة للقرارين بالرغم من ابتغائهم تحقيق مصلحة عامة 0

و قد كان لمجلس الدولة المصري ذات الموقف الذي يؤكد ضرورة احترام قرارات الإدارة للهدف الذي حدده المشرع لإصدارها و إلا قضى بإلغائها لخروجها على قاعدة تخصيص الأهداف 0

فقد كان لمحكمة القضاء الإداري منذ البداية موقف واضح في هذا الشأن حيث ذهبت إلى أنه " لا يجوز اتخاذ أي من التدابير أو الإجراءات التي يجيزها الشارع , لتحقيق هدف أخر مغاير للهدف الأساسي الذي قصد إليه الشارع و لو كان هذا الهدف محققا للصالح العام بمعناه لشامل , و ذلك تطبيقا لقاعدة أصولية هي المصطلح على تسميتها قاعدة تخصيص الأهداف و جزاء مخالفة تلك القاعدة بطلان تلك القرارات لكونها مشوبة بالانحراف بالسلطة و الذي يتمثل في عدم احترام الإدارة لركن الغاية من التشريع 0

و إذا كان قضاء محكمة القضاء الإداري قد اتسم منذ البداية بإدخال مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف ضمن حالات الانحراف بالسلطة فإن قضاء المحكمة الإدارية العليا قد مر في هذا الشأن بمرحلتين ففي البداية لم تسلم المحكمة الإدارية العليا بما ذهبت إليه محكمة القضاء الإداري , و قدمت أحكام تضييق فيها من نطاق الانحراف بالسلطة بحيث تقتصره على حالة استهداف مصلحة خاصة فقط دون حالة مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف حيث كانت تشترط لقيام الانحراف بالسلطة توافر سوء النية لدى مصدر القرار الإداري و لذلك قضت بأنه " إذا لم يكن لدى الإدارة هذا القصد , بدافع من هوى أو تعد " أو انتقام فلا قيام لعيب إساءة استعمال السلطة 0

غير أن الفقه انتقد هذا التطبيق لعيب الانحراف بالسلطة حيث لم يلق استجابة لديه استنادا لعيب الانحراف بالسلطة يقوم مع حسن النية إذا خالفت الإدارة قاعدة تخصيص الأهداف 0

و قد عدلت المحكمة الإدارة العليا في أحكامها اللاحقة لحكم السابق عن مذهبها في التضييق من نطاق عيب الانحراف بالسلطة آخذة بوضوح بقاعدة تخصيص الأهداف حيث قضت بأنه " ‘ذا ما عين المشرع غاية محددة , فإنه لا يجوز لمصدر القرار أن يستهدف غيرها و لو كانت هذه الغاية تحقيق مصلحة عامة "

و قضت أيضا بعدم شرعية قرار ضبط بإغلاق سوق خاصة يوم الاثنين من كل أسبوع ليحقق رواج سوق مجلس قروي الوسطي الذي أصابه الركود 0

و أخيرا قضت بانعدام قرار ضبط تضمنه ترخيص سوق عمومي يستهدف مصلحة مالية بتخويل المرخص له تحصيل مقابل إشغال الطريق العام للمجلس المحلي 0

و الواقع أن ما انتهت إليه المحكمة الإدارية العليا من عدم اشتراط سوء نية مصدر القرار للقضاء بالانحراف بالسلطة هو قضاء محمود فإلى جانب ما يترتب عليه من إدخال مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف ضمن حالات الانحراف بالسلطة فإن فيه تشديدا لقبضة القضاء على رجل الإدارة الذي ينحرف بسلطته حيث أنه في ظل القضاء السابق و الذي يشترط سوء النية يوسع رجل الإدارة الإفلات من إلغاء قراراه لمجرد إثباته أنه كان حسن النية حين أصدر و يترتب على ذلك الهروب من الإلغاء مما يؤدي إلى الإضرار بمصلحة من اعتدى القرار المشوب بالانحراف على حقوقه و حرياته و الذي كل ما يصبو إليه هو إلغاء هذا القرار الخاطئ و التعويض عن الأضرار التي مني بها من جرائه , و لا يعنيه في سيئ ما إذا كان رجل الإدارة سيئا أو حسن النية 0

و مما ساعد على انتشار الانحراف بالسلطة المتمثل في الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف قيام نظام لا مركزي تتمتع فيه السلطات الإقليمية و المركزية بجانب كبير من الاستقلال في استعمال سلطتها فعيب الانحراف يستلزم قيام سلطة تقديرية و من الطبيعي ألا يخطئ العضو الإداري خطأ من هذا القبيل إلا إذا تنوعت السلطات التي تحت يديه و كان له بعض الحرية في استعمالها 0

و للانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف وجهان يضمان صورا عديدة سوف تكون موضوع المبحث التالي :
المبحث الثاني :

أوجه الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف

تمهيد و تقسيم :



قد يقدم رجل الإدارة نتيجة لخطأ فني وقع فيه على إصدار قرار لتحقيق مصلحة عامة لم يوكل إليه أمر لتحقيقها و قد يقدم على تحقيق مسلحة عامة مكلف بتحقيقها و لكنه استخدم في ذلك وسائل غير تلك التي قررها لمشرع لتحقيق هذه المصلحة

و في تلك الحالتين يرتكب رجل الإدارة انحرافا بالسلطة ممثلا في قاعدة مخالفة تخصيص الأهداف 0

و لإيضاح ما أجملناه سوف نتناول أوجه الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف و ذلك في مطلبين على النحو الآتي :

المطلب الأول :

الخطأ في تحديد مدى الأهداف المنوط بالموظف تحقيقها 0

المطلب الثاني :

الخطأ في استعمال رجل الإدارة لوسائل تحقيق الهداف 0

المطلب الأول

الخطأ في تحديد مدى الأهداف المنوط

بالموظف تحقيقها 0



تمهيد و تقسيم :

في هذه الصورة يستعمل رجل الإدارة سلطته التقديرية في تحقيق أهداف عامة غير منوط به في تحقيقها حيث إن القانون لم يجعلها من بين الأهداف التي يتعين على رجل الإدارة أن يحققها باستعمال ما بين يديه من سلطات 0

و في هذه الصورة من صور الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف يتصف عيب الانحراف بالسلطة بعيب عدم الاختصاص لأن عضو الإدارة يحاول أن يحقق غرضا قد جعله القانون من اختصاص عضو إداري أخر 0

و تظهر تطبيقات هذه الصورة بمناسبة استعمال الإدارة لسلطاتها المقررة في الاستيلاء أو في استعمالها لسلطتها بقصد فض نزاع ذي صبغة خاصة أو قيام إحدى الهيئات بمنع خدماتها عن أحد المواطنين لإجباره على القيام بتصرف معين 0

و سوف نفصل ذلك في الفروع التالية :

الفرع الأول : الانحراف في استعمال سلطة الاستيلاء 0

الفرع الثاني : استعمال السلطة الإدارية لفض نزاع ذي صبغة مدنية 0

الفرع الثالث : منع خدمات الإدارية عن أحد الأفراد لإجباره على إتيان تصرف معين 0



الفرع الأول

الانحراف في استعمال سلطة الاستيلاء

يعد الاستيلاء من الممكنات الخطيرة التي تملكها الإدارية و التي يمكن أن تهدد ملكية الأفراد و حقوقهم المالية و بالتالي فإنه من المحتم أن ينفذ تنفيذا دقيقا في حدود القانون و دواعيه و البواعث المشروعة لدى الإدارة لإعمال هذا الامتياز على خطورته يمكن أن تجد تبريرها في أن الإدارة مكلفة بإقامة و رعاية الصالح العام , و قد يكون الاستيلاء وسيلة لحصول الإدارة على بعض احتياجاتها التي أعوزتها الوسائل العادية في الحصول عليها و قد كون وسيلة لمواجهة ظروف طارئة قد تهدد الأمن الداخلي أو الخارجي لمواجهة كارثة عامة و نحو ذلك 0

و قد عرف بعض الفقهاء الاستيلاء بأنه عملية تقوم بها السلطة الإدارية من جانب واحد و بإرادتها المنفردة في مواجهة شخص طبيعي أو معنوي يلزم هذا الأخير بموجبها بأن يقدم لها أو للغير خدمة معينة أو عقارا معينا لاستخدامه أو منقولا لاستخدامه أو تملكه و ذلك من أجل إشباع احتياجات طارئة و مؤقتة تتعلق بالمصلحة العامة في ظل الشروط المقررة قانونا 0

و إذا كان المشرع يمنح الإدارة سلطة الاستيلاء على المواد الغذائية و الأولية و المساكن و غيرها فإن هي حادت عن تلك الأغراض مبتغية تحقيق غيرها فإنها تكون قد انحرفت بتلك السلطة عن غاياتها مما يستتبع إلغاء قرار الإدارة لانحرافها بسلطتها في إصداره و مبرر إلغاء

القرار في هذه الحالة أن الإدارة لانحرافها بسلطتها في إصداره و مبرر إلغاء القرار في هذه الحالة أن الإدارة انحرفت عن الهدف المخصص لقرارها و الذي بموجبه منحت سلطة الاستيلاء حيث إنها استعملت أحكام القانون في غير ما أعدت له 0

و قد استقر قضاء مجلس الدولة المصري و الفرنسي على إلغاء قرارات الإدارة التي تنحرف فيها عن الهدف الذي حدده لها المشرع من استعمال سلطة الاستيلاء حيث قضت المحكمة الإدارية العليا أنه " 000 حيث يستفاد من دفاع الوزارة 00 أنها تقرر بأن ذلك الاستيلاء الذي خصت به معصرة المدعي دون معاصر البلاد إنما قررته بسبب الشكاوى لم تسفر عن إدانة المدعي إذ انتهت جمعا إلى الحفظ إلا أن الوزارة لم تسلم بذلك , و قرت الاستيلاء و نفذته قبل أن يتم التحقيق نهائيا في تلك الشكاوى إذن فيكون الاستيلاء و الحالة هذه جزاء قصدت الإدارة توقيعه على المدعي بتسخير أحكام المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بالاستيلاء في غير ما أعد له و تكون الوزارة بتصرفها هذا قد أساءت استعمال سلطتها و انحرفت عن الغاية التي وضعت لها مما يعيب القرار المطعون فيه و يوجب إلغائه 0

و هذا الحكم يؤكد إن إلغاء قرار الاستيلاء على المعصرة موضوع الدعوى يجد سنده في أن قرار الاستيلاء فقد مبرره في تأمين تمويل البلاد من التلاعب و الجشع بعد ما أثبتت التحقيقات عدم صحة الشكاوى المقدمة ضد صاحب المعصرة بل إن الإدارة لم تنظر على ما سوف تسفر عنه تلك التحقيقات مما جعل المحكمة تستشف من ذلك وجود نية مسبقة لدى الإدارة في الاستيلاء بغض النظر عن توافر شروطه مسخرة في ذلك أحكام القانون في غير ما قصدت إليه و من ثم كان قرار الاستيلاء مشوبا بالانحراف بالسلطة مستوجبا الإلغاء 0

و الاستيلاء باعتباره قيد على حق الملكية فإنه يشترط لمشروعيته أن يكون قد تقرر لضرورة قصوى و يسقط الاستيلاء بانتهائها باعتباره إجراء مؤقت بطبيعته و يلزم هذا الإجراء أيضا تحقيق الهدف الذي تغياه المشرع منه و قد أرست هذه المبادئ المحكمة الإدارية العليا في أحدث أحكامها و الذي ذهبت فيه إلى أنه لا يجوز للجهة الإدارية المختصة اللجوء إلى الاستيلاء على عقارات الأفراد لحاجة التموين إلا في حالة الضرورة القصوى و التي يتعذر معها على الإدارة تدبير احتياجاتها بالطريق الطبيعي و من ثم يكون بهذه المثابة ذو طبيعة مؤقتة 000 كما أنه

يلزم لمشروعية قرار الاستيلاء وسيلة استثنائية , تتضمن قيدا على حق الملكية عبثا عليها لا يبره إلى الصالح العام الذي يحدده المشرع صراحة في القانون و من ثم لا يجوز لوزير التموين اللجوء إليها إلا إذا استنفذت جميع الوسائل العادية المتاحة و لم يجد بعدها إلى هذه الوسيلة الاستثنائية لتحقيق الهدف الذي تغياه المشرع من ضمان تزويد البلاد بالمواد التموينية و تحقيق العدالة في توزيعها فيكون في هذه الحالة ضرورة ملحة اقتضاها الصالح العام , شريطة أن تدر هذه الضرورة بقدرها و ألا تجاوز حدودها "



و قد أصدرت المحكمة الدستورية العليا في هذا الشأن حكما هاما حين قضت عدم دستورية المادة الأولى من القانون رقم 52 لسنة 1955 بتخويل وزير التعليم سلطة الاستيلاء على العقارات اللازمة للوزارة و معاهد التعليم و من بين ما استندت إليه المحكمة في حكمها أن البين من النصوص التي تضمنها القانون المطعون فيه أن الاستيلاء وفقا للأحكام التي تضمنته مادته الأولة ليس موقوتا بل متراخيا إلى غير حد و موكول انتهاؤه إلى السلطة التقديرية لوزير التعليم و تخرج بذلك الأموال من السلطة الفعلية لأصحابها 000 مما يعتبر غصبا لها يحيل أصلها عدما بل إن اغتيالها على هذا النحو يمثل أسوأ صور العدوان عليها لاتخاذه الشرعية ثوبا و إطارا و انحرافه عنها قصدا و معنى فلا تكون الملكية التي كفل الدستور صونها إلا سرابا و وهما 0

و في هذا الحكم إلهام للمحكمة الدستورية العليا اعتبرت أن الاستيلاء المؤقت يخرج عن مضمونه إذا فقد صفة التأقيت , و ذهبت إلى أن في ذلك انحرافا عن المشروعية أي انحرافا في استعمال السلطة 0

و قد استعملت الإدارة الفرنسية سلطة الاستيلاء مدفوعة في ذلك بظروف الحرب و ما خلفته من

مشكلات تمتد إلى نعظم نواحي الحياة لا سيما ما تعلق منها بالغذاء و المسكن إلا أن هذه السلطة باعتبارها سلطة استثنائية كانت محددة دائما بالغرض الذي من أجله منحت و قد عني المشرع الفرنسي بتحديد تلك الأغراض فإذا ما غفلت عنها الإدارة سهوا أو عمدا ألغي مجلس الدولة قراراها لذلك قضى مجلس الدولة الفرنسي بإلغاء القرار الإداري الصادر بالاستيلاء على كمية جبن مملوكة للطاعن لأنه قام بتصدير كمية جبن غير مشروعة و قد قرر مجلس الدولة في هذا الحكم " و حيث إن قرار مدير التموين بالاستيلاء على كمية جبن مملوكة للطاعن إنما من أجل توقيع جزاء عليه لقيامه بتصدير كمية جبن بطريقة غير مشروعة و بالتالي فإن الإدارة تكون قد استعملت حقها في الاستيلاء من أجل غرض أخر يختلف عن الغرض الذي تقرر هذا الحق من أجله و بناء عليه فإن قرار الاستيلاء يكون مشوبا بالانحراف بالسلطة "
الفرع الثاني :

استعمال الإدارة سلطتها في فض نزاع مدني



لكل سلطة من سلطات الدولة الثلاثة اختصاص ثابت يتعين عليها التزام حدوده ليكون عملها مشروع 0

و إذا كان المشرع قد خص السلطة القضائية بالفصل فيما ينشأ بين الأفراد من نزاع و حسمه بحكم قضائي تنفيذه ملزم للكافة , فإن محاولة اسلطة الإدارية الإطلاع بهذا الدور يجعل ما يصدر عنها من قرارات في هذا الشأن خارجة عن نطاق المشروعية مشوبة بالانحراف بالسلطة و ذلك بالرغم من نبل الغاية و استهدافها تحقيق صالح عام متمثل في تحقيق السلام الاجتماعي 0

و ترجع عدم مشروعة عمل الإدارة في هذه الخصوص إلا إن الإدارة استعملت سلطتها في غير ما أعهدت له بالإضافة إلى اعتدائها على السلطة القضائية الأصيل في فض ما ينشأ بين الأفراد من نزاعات كما أن الإدارة بحكم تكوينها و طبيعة أداءها لنشاطها غير مؤهلة أصلا لفض النزاعات التي ذات الصيغة المبينة التي تنشأ بين الأفراد حيث أن القضاء هو الأولى بممارسة هذا الدور لما يتمتع به من حيدة و نزاهة و استقلال 0

من أجل ذلك كان ما تصدره الإدارة من قرارات مستعملة فها سلطتها قاصدة فض نزاع ذي صبغة مدنية يكون مصيرها دوما الإلغاء القضائي 0

و هذا النوع من الانحراف كثيرا ما يرتكبه المحافظون و غيرهم من رجال الإدارة فتأتي قراراتهم مشوبة بعيب الانحراف بالسلطة حيث استعملت الإدارة الصلاحية المخولة لها قانونا من أجل تحقيق هدف يختص به القضاء العاجي 0

و بالرغم من أن هذا العمل يدخل في إطار الأعمال الخيرية الجليلة إلا أن مجلس الدولة الفرنسي رفض أن يعترف للإدارة بإجراءاته و الانحراف بسلطتها في سبيله حيث قضى بعدم مشروعيته قرار ضبط قصد به حل نزاع بين الأفراد 0

و قد سار مجلس الدولة المصري على ذات الدرب حيث أعلنت محكمة القضاء الإداري عن موقفها في هذا الشأن بوضوح في حكم لها ذهبت إلى أنه " قد بان للمحكمة أن المصلحة العامة اقتضت إنشاء خط تنظيم في الشارع الواقع عليه منزل المدعي و حيث إن هذا التنظيم قد تخلفت عنه القطعة موضوع النزاع فأصبحت من الأملاك الخاصة التي يصح التصرف فيها و يكون للمالك المجاور لها حق الشفعة العادي , المقرر في القانون المدني للجار الملاصق و من حيث إن البلدية قد صدر عنها فعلا للمدعي وعدا بالبيع بعد أنه هذا الوعد زاحمته عائلة أخرى و انتهى المر بصدور القرار المطعون فيه بإلغاء زوائد التنظيم المذكورة و إعادتها للشارع مما يحدث فيه فجوة و انبعاجا لا يتفق مع التنظيم و من حيث إن هذا التصرف قد يؤدي إلى فض المنازعة و التزاحم بين جارين بشأن شراء أرض أو الانتفاع بها إلا أنه لا يدخل ضمن وظيفة البلدية فض المنازعات الخاصة أو صيانة المن بل أن وظيفتها هي التنظيم الهندسي للمدينة " و انتهت المحكمة في حكمها بالإلغاء القرار الذي قصدت به الإدارة فض نزاع ذي صبغة خاصة 0



الفرع الثالث

رفض جهة تقديم خدماتها لأحد المواطنين

لإجباره على القيام بتصرف معين



على السلطات الإدارة واجب تجاه الأفراد , يتمثل في أداء ما كفله لهم القانون من خدمات شريطة أن تنطبق عليهم شروط استحقاقها فإن توافرت تلك الشروط فالإدارة ملزمة بأداء الخدمة بلا سلطة تقديرية لها في ذلك و تكون الإدارة قد ارتكبت انحرافا بالسلطة إن هي امتنعت أو تباطأت في أداء الخدمة أيا كان باعثها على ذلك نبيلا أنم كان خبيثا فسلوك الإدارة في هذه الحالة يمثل انحرافا بالسلطة حتى و لو كان دافع هذا السلوك الضغط على أداء ما عليه من أموال للدولة

و علة وصف قرار الإدارة بالانحراف في هذا الشأن , إن الإدارة استعملت سلطتها في غير ما أعدت له حين قصدت تحقيق صالح عام لم يكلفها القانون بتحقيقه لكون ذلك من اختصاص القانون بتحقيقه لكون ذلك من اختصاص سلطة إدارية أخرى و الهدف من إلغاء قرار الإدارة في هذه الحالة هو إعلاء شأن القانون حيث إن في سلامة تطبيقه تحقيق الصالح العام بصورة أكثر شمولا 0

لذلك قضى مجلس الدولة الفرنسي بإلغاء قرار الإدارة حيث استخدمت سلطة الضبط الإداري لإجبار المتعاقد معها على الوفاء بالتزاماته التعاقدية 0

و قد ألغت محكمة القضاء الإداري قرارا لقلم المرمر بالامتناع عن تسليم أحد المواطنين رخصة سيارته التي استوفى شروط استخراجها و ذلك بهدف إجباره على سداد الرسوم المتأخرة عليه لإحدى الجهات الحكومية 0

و في هذه الدعوى وضع قلم المرور في تصور خاطئ و هو أنه كجهة حكومية مكلف بالدفاع عن مصالح باقي الجهات الحكومية و في استيفاء حقوقها لدى الأفراد مستعملا في ذلك سلطته في منح أو منع استصدار تراخيص تسيير السيارات و قد دفعه هذا الاعتقاد الخاطئ إلى الحلول محل الجهة الحكومية الدائنة و التي كفل لها القانون من الوسائل ما يمكنها من استيفاء حقوقها 0

و قد أيدت المحكمة الإدارية العليا مذهب محكمة القضاء الإداري في هذا الشأن حيث قرت
إنه " لا يجوز لجهة الإدارة رفض منح الترخيص لأساب أخرى يدخل تقديرها في مجال اختصاصها "

المطلب الثاني

خطأ رجل الإدارة في استخدام وسائل تحقيق الأهداف

" الانحراف بالإجراء "

تمهيد و تقسيم :

يرجع وجه الخطأ في هذه الصورة من صور الانحراف عن الهدف المخصص إلى استعمال رجل الإدارة في سبيل تحقيقي هدف عام منوط به تحقيقه وسيلة غير مقررة قانونا ذلك أنه إذا كان الأصل هو حرية رجل الإدارة في اختيار وسيلة مواجهة الحالة فإن مناط ذلك ألا يفرض علبه القانون وسيلة مواجهة الحالة فإن مناط ذلك ألا يفرض عليه القانون وسيلة بعينها لتحقيق الغاية التي يريد الوصول إليها و قد يرجع تجاهل رجل الإدارة للوسيلة المشروعة لكونها أكثر تعقيدا أو مشقة و قد تستغرق وقتا أطول و أخيرا و هذا هو المهم فقد تحاول الإدارة تحقيق أغراض مالية بغير الطريق المقرر لذلك 0

و يطلق على هذه الصورة من صور الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف الانحراف بالإجراء و سوف يكون تناولنا لها من خلال تحديد ماهيتها و تحديد صوراها و ذلك في الفرعيين الآتيين 0

الفرع الأول :

ماهية الانحراف بالإجراء 0

الفرع الثاني :

أوجه الانحراف في استعمال الإجراء 0

الفرع الأول :

ماهية الانحراف بالإجراء



أولا مفهوم الانحراف بالإجراء :

بداية : الإجراء هو وسيلة لتحقيق غرض معين كنزع الملكية أو التأديب فالتأديب مثلا يجب أن يتم بتطبيق النظام التأديبي الذي يتضمن كافة الإجراءات و الشكليات التي تراعي \من وقت وقوع المخالفة و حتى صدور الجزاء كمخالفة المواجه كما هو منسوب إليه و تمكينه من الدفاع عن نفسه , و تسبيب القرار الصادر بالجزاء و هذا النظام الذي يطبق هو الوسيلة القانونية للتأديب و يطلق عليه أيضا إجراءات التأديب يؤسس بعض تعريف الانحراف بالإجراء على فكرة الإجراء الإداري أو الوسيلة القانونية و لذلك قرر بوقوع بالانحراف بالإجراء عند قيام سلطة إدارية من أجل تحقيق أغراض تتعلق بالصالح العام و باستخدام إجراء إدراري أي وسيلة قانونية مختلفة تلك التي تقررت قانونا من أجل بلوغ الهدف الذي تسعى الجهة الإدارية إلى تحقيقه 0

و قد ركز البعض في تعريفه للانحراف بالإجراء على موضوع الإجراء ذاته , لذلك ذهب إلى أنه حصر فكرة الانحراف بالإجراء في الحالة التي يطبق فيها الإجراء من أجل موضوع أرخ غير الموضوع الذي خصص له دون بحث الغرض 0

و أخيرا جمع بعض الفقه في تعريفه للانحراف بالإجراء ما بين فكرة الغرض و فكرة الإجراء و وفقا لذلك ذهب إلى تمثيل الانحراف بالإجراء في عدم الملائمة المتعمدة للإجراء مع الهدف و يتحصل في أن تستخدم الإدارة إجراء لتحقيق أغراض مختلفة عن ذلك الذي يتعين عليها استخدامه للوصول إليها 0

وقد يحدث الإجراء بالانحراف عندما تملك الجهة الإدارة اختصاصات متنوعة في العقاب ثم تستخدم الوسائل و الإجراءات المقررة لاختصاص منها في مجال اختصاص أخر كنا قد يحدث في حالات التجريم عندما يمكن أن يكون الفعل الواحد موضوع تكيفات و أوصاف مختلفة , و لكل جريمة منها إجراءات متميزة في العقاب عليها تختلف عن الأخرى و تتبع الإدارة الإجراءات المقررة لواحد منها في مجال العقاب عن الأخرى 0

و بذلك يتمثل الانحراف بالإجراء في مخالفة رجل الإدارة للوسيلة المحددة له من قبل المشرع باللجوء إلى وسيلة أخرى بغرض التحايل على قواعد الاختصاص أو التهرب من شكليات معينة قد يحتاج معها إصدار القرار إلى نفقات أكثر و وقت أطول

و قد يكون الهدف من استعمال رجل الإدارة إجراء يخالف ما نص عليه القانون هو الهروب من رقابة القضاء أو إلغاء بعض ضمانات الأفراد 0

و أيا ما كان غرض الإدارة من التنكر لإجراء الذي قرره المشرع لممارسة اختصاصها فإنها تكون قد انحرفت بسلطتها بمجرد مخالفتها للإجراء المقرر 0

و أساس الانحراف بالإجراء هو استعمال الإدارة إجراء إداري لا ينبغي استعماله بالنسبة للغرض المشروع الذي ترمي إلى تحقيقه و إنما قد يصح لاستعماله بالنسبة لاستهداف غرض أخر 0

و بذلك يقع الانحراف بالإجراء عند استعمال رجل الإدارة في سبيل تحقيق هدف عام منوط به تحقيقه وسيلة غير مقررة قانونا 0

و على ضوء ما تقدم يمكن تعريف الانحراف بالإجراء بأنه مخالفة رجل الإدارة و هو بصدد تحقيق هدف يتعلق المصلحة العامة و يدخل في اختصاصاته تحقيقه للإجراء الذي حدده المشرع لتحقيق هذا الهدف و يترتب على مخالفة رجل الإدارة للوسيلة القانونية التي حددها المشرع و لتحقيق هذا الهدف يترتب على مخالفة رجل الإدارة للوسيلة القانونية التي حددها المشرع لتحقيق أحد أهداف المصلحة العامة , و تحقق الانحراف بالإجراء دون اعتبار للباعث الذي دفع برجل الإدارة للانحراف عن الإجراءات المقرة قانونا فلا عبرة للباعث لاستقلال المخالفة عن الدافع إليها 0

و تبدو أهمية الانحراف بالإجراء في أنه يكشف بوضوح عن عيب الانحراف بالسلطة دون الحاجة إلى البحث عن مقاصد متخذ القرار بمعنى أن الانحراف بالإجراء يتضمن الدليل الموضوعي على الانحراف بالسلطة 0

و بذلك فإن الانحراف بالإجراء يقلل من صعوبة إثبات عيب الانحراف بالسلطة و الذي يعتمد إثباته في الغالب على عناصر ذاتية يصعب الوصول إليها 0

كما تبرز أهميته في انطوائه على إخلال مزدوج بالقانون بمعناه الواسع حيث يتضمن إخلالا بالنص الذي أنشأ الإجراء الذي استعملته الإدارة و من ناحية إخلالا بالنص الواجب الإتباع مما يؤدي إلى تعديل في شروط و مجال تطبيق القانون على خلاف إرادة المشرع كما أنه غالبا ما يكون مصحوبا بالإسناد إلى أسباب غير حقيقية أو إغفال بعض الشكليات و من هنا ظهرت خطورة الانحراف بالإجراء التي برت أهميته في الواقع العملي 0

ثانيا : موقف الفقه من الطبيعة القانونية للانحراف بالإجراء :

ثار خلاف في الفقه الفرنسي و المصري حول كما إذا كان الانحراف بالإجراء يمثل عيبا قائما بذاته من عيوب المشروعية أم أنه يدخل في نطاق عيب الانحراف بالسلطة حيث انقسم الفقه في هذا الشأن إلى اتجاهين سوف نتناول كل اتجاه و أسانيده على النحو التالي :



الاتجاه الأول :

الانحراف بالإجراء عيب مستقل من عيوب القرار الإداري 0

و جد هذا الاتجاه تأييد من بعض الفقه الفرنسي حيث ذهب mourgeon إلى أن الانحراف بالسلطة لا يختلط بالانحراف في استعمال الإجراء حيث يمكن أن وجد انحراف في الإجراء و العكس فيمكن أن يوجد انحراف في استعمال السلطة دون الانحراف في الإجراء مثال ذلك توقيع الجزاء التأديبي لإجراءات المقررة و لكن بقصد الإضرار كما يمكن أن يوجد الانحراف بالإجراء دون انحراف بالسلطة 0

و ذلك عندما تملك السلطة الإدارية اختصاصات متنوعة في العقاب كما يتوافر لها العدي من الإجراءات العقابية يختلف موضوع كل منها عن الأخر فإذا استخدمت سلطة العقاب الإجراء المقرر و مفاد ذلك أنه رغم الارتباط بين الانحراف بالإجراء و الانحراف بالسلطة في كثير من الأحوال إلا أن التلازم بينهما ليس أتمر ضروريا و لهذا يمكن التمييز بينهما حيث الانحراف بالإجراء لا يخفي دائما انحرافا في استعمال السلطة 0

و قد أرجع بعض هذا الفقه سبب الاستقلال ما بين الانحراف بالإجراء و الانحراف في استعمال السلطة إلى اختلاف ط\بيعة كل منهما و ذلك لتعلق الانحراف بالإجراءات بعدم المشروعية في الشكل و الإجراءات في القرار الإداري و هو في ذلك يختلف عن عيب الانحراف بالسلطة 0

و أخيرا انتهى أنصار هذا الاتجاه في تبريرهم للاستقلال الانحراف بالإجراء عن عيب الانحراف بالسلطة إلى أن عدم المشروعية في حالة الانحراف بالإجراء لا تكمن في الغرض المستهدف بواسطة القرار و إنما تكمن في الوسيلة المختارة من أجل بلوغ هدف محدد بواسطة القوانين و اللوائح 0

و قد وجد هذا الاتجاه صدى لدى البعض الفقه المصري و الذي ذهب إلى تمتع الانحراف بالإجراء بذاتية مستقلة عن عيب الانحراف بالسلطة استنادا إلى أن الانحراف في حالة مخالفة الإجراءات لا يقوم على سلطة إنما يقوم على إجراء وفقا للمفهوم الواسع للإجراء و الذي يعني الوسيلة القانونية كما أن الهدف اذي يسعى رجل الإدارة إلى تحقيقه في حالة الانحراف بالإجراء يتعلق دائما بالمصلحة العامة في حين أنه لا يكون كذلك على الدوام في حاله على إجراء وفقا للمفهوم الواسع للإجراء و الذي يعني الوسيلة القانونية كما أن الهدف الذي يسعى رجل الإدارة إلى تحقيقه في حالة الانحراف بالإجراء يتعلق دائما بالمصلحة العامة في حين أنه لا يكون كذلك على الدوام في حاله على إجراء وفقا للمفهوم الواسع للإجراء و الذي يعني الوسيلة القانونية كما أن الهدف الذي يسعى رجل الإدارة إلى تحقيقه في حالة الانحراف بالإجراء تعلق دائما بالمصلحة العامة في حين أنه لا يكون كذلك على الدوام في حالة الانحراف بالسلطة فهو قد يكون منيت الصلة بالمصلحة العامة و قد يكون متعلقا بها كما في حالة مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف حيث يستخدم رجل الإدارة سلطته من أجل تحقيق غرض يتعلق بالصالح العام , و لكن يدخل في اختصاصه تحقيقه و في هذا يختلف الانحراف بالسلطة عن الانحراف بالإجراء و الذي يكون فيه رجل الإدارة دائما مختصا بتحقيق الهدف الذي يسعى إليه و ذلك على خلاف الوضع في الانحراف بالسلطة و الذي يستهدف فيه رجل الإدارة إعمال تحقيق غرض منبت الصلة بالمصلحة العامة و بالتالي لا يدخل في اختصاص أو اختصاص أي جهة إدارية و إما أن يستهدف تحقيق غرض يتعلق بالصالح العام و لكنه لا يدخل في اختصاصه تحقيق هذا الغرض , و للتدليل على اختلاف الانحراف بالسلطة عن الانحراف بالإجراء ذهب أنصار هذا الرأي إلى أن الأول يقوم على فكرة وجود إجراءين و هذا لأمر ليس ضروريا في الثاني 0

كما ذهب أنصار اتجاه استقلال الانحراف بالإجراء عن الانحراف بالسلطة إلى أن عيب الانحراف بالإجراءات يتعلق أساس بمخالفة نطاق تطبيق القاعدة الإجرائية فكل قاعدة قانونية حدد لها مجال تطبيق فيه فإذا طبقت خارج هذا النطاق عد هذا التطبيق مخالفا لمبدأ المشروعية و لذلك فإنه كما أكد أنصار هذا الاتجاه أصالة عيب الانحراف بالإجراء من خلال وضع تعريف متميز لكل من قواعد الشكل و الإجراءات فعلى حين يقصد بقواعد الشكل المظهر الخارجي للعمل أو القرار الإداري فإن القواعد الإجرائية التي يراد بها أساس العمل القانوني في ذاته أو العملية القانونية التي ينطوي عليها و أضاف أن اختلاف قواعد الشكلية و الإجرائية عن بعضها البعض يؤدي إلى ضرورة إخضاع كل منهما بصورة منفصلة و مستقلة لطائفة مميزة من الأحكام القانونية المنظمة لها جوهريا 0
[size=12]الاتجاه الثاني :

الانحراف بالإجراء صورة للانحراف بالسلطة 0

ذهب عض الفقه الفرنسي إلى إلحاق الانحراف بالإجراء بعيب الانحراف بالسلطة حيث تتعمد فيه جهة الإدارة استعمال إجراء إداري بدلا من إجراء أخر 0

و بذلك فإن الانحراف بالإجراء ليس له ذاتية مستقلة 0

و قد حظي ذلك الاتجاه بتأييد واسع من الفقه المصري و الذي دهب إلى أنه إذا استعملت الإدارة إجراءات غير تلك التي هي مقررة قانونا فهي بذلك تستعمل الإجراءات في غير موضعها و لغير الهدف المخصص و ذلك هي تخالف قاعدة تخصيص الأهداف و من ثم فإن الانحراف بالإجراء ليس عيب جديد يختلف عن عيب الانحراف بالسلطة فإذا خالف رجل الإدارة الهدف المخصص فإنه يرتكب انحرافا بالسلطة في صورة مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف حيث إن رجل الإدارة و إن كان منوطا به تحديد الهدف إلا أنه لم يستعمل في ذلك ما حدده له القانون من وسائل

و قد ذهب هذا الاتجاه في تأييد لاعتبار الانحراف بالإجراء يدخل في إطار عيب لانحراف بالسلطة إلى تقسيم أوجه الانحراف بالسلطة المتصلة بالنشاط الإداري إلى وجهين أولهما يتصل بمبدأ تخصيص الأهداف و ثانيهما عيب الانحراف المتصل بالإجراء حيث ذهب في شرحه للانحراف بالسلطة المتصل بالإجراء إلى أن الأصل أن للإدارة أن تتخير الوسيلة التي ترى أنها تحقق الصالح العام أو الهدف الخاص الذي توخاه المشرع في مزاولة نشاط معين بيد أنه إذا كان القانون قد حدد وسيلة معينة لتحقيق هذا الهدف وجب على الإدارة أن تلتزم بهذه الوسيلة فلا تجاوزها إلى غيرها 0

و يرى مشاهير هذا الاتجاه أن الانحراف بالإجراءات هو أحد أشكال الانحراف بالسلطة المتصل بالإجراء إلى أن الأصل أنت للإدارة أن تتخير الوسيلة التي ترى أنها تحقق الصالح العام أو الهدف الخاص الذي توخاه المشرع في مزاولة نشاط معين , بيد أنه إذا كان القانون قد حد وسيلة معينة لتحقيق هذا الهدف وجب على الإدارة أن تلتزم بهذه الوسيلة فلا تتجاوزها إلى غيرها 0

و يرى مشاهير هذا الاتجاه إن الاتجاه بال لانحراف هو أحدج أشكال الانحراف بالسلطة و لكنه يحدث في مجال الإجراءات الإدارية إذ تلجأ الإدارة إلى استعمال إجراء بعينه تراه أيسر من الإجراء المحدد لها قانونا إنجاز هدف معين 0

و استعمال إجراءات في غير مجالها المحدد هو خروج على الهدف المخصص و بالتالي ف‘إن الانحراف بالإجراءات مجرد صورة لقاعدة تخصيص الأهداف و ليس من مبرر لاعتباره صورة مميزة عن صور الانحراف بالسلطة 0

كما أن في اعتبار الانحراف بالإجراء صورة من صور الانحراف بالسلطة تمشيا مع موقف المشرع المصري حيث اقتصرت قوانين مجلس الدولة على إيراد الوجه الخمسة للإلغاء دون نص على اعتبار الانحراف بالإجراء وجه سادس مستقل للإلغاء

و كان دليل هذا الفقه على أن الانحراف بالإجراء صورة لعيب الانحراف بالسلطة أن التحق من الانحراف بالإجراء يكشف بوضوح عن الانحراف عن استعمال السلطة دون الحاجة إلى البحث عن مقاصد متخذ القرار معنى أن الانحراف بالإجراء يتضمن الدليل الموضوعي على الانحراف بالسلطة 0

رأينا في الخلاف الفقهي :

بعد استعراض الاتجاه الذي يرى في الانحراف بالإجراء عيبا مستقلا من عيوب القرار الإداري و الاتجاه الذي يراه أحد صور الانحراف بالسلطة و و بعد إيضاح أسانيد كل اتجاه فإننا نعتقد أن الانحراف بالإجراء لا يمكن أن يكون عيب مستقل من عيوب مشروعية القرارات الإدارية حيث لا يعدو أن كون أحد صور عيب الانحراف بالسلطة إلى سلطة و استناد الانحراف بالإجراء إلى إجراءات حيث أنهم لم يضعوا معيارا يفصل ما بين السلطة و الإجراء كما أن ما ذهبوا إليه من أن الهدف الذي يسعى إليه رجل الإدارة في حالة انحرافه بالإجراءات يتعلق دائما بالمصلحة العامة أمر لا يمكن التعميم به فأحيانا قد يقصد بالانحراف بالإجراء ما هو مخالف للمصلحة العامة , كما لو قصد به حرمان شخص من ضمانة كفلها له القانون كما هو الشأن في حالة توق\يع يع جزاء مقنع على موظف دلا من اتخاذ الإجراءات التأديبية تجاهه و التي تمكن من خلالها من الدفاع عن نفسه و الطعن على قرار الجزاء بالسبل المشروعة 0

إذا أضفنا إلى ذلك أن هذا الرأي لم يلق مساندة تشريعية حيث لم يذكر المشرع الانحراف بالإجراء كوجه مستقل لإلغاء القرار الإداري

و لم يلق تطبيقا قضائيا حيث استقرت أحكام القضاء على إلغاء قرارات الإدارة لكونها مشوبة بعيب الانحراف بالسلطة بالرغم من الانحراف بالإجراء فيها في غاية الوضوح فإننا نستخلص من أن اتجاه اعتبار الانحراف بالإجراء عيبا مستقلا لا سند له من القانون أو التطبيق في الواقع العملي 0

الفرع الثاني :

أوجه الانحراف بالإجراء

يأخذ الانحراف بالإجراء صورا شتى فد تنحرف الإدارة عن الإجراءات المقررة قاصدة من ذلك تحقيق نفع مادي كما في حالة الانحراف بالسلطة إصدار خط التنظيم أو الانحراف بسلطة الاستيلاء المؤقت أو نزع الملكية للمنفعة العامة و كما قد تستعمل سلطات اضبط القضائي في غير ما أدت له تحقيقا لهذا الغرض 0

إضافة لكما تقدم فإن الإدارة قد تنحرف بالإجراءات و هي بصد استخدام سلطتها في مجال تأديب موظفها أو نقلهم أو وضع تقارير قياس كفايتهم , أو تنحرف بسلطتها في فصلهم لإلغاء الوظيفة 0

و إيضاحا لما سبق سوف نتناول صور خطأ الموظف في استخدام الوسائل المقررة على التفصيل التالي :

أولا : الانحراف بالسلطة لتحقيق المصلحة

المالية للإدارة :

قد تنشد إحدى السلطات الإدارة المحلية الحصول على موارد لتغطية أوجه إنفاقها المتزايدة دون اللجوء إلى الموازنة العامة للدولة , اللجوء إلى الموازنة الهامة للدولة فتقوم بابتداع مصادر جديدة للإيرادات أو تزيد من حصيلة المصادر القائمة فعلا , و لا شك أن ابتغاء هذه السلطات زيادة دخلها هدفه تحسين الخدمة التي تؤديها للمواطنين و هي غاية مشروعة لتمشيها مع الصالح العام دون شك إلا أنها في سبيل ذلك قد تنحرف بالسلطة المخولة لها و ذلك بإتباع أساليب لم يمنحها القانون حق استعمالها و ذلك لعلمها أن تلك الوسائل تمكنها من الوصول إلى مآربها في سهولة و يسر

و لإلقاء الضوء على هذا الوجه من أوجه الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف , سوف نتناول بالبحث النقاط التالية :

1- موقف القضاء من انحراف الإدارة بسلطتها لتحقيق أهداف مالية 0

2- أوجه الانحراف بالسلطة لتحقيق أهداف مالية 0

3- نطاق الانحراف بالسلطة لتحقيق أهداف مالية 0





1- موقف القضاء من انحراف الإدارة

بسلطتها لتحقيق أهداف مالية 0



تنازع موقف مجلس الدولة الفرنسي و المصري و هما بصدد تقرير مدى مشروعية انحراف الإدارة بسلطتها بقصد تحقيق أهداف مالية , اتجاهين قررا في أحدهما عدم مشروعية تلك القرارات لخروجها على قاعدة تخصيص الهداف 0 و اقرأ في الأخر مشروعيتها و ذلك تحت تأثير ضغط ظروف معينة 0

و سوف نتناول بالتفصيل الاتجاه التقليدي لمجلسي الدولة الفرنسي و المصري , ثم أوجه الانحراف المستندة إلى هذا الاتجاه , و نتطرق بعد ذلك لبيان كيف حاد المجلسان عن ذلك 0

"أ" الاتجاه التقليدي :

عدم مشروعية انحراف الإدارة بسلطتها لتحقيق أهداف مالية:

وفقا لهذا الاتجاه استقرت أحكام مجلسي الدولة الفرنسي و المصري على إلغاء قرارات الإدارة التي ابتغت من وراء إصدارها تحقيق أهداف مالية و تأسيسا على خروج تلك القرارات على الهدف المخصص , و الذي لأجله منحت الإدارة سلطة التقرير , و قد دأب القضاء على إلغاء مثل تلك القرارات ,أياي كانت الوسيلة التي اتبعتها الإدارة لوصول إلى تحقيق مصلحتها المالية سواء كان ذلك عن طريق انحراف الإدارة بسلطة الضبط الإداري أو استعمالها المنحرف لإجرائي نزع الملكية للمنفعة العامة و الاستيلاء المؤقت على العقارات , أو انحرافها بسلطة إصدار خط التنظيم 0

و سوف نتناول موقف القضاء من كل صورة من صور الانحراف الإدارة بسلطتها لتحقيق مصلحتها المالية على التفصيل الآتي :

"1" استخدام سلطة الضبط الإداري

لتحقيق المصلحة المالية للإدارة :

استقر القضاء الإداري الفرنسي على استخدام سلطة الضبط لتحقيق أحد أغراض المصلحة العامة يعد انحرافا بالسلطة حيث تمارس الإدارة سلطات الضبط الإداري من أجل تحقيق هدف خاص و محدد , هو المحافظة على النظام العم , بعناصره المحددة " الأمن و الصحة السكانية " فإذا ما استخدمت هذه السلطات لتحقيق أغراض أخرى كانت قراراتها غير مشروعة للانحراف بالسلطة

و بعد استخدام الإدارة لسلطة الضبط الإداري لتحقيق أهدافها المالية من أخطر صور هذا النوع من الانحراف بالسلطة , حيث يصعب على الأفراد اكتشافه فالإدارة تحت ستار أغراض الضبط الإداري الثلاثة , تلجأ إلى تحقيق مصلحتها المالية

لذلك ذهب مجلس الدولة الفرنسي في أحكامه السابقة على عام 1930 إلى إلغاء مثل تلك القرارات و كان قضاؤه حاسما في قضية عيدان الحكومة الفرنسية احتكرت صناعة الثقاب , و لضمان عدم المنافسة من المصانع الأخرى قامت بإغلاق المصانع التي لم تحصل على ترخيص سليم بمباشرة أعمالها و بالرغم من أن إغلاق تلك المصانع يدخل في نطاق النظام العام الذي تختص بتحقيقه سلطة اضبط الإداري إلا أن مجلس الدولة الفرنسي ألغى قرار الغلق حيث ثبت لديه أن غايته ليس تحقيق النظام العام , و إنما لمساعدة الإدارة ماليا و هي وسيلة غير مقررة قانونا و من ثم يكون قرارها مشوبا بالانحراف في اسلطة 0

و لقد تكرر هذا الإلغاء في أحكام أخرى عديدة لذات السبب , و من أمثلة ذلك إلغاء قرار يقضي بمنح احتكار البلدية boulogne بتسيير عربات الشاطئ و قصره عليها , و كان ذلك بقصد جلب منفعة مالية لها "

و قد ساير مجلس الدولة المصري نظيره الفرنسي في إلغاء القرارات الإدارية المشوبة بالانحراف بالسلطة ممثلا في مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف , و ذلك لابتغائها تحقيق مصالح مالية للإدارة حيث قضت محكمة القضاء الإداري بأن امتناع قلم مرور عن تسليم رخصة سيارة لصاحبها بالرغم من استيفائه شروط استخراجها , و ذلك بهدف تمكين جهة حكومية أخرى من الحصول على ما هو مستحق لها من المبالغ المالية تجاه طالب الترخيص يمثل انحراف في استعمال السلطة

و سبب الإلغاء في تلك الحالة أن قلم المرور ليس معنيا سوى بتحصيل المبالغ المستحقة له فقط و التي هي شرط استصدار الترخيص , فإن هو استعمل تلك السلطة بهدف تحصيل مبالغ مستحقة لجهات أخرى فإنه يكون قد استعمل تلك السلطة بهدف تحصيل مبالغ مستحقة لجهات أخرى , فإنه يكون قد استعمل سلطته في غير ما أعدت له و يكون قراره في هذا الشأن مشوبا بالانحراف

بالسلطة حتى و لو كان هدفه تحقيق مصلحة عامة و هي تحصيل أموال عامة 0

و أيدت المحكمة الإدارية العليا هذا لاتجاه حيث ألغت قرار اضبط صادر بالأوراق سوق خاصة يوم الاثنين من كل أسبوع ليتحقق رواجا لسوق عمومي 0

و سبب الإلغاء في ذلك الحكم أن قرار اضبط خرج عن الإطار الذي حدده القانون لإصداره , فلم يهدف إلى تحقيق أي من عناصر النظام العام الثلاثة بل قصده نفع مادي , يعود عليها من جراء رواج السوق الذي تديره 0

"ب" الانحراف بسلطة نزع الملكية

لتحقيق مصلحة مالية :

منح القانون رقم 577 لسنة 54 للإدارة سلطة نزع ملكية ما يملكه الأفراد من عقارات , شريطة أن تكون لازمة للمنفعة العامة أو لحماية مال عام 0 و ذلك بهدف خدمة الصالح العام , مع دفع التعويض القانوني

و إذا كان للإدارة سلطة تقديرية في هذا الشأن إلا أنها خاضعة لرقابة القضاء للتأكد من استمرارية المنفعة العامة المراد تحقيقها بتلك الوسائل و كذلك التأكد من مدى لزوم العقارات المزمع نزع ملكيتها لتحقيق النفع العام , الذي لأجله لجأت الإدارة إلى ذلك الإجراء الاستثنائي 0

فإذا كان ما رمت إليه الإدارة من وزراء إصدار قرار نزع الملكية هو تحقيق نفع مالي لها فإنها تكون قد انحرفت عن قاعدة تخصيص الأهداف , و يكون قرارها الصادر بنزع الملكية مشوبا بالانحراف بالسلطة , حيث إن تحقيق نفع مادي للإدارة و إن كان يدخل في نطاق تحقيق المصلحة العامة إلا أنه ليس هو الهدف الذي من أجله منح المشرع الإدارة سلطة نزع الملكية 0

و تطبيقا لذلك ألغى مجلس الفرنسي قرارا أصدره محافظ كان المقود به تمكين البلدية الضرورية بها , من اكتساب ملكية بعض العقارات بطريق نزع الملكية بهدف إنشاء بعض المرافق البلدية الضرورية بها , حيث ألغى المجلس القرار استنادا إلى أنه مشوب بالانحراف بالسلطة حيث كان مرماه تحقيق مصلحة مالية للبلدية لا يختص المحافظ بتحقيقها

كما ألغى قرار لوزير الحربية الذي لجأ فيه إلى نزع ملكية قطعة أرض للتهرب من نفقات إعادتها إلى حالتها قبل التأجير لوزارة الحربية , و الذي نجم عنه إحداث عطب شديد بالأرض بسبب سوء استعمال و كان المجلس و كلن سند المجلس في الإلغاء أن الإدارة استعملت سلطة نزع الملكية في غير ما تقررت لأجلها تلك السلطة

و في هذا الحكم يتأكد أن تحقيق النفع المالي للإدارة يتخذ صورة إيجابية و ذلك بإضافة مبالغ جديدة لميزانية الهيئات الإدارية على النحو الوارد بالحكم الأول , و قد يتخذ هذا النفع صورة سلبية و ذلك بعدم إخراج مبالغ من تلك الميزانية و يؤكدها الحكم الثاني , و إذا قصدت الإدارة تحقيق أي من الصورتين في قرارها بنزع الملكية كان هذا القرار مشوبا بالانحراف في السلطة 0

و تحقيقا لمبدأ عدم جواز استعمال سلطة نزع الملكية لتحقيق نفع الإدارة المادي , ألغت المحكمة الإدارية العليا قرار رئيس مجلس الوزراء و الذي استصدرته إحدى الجامعات بنزع الملكية لبعض الأفراد لاستكمال منشآتها الجامعية , حيث ثبت أن الجمعية تصرفت في أرض مملوكة لها في تاريخ صدور قرار نزع الملكية , حيث ذهبت إلى أن في ذلك إساءة لاستعمال اسلطة , و تجاوز الغاية التي حددها الدستور و القانون , و لما في ذلك المساس بالملكية الخاصة مع تنكب للغاية التي قامت عليها فكرة التضحية بالمصالح الشخصية لحساب الصالح العام 0

و هذا الحكم لأرسى مبدأ جديدا و هو أنه لا يشترط لإلغاء قرار نزع الملكية للمنفعة العامة أن يكون هذا القرار قصد به تحقيق نفع مادي مباشر للإدارة , بل يكفي لذلك أنت يكون هذا النفع غير مباشر و هو ما حدث مشار إليه إله في الطعن السابق , حيث إن الإدارة استفادت ماديا بحصيلة بيع الأراضي التي تصرفت فيها , و التي كان بوسعها إنشاء ما تشاء عليه من منشآت , و من ثم فلا تجوز لها استصدار قرار بنزع ملكية عقارات مملوكة للأفراد لتحقيق ذات الغرض حيث إن قرار تنوع الملكية للمنفعة العامة يكتسب مشروعيته , إذا ثبت أنه لم يكن هناك وسيلة لتحقيق المنفعة العامة إلا باللجوء إلى تلك الوسيلة الاستثنائية 0 أما و قد ثبت أنه كان بوسع الإدارة ذلك , إلا أنها فضلت عليه تحقيق نفعها المادي و الذي يعود عليها من حصيلة البيع , فإن قرار نزع الملكية يكون مشوبا بالانحراف بالسلطة لكونه ستارا للتغطية على الاستفادة المادية التي حازت عليها الإدارة 0


"ج" الانحراف بالسلطة الاستيلاء المؤقت :

أعطى المشرع للإدارة سلطة الاستيلاء على ما يلزمها من أملاك الأفراد لتتمكن من القيام بواجبها نحو ضمان سير المرافق العامة لتؤدي خدماتها لجمهور المتعاملين معها , و سلطة الاستيلاء مقررة تشريعيا بالقانون رم 577 لسنة 544 و المعدل بالقانون رقم 252 لسنة 1960 حيث قصرت المادة الثالثة من هذا القانون استعمال حق الاستيلاء على العقارات اللازمة للمنفعة العامة عن قرار يصدر عن رئيس الجمهورية إلا أن المادة 17 من ذات القانون أعطت للمحافظ سلطة إصدار قرار بالاستيلاء المؤقت في الحالات الطارئة و المستعجلة 0

و قد وصف القانون رقم 5 لسنة 1907 في المادة 22 منه هذا الاستيلاء بأنه مؤقت و ذلك لتميزه عن الاستيلاء الدائم نتيجة لنزع الملكية و قد تتحايل الإدارة على القانون فتلجأ إلى الاستيلاء المؤقت على عقار بينما هي في الحقيقة تقصد نزع ملكيته و هدفها من ذلك تحقيق مصلحتها المالية لأن هذا لاستيلاء لا يحملها الأعباء المالية التي تتكبدها في حالة لجوؤها إلى إجراء نزع الملكية فالإدارة في الاستيلاء المؤقت لا تلتزم إلا بدفع قيمة الخسائر الناجمة عن هذا الاستيلاء كما أن تعويض الأفراد عن نزع ملكية عقاراتهم يكون فوريا بعكس التعويض في حالة الاستيلاء المؤقت توفيرا للنفقات و هدف الإدارة من ذلك بالطبع هو تحقيق مصلحتها المالية و هنا يقع الانحراف بالسلطة , حيث إن الإدارة خرجت بالسلطة الممنوحة لها عن الإطار المحدد لممارسة تلك السلطة لأن في اللجوء إلى الاستيلاء المؤقت كبديل لنزع الملكية المقرر دستوريا مع حرمان الأفراد من الحصول على حقوقهم المالية المترتبة على نزع الملكية و لتحديد ما إذا كان الاستيلاء على عقار معين يمثل استيلاءا مؤقتا أنم أنه يهدف إلى الاستيلاء النهائي دون إتباع إجراءات نزع الكلية يمكن الارتكان إلى معيار طبيعة العمل الذي تم الاستيلاء و تحدي ما إذا كان مؤقتا أو نهائيا فإذا كان العمل للذي تم الاستيلاء من أجله يمثل منشآت دائمة فإن الاستيلاء يكون نهائيا أما إذا كان الاستيلاء قد تم من أجل إقامة منشآت أو أعمال لها صفة التأقيت و ليس صفة الدوام فإنه يمكن القول أن الاستيلاء هنا يمثل استيلاء مؤقتا 0

و قد أكد ذلك مجلس الدولة الفرنسي في قضية تتلخص وقائعها في أن الجهة الإدارية أصدرت قرارا بالاستيلاء المؤقت على الأرض المملوكة لأحد الأفراد من أجل تسهيل تنفيذ الأعمال المتعلقة بإنشاء مكان لإقامة العمال 0 و مخزن للمواد اللازمة للعمل المزمع إنشاؤه و قد لجأ صاحب الشأن إلى المحكمة الإدارية العليا 0 التي قضت بإلغاء القرار المطعون فيه للانحراف بالإجراء و لكن مجلس الدولة عند إثارة الدعوى أمامه قضى بأن قرار الاستيلاء لم يكن مشوبا بالانحراف لأن الأعمال التي صدر من أجلها القرار لم يكن لها صفة الدوام و انتهى إلى إلغاء حكم المحكمة الإدارية 0

كما ألغى قرار اتخذته إحدى المدن بالاستيلاء المؤقت على قطعة أرض لإنشاء ملعب محلي عليها و استند مجلس الدولة في إلغاء هذا القرار إلى أن المنشآت التي تريديها المدينة من الاستيلاء المؤقت لها صفة الدوام و بالتالي فإنه كان يتعين اللجوء إلى إجراء نزع الملكية في حالة عدم توافر الاتفاق الودي 0

و أخيرا قضى مجلس الدولة الفرنسي بوجود انحراف بالسلطة لمخالفة قاعدة تخصيص الأهداف إذا لجأت الإدارة إلى "إجراءات الاستيلاء المؤقت يقصد الاستيلاء الدائم أو نوع الملكية و ذلك توخيا للسهولة و تفاديا لإتباع إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة , بما تتسم به من كثرة الأعباء المالية على الإدارة 0

و قد تصدى مجلس الدولة المصري لإلغاء قرارات الإدارة التي قصدت بها استعمال سلطة الاستيلاء المؤقت كبديل لنزع الملكية للمنفعة العامة بما تتسم ه من كثرة الأعباء المالية على الإدارة 0

و قد تصدى مجلس الدولة لإلغاء قرارات الإدارة التي قصدت بها استعمال سلطة الاستيلاء المؤقت كبديل لنزع الملكية للمنفعة العامة و ذلك بهدف تحقيق نفع مادي لها , و قد ذهبت محكمة القضاء الإداري في حكم شارح لها إلى أنه " حيث أن المشرع حرص على وصف الاستيلاء بأنه مؤقت , تميزا له عن نزع الملكية , و من حيث أن الحكومات أصدرت القرار المطعون فيه بالاستيلاء مؤقتا على أرض المدعيات تمهيدا لنزع الملكية على ما جاء في دفاعها فاتجاهها واضح بأن وضع يدها منذ البداية بصفة دائمة و سبيل ذلك إنما كون باستصدار مرسوم خاص بنزع الملكية , أما الاتجاه إلى نظام الاستيلاء المؤقت فهو اتجاه غير سليم , و يجافي ما استهدفه الشارع من هذا النظام و من ثم يكون قرار الإدارة في هذا الشأن مشوبا بالانحراف بالسلطة 0

و قد فرق هذا الحكم ما بين الاستيلاء المؤقت و الاستيلاء الدائم حيث لا يجوز اللجوء إلى الأول هربا من الالتجاء إلى الثاني و في حالة إقدام الإدارة على ذلك يكون قراراها مشوبا بالانحراف في استعمال السلطة 0

و الاستيلاء المؤقت له هدف محدد , هو تحقيق المصلحة العامة , الممثلة في ضمان سير المرافق العامة بإضطراد فإذا كان اتخذت الإدارة من هذا الاستيلاء عقوبة توقع على صاحب العقارات المتأخرين عن تقديم ما طلبته منهم من إقرارات فإن هذا يمثل انحرافا في استعمال السلطات و يؤكد هذا الانحراف ما ثبت من اتجاه نية الإدارة إلى تحقيق مصلحتها المالية , على حساب الأفراد الذين حرمتهم من الاستفادة بعقاراتهم حيث استولت عليها دون مقابل لمدة ثماني سنوات لذلك قضت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار الاستيلاء , و تعويض أصحاب العقارات

بأربعين ألف جنيه0



"د" الانحراف بسلطة إصدار خط التنظيم :

أعطى المشرع للإدارة سلطة إصدار خط التنظيم من أجل رسم حدود الشوارع 0 و منع تجاوز الإفراد و تعديهم على الطريق العام و و في حالة دخول عقارات داخل نطاق خط التنظيم فإن الإفراج يقع عليهم التزام بعد ترميمها حتى إذا ما تهدمت سهل على الإدارة ضمها إلى الطريق العام كما يلتزم الأفراد بعدم البناء على الأراضي الفضاء الواقعة داخل حدود خط التنظيم و إلا بعد الحصول على إذن بذلك 0

و قد تستخدم الإدارة سلطتها في إصدار خط التنظيم كبديل لإجراء نزع الملكية للمنفعة العامة الذي يكلفها مبالغ كبيرة و تهدف الإدارة من ذلك إلى تحقيق نفع مادي حيث تستطيع ضم الأراضي التي تدخل في حدود هذا الخط دون أن تدفع سوى قيمة الأرض الفضاء , و إذا أقدمت الإدارة على ذلك فإن عملها يكون مشوبا بالانحراف بالسلطة حيث أن الإدارة حادت عن الهدف الذي منحت لأجله سلطة إصدار خط التنظيم و قصدت تحقيق نفع مادي و ذلك عن طريق وسيلة غير مقررة " الإكثار من إصدار خط التنظيم " مكان وسيلة أخرى مقررة " نزع الملكية للمنفعة العامة "

و قد يثور التساؤل عن المعيار الذي يتعين الارتكان إليه , لتحديد متى يجوز للجهة الإدارية أن تلجأ إلى إجراء خط التنظيم , و متى يتعين عليها اللجوء إلى إجراء نزع الملكية و لا شك أن المعيار الذي يمكن تطبيقه هنا , هو طبيعة الغرض المستهدف من العملية الإدارية و ذلك لأن خطة التنظيم تقررت من أجل رسم حدود الشوارع و منع الأفراد من التجاوز و التعدي على الطريق العام و فإن قصدت الجهة الإدارة ذلك كان عملها مشروعا , أما إذا استهدفت الجهة الإدارة افتتاح طريق جديد فإنه يتعين عليها اللجوء لاستخدام إجراء نزع الملكية فإن هي استعاضت عنه بإجراء خط التنظيم فإن عملها يكون مشوبا بالانحراف بالسلطة 0

و انحراف الإدارة بسلطتها في إصدار خط التنظيم ما هو إلا نزع ملكية بطريق غير مباشر , و هو أسهل منالا للإدارة من اللجوء إلى وسيلة نزع الملكية ذات النفقات الكثيرة و لذلك فكثيرا ما تلجأ الإدارة إلى هذه لوسيلة تهربا من الأعباء المالية التي تستلزمها إجراءات أمر نزع الملكية و لهذا فإن مجلس الدولة الفرنسي يلزم الإدارة بأن تلتزم في إصدارها لخط التنظيم لتطبيق الحدود و كلما تبين أنها تقصد في الحقيقة بخط التنظيم نزع الملكية مستتر , فإنه يلغي قراراتها إذا ما طعن فيها 0

و قد ألغى مجلس الدولة الفرنسي قرارات الإدارة التي ثبت له أنها استعاضت فيها عن إجراء نزع الملكية للمنفعة العامة بإجراء إصدار خط التنظيم قاصدة من ذلك تحقيق نفع مادي على حساب الاعتداء على حق الملكية 0

فقد قضى بأنه " حيث إن جهة الإدارة تهدف إلى افتتاح طريق جديد فإن ذلك يترتب عليه عدم إمكانية تطبيق ارتفاق خط التنظيم و ن اكتساب ملكية الأرض الضرورية لهذا الغرض , يتم بواسطة نزع الملكية 0

كما ذهب إلى أنه قد ترتب على خطة التنظيم أن الحدود الجديدة لطريق ما سوف يضم داخلها عقارا كاملا أو للجزء الأكبر منه فإنه في هذه الحالة لا يكون هناك مجال لتطبيق خطة التنظيم و هذا العقار لا يمكن إلحاقه بالطريق العام إلا بوسيلة نزع الملكية 0

و إلغاء القضاء لتلك ا القرارات يجد مبرره , في أنه إذا كانت سلطة الإدارة في إصدار خط التنظيم ينبع من مسئوليتها عن تحسين الطرق , مما ينعكس بصورة إيجابية على جمهور المتعاملين مع هذه الطرق , كما أنم ملاك العقارات التي طرأت عليها التحسينات يستفيدون من ذلك حيث ترتفع القيمة الاقتصادية لعقاراتهم إلا أن ذلك لا يبرر انحراف الإدارة في إصدار خطة التنظيم , هادفة منذ لم تحقيق مصلحتها المالية لمل في ذلك من اعتداء على حق الملكية المقرر دستوريا 0

"2" التحول من الاتجاه التقليدي :

" مشروعية الانحراف بالسلطة لمصلحة الإدارة المالية "

كان المبدأ العام الذي سار عليه القضاء الفرنسي و المصري -0 على نحو ما سبق يؤكد رفض خروج الإدارة على قاعدة تخصيص الأهداف بغية تحقيق أهدافها المالية حيث عد ذلك انحجرافا بالسلطة يستوجب إلغاء قرار الإدارة و التعويض عنه إن كان لذلك مقتضى 0

إلا أن هذا المبدأ ما لبث أن طرأ عليه تطور هام يمثل في إقرار مجلسي الدولة الفرنسي و المصري لمشروعية القرارات المخالفة للهدف المخصص في سبيل تحقيق أهداف الإدارة المالية تأسيسا على أن تلك القرارات لم تعد تشكل انحرافا بالسلطة 0

و هذا التحول المنصب أساسا على قاعدة تخصيص الأهداف يعني توسيع نطاق فكرة المصلحة العامة بحيث يدخل في هذا النطاق المصلحة المالية لإدارة المحلية و التي اعتبرت أهدافها المالية من أهداف المصلحة العامة 0

و يرج ع هذا التحول في قضاء مجلس الدولة الفرنسي إلى ظهور مبادئ سياسية و اجتماعية بعد سنوات الحرب العالمية الأولى و ما صاحبها من انكماش في المذهب الفردي و نهوض بالمذهب الجماعي مما أدى إلى اتساع فكرة الصالح العام على حساب المصلحة الفردية و كان ذلك داعيا إلى نظر المبدأ الصالح العام بمنظور جديد يعمل على التضحية بالصالح الفردي في سبيل صالح المجموع فقي بعض الحالات و كان في تطور النظم الاقتصادية و تدخل الدولة في مظاهر النشاط الاقتصادي و ما ألقته على المرافق العامة من أعباء و تكاليف متزايدة مما يجعلها في حاجة إلى زيادة مواردها المالية و كانت العوامل الاقتصادية التي ظهرت في شكل أزمات مالية منذ عام 1930 , سببا يدعو إلى التفكير في الحصول على موارد مالية لسد ما عجزت السلطة العامة عن مواجهته من أزمات متعددة فرضها التطور السياسي و الاجتماعي كل ذلك أدى إلى التطور الذي لحق مبدأ انحراف السلطة للمصلحة المالية للإدارة 0

و قد تجلى تحول مجلس الدولة عن الاتجاه التقليدي في موقفه من المشروعات ذات الصبغة التجارية أو الصناعية التي تقيمها الهيئات الإقليمية فبعد أن كان يلغى كل قرار إداري يعرض عليه في هذا الصدد إنه بدأ الآن يهدأ من حدة موقفه و يسمح للسلطات البلدية بأن تتدخل و تنشأ هذا النوع من المشروعات حتى ولو ثبت لديه أنها عاجزة عن سد احتياجات الأفراد 0

و على ذلك إذا أنشأن الجهات المحلية مشروعات تجاريا أو صناعيا فإن مجلس الدولة لا يلغي قرارها بإنشاء هذا المشروع و ذلك ليمكن الهيئة المحلية من الحصول على مورد مالي جديد , حتى ولو كان هذا المشروع لا يشبع حاجات الأفراد
و قد طبق مجلس الدول ذلك في قضية تتلخص وقائعها في أن إحدى السلطات المحلية قد افتتحت محلا لبيع اللحوم نظرا لإغلاق المحلات التي كانت قائمة بالمنطقة بسبب الأزمة الاقتصادية فلما انتهت حدة الأزمة فتحت تلك المحال من جديد و طالب أصحابها بغلق المحال البلدية إلا أن مجلسي الدولة الفرنسي رفض هذا الطلب مقررا هذا المحل يحافظ على توازن الأسعار 0

كما قضى المجلس بأن افتتاح إحدى البلديات مسرحا لا يتعارض مع حرية التجارة طالما أن المسارح الخاصة لا تسبع حاجة البلدية 0

و في قضية تلخص وقائعها في إقامة إحدى البلديات مغسلا استغلته للحصول على أرباح مالية فرفع أحد الأشخاص دعوى يطالب فيها منع البلدية من استغلال هذا المغسل لأنه عمل تجاري لا يجوز لها مباشرته فرفض مجلس الدولة ذلك مقرا إن إنشاء هذا المغسل يعود بالفائدة على الصحة العامة 0

و إذا كان مجلس الدولة الفرنسي في أحكام أخرى أكثر وضوحا في إسباغ حمايته لقرارات الإدارة التي تسعى بها إلى تحقيق أهداف مالية حيث أعلن أمن " مسعى الإدارة لتحقيق أغراض مالية هدف المشروع لأن موازنة الميزانية المحلية من أغراض المصلحة العامة "

و تطبيقا لهذا التحول فقد أقر مجلس الدولة الفرنسي , ما هدفت إليه إحدى الهيئات المحلية من تحقيق صلحتها المالية عن طريق تخفيض أعباء صيانة الطرق العامة بأن أصدرت قرارات بقصر المرور في أحد الطرق على عربات النقل العامة التي لا تزيد على ثقل معين و ذلك لحماية هذا الطريق من التلف و قد ذهب مجلس الدولة إلى أن هذا القرار مشروع بالرغم من أن هدفه الواضح و هو ضغط نفقات البلدية على هذا الطريق هو بلا شك هدف مالي 0

كذلك أعلن المجلس مشروعية قرار الإدارة بقصر المرور في أحد الشوارع المنشأة حديثا على العربات التي لا تجاوز ثقلا معيا حيث انتهى إلى أن هذا القرار ليس مشوبا بأي صفة تعسفية و ذلك استنادا إلى أن العمل على التخفيف من المصاريف التي تقع على كاهل القرية لا يمكن أن ينظر إليه كانحراف بالسلطة 0

و قد سار القضاء الإداري المصري على درب القضاء الإداري الفرنسي المطور حيث أقر مبتدئ النظرية الحديثة للمصلحة المالية 0 فلم يعد يرى في استخدام سلطات الهيئات المحلية لتحقيق مصلحتها المالية انحرافا في استعمال السلطة و ذلك تحت ضغط الرغبة في توفير الموارد المالية اللازمة ليقام المرافق العامة بوجباتها المتزايدة نتيجة لتطور النظم الاجتماعية والاقتصادية 0

و لهذا قضت محكمة القضاء الإداري بأن الأسباب المالية التي دعت إلى سحب الترخيص لامتناع المدين عن دفع الإتاوة تدخل ضمن المصلحة العامة و من ثم فإن المجلس البلدي إذا استهدف من إلغاؤها أن يفيد ماليا ليتسنى له إصلاح شوارع المدينة و التي تتأثر بعمل الشركات المرخص لها عملا مستمرا و أن نفقات إصلاحها تصل إلى مبالغ كبيرة إنما استهدفت هدفا مشروعيا فليس ثمة من شك في أن موازنة الميزانية المحلية من أغراض المصلحة العامة 0

و يختلف اتجاه مجلس الدولة الفرنسي عن نظيره المصري في مدى إجازة الانحراف بالسلطة لمصلحة الإدارة المالية حيث يشترط الأول وجود مصلحة عامة إلى جوار المصلحة المالية أما الثاني فلا يشترط ذلك , و من ثم لا يلغي قرار الإدارة و لو قصدت من وارؤه تحقيق المصلحة المالية وحدها و يؤكد ذلك حكم محكمة القضاء الإداري الذي أقرت فيه مشروعية قرار إداري باعتباره غير مشوب بالانحراف بالسلطة على الرغم من استهدافه مصلحة مالية بحتة لموازنة ميزانية إحدى البلديات و دون أن يحقق أية مصلحة عامة بجانبها 0

(3) نطاق تطبيق الاتجاه الحديث :

أقر القضاء الفرنسي و المصري – على نحو ما رأينا انحراف الإدارة في استعمال سلطتها لتحقيق أ هداف مالية إلا أن لذلك مجالا معينا فهو يقتصر أصلا على عمل السلطات المحلية , و حتى في ميدان خدمات المجالس المحلية , فإنه يلزم ألا يكون هدفها من الانحراف بسلطتها ماليا بحتا , إذ يضيف القضاء أسبابا أخرى تتصل بصالح المرفق و صالح المنتفعين به 0

و لذلك فإن الاتجاه القضائي السابق لا يعني زوال انحراف اسلطة لمصلحة الإدارة المالية بأن أصبحت هذه المصلحة بمنجاة عن كل إلغاء 0

حيث إن الانحراف بالسلطة التي تؤدي إلى إلغاء القرار الإداري لمجانية قاعدة تخصيص الأهداف و ذلك إذا ثبت للقاضي أن هدف القرار مالي بحت بحيث لا يخالطه هدف آخر من أهداف المصلحة العامة أما إذا كان القرار يحقق مصلحة عامة أخرى إلى جوار المصلحة المالية فإن مجلس الدولة الفرنسي لا يلغي القرار و قد تأكد ذلك في قضية تتلخص وقائعها في إصدار مدير إقليم قرار إعلان نزع الملكية لمنفعة عامة لقطعة أرض مملوكة ملكية خاصة و ذلك بهدف إقامة مشروع ترفيهي في الهواء الطلق لقضاء أوقات الفراغ مع السماح لإحدى الشركات الخاصة باستغلال أجزاء من الأرض المعينة و فتح منجم عليها ثم أصدر المدير بعد ذلك قرارا بالسماح بإحدى الشركات باستغلال المنجم طعن ذوي الشأن على هذا القرار تأسيسا على أن الإدارة هدفت بقرارها تحقيق مصلحة مالية من عائد استغلال الشركة للمنجم , إلا أن مجلس الدولة الفرنسي أيد قرار المدير مقرا أن قيام المدينة بتأجير استغلال المنجم كان هدفه تحقيق الصالح العام بأقل تكلفة و انتهى إلى مشروعية قرار المدير الذي يعلن المنفعة العامة , و الذي يعلن القابلية للتنازل عن العقارات اللازمة لإنجاز هذا المشروع حيث إنه غير مشوب بإساءة استعمال السلطة 0

تعقيب :

نعتقد بأن في إضفاء المشروعية على انحراف الإدارة بسلطتها لتحقيق مصلحتها المالية , وإن كان فيه إشباع لاحتياجات الهيئات المحلية المالية إلا أن فيه اعتداء على حقوق الأفراد المقررة دستوريا , و تنكر لمبدأ المشروعية الذي يجب إعلاؤه على أي مصلحة مادية فنبل الغاية لا يبرر استخدام الوسيلة 0 و في تقرير مشروعية هذا الانحراف بالسلطة خطورة بالغة لما في ذلك من جعل حقوق الأفراد و احترام مبدأ مشروعية هذا الانحراف بالسلطة خطورة بالغة لما في ذلك من جعل حقوق الأفراد و احترام مبدأ المشروعية رهن احتياجات الهيئات المحلية لزيادة إيرادتها0

و بالرغم من ذلك فإنه إذا كان لا محالة من إقرار هذا المبدأ تحت إلحاح احتياجات الإدارة المحلية المادية – و التي تفرضها الظروف الراهنة – و حتى لا ينفصل القضاء عن الواقع فإننا نرى أن يسير مجلس الدولة المصري على نهج نظيره الفرنسي الذي يشترط لإقرار مشروعية مثل تلك القرارات , ألا يكون هدفها مالي بحت بل يجب أن يقترن به هدف تحقيق لمصلحة عامة كما نرى أهمية أن يشترط مجلس الدولة المصري ضرورة أن يكون هدف تحقيق مصلحة الإدارة المحلية المالية ثانويا إلى جانب هدف تحقيق المصلحة العامة المقترن به , إضافة إلى ذلك يجب أن يقتصر تطبيق هذا المبدأ في أضيق نطاق ممكن باعتباره استثناء على القاعدة العامة التي توجب احترام الهدف المخصص حتى يكون القرار منزها عن عيب الانحراف في استعمال السلطة 0
ثانيا : الانحراف بسلطة تأديب الموظفين :



حتى تتمكن الإدارة من أداء واجبها في الحفاظ على انضباط العمل الإداري فقد كفل لها المشرع حق تأديب موظفيها بتوقيع ما يناسب مخالفتهم من جزاءات تأديبية منصوص عليها لمنعهم من معاودة اقترافها و دفعهم إلى الحرص على عدم الإخلال بوجباتهم الوظيفية و حتى يعتبر غيرهم من الموظفين الذين قد تسول لهم أنفسهم ارتكاب المخالفات و هدف توقيع الجزاء التأديبي يجب أن يكون دائما تحقيق الصالح العام المتمثل في ضمان سلامة أداء الجهاز الإداري و رفع كفاءاته لضمان سير و انتظام المرافق العامة في الوفاء بالتزاماتها نحو جمهور المتعاملين معها و لكن حق الإدارة في توقيع الجزاء على رجالها ليس حقا طليقا من كل قيد بل هو حق مشروط بأن يكون الجزاء صريحا و ليس مستترا خلف قرار نقل أو خلافه , كما أن الإدارة يتعين عليها لتوقيع الجزاء أن تتبع الإجراءات المقررة قانونا للتأديب , و ذلك حتى يتمكن العامل من الدفاع عن نفسه فإن خالفت الإدارة هذا الشرط أو ذاك أو خالفت الهدف من منحها سلطة التأديب و هو تحقيق المصلحة العامة كان قرارها مشوبا بالانحراف في استعمال السلطة 0

و يظهر الانحراف بالسلطة التأديب بجلاء فيما يطلق عليه " العقوبة المقنعة " كنقل عامل أو ندبه بدلا من توقيع جزاء تأديبي عليه و هذه عقوبة مستترة خلف ستار تنظيم العمل في الإدارات و المصالح و المرافق العامة 0

و تتعلق مشكلة العقاب المقنع في واقع الأمر بأخلاقيات الإدارة و سلوكها في مواجهة موظفيها حيث تقوم في هذا الصدد عمدا بتوقيع عقوبات بالمعنى الصحيح للفظ على موظفيها عن طريق خفي غير قانوني مستخدمة في تحقيق مآربها في بعض الأحيان إجراءات منصوص عليها في القانون و في أحيان إجراءات منصوص عليها و لكنها تستخدمها في غير الأغراض التي تقررت من أجلها و للقضاء على هذا النوع من العقاب يجب على الإدارة من جانب أول الالتزام بتسبيب جميع القرارات ذات الآثار العقابية الضارة الصادرة عنها 0 كما يجب على المشرع من جانب ثان تقنين كافة الإجراءات و التدابير التي تسعى الإدارة من خلالها لتوقيع العقوبات المقنعة كما يجب على القضاء أخيرا بوصفه المحامي لحقوق الأفراد ألا ينفصل عن الواقع العملي عند تطبيقه للقانون على الوقائع المعروضة عليه بحيث يتفحصها و يتلمس معالمها في ضوء الظروف الملابسة لها و التي أدت إلى اتخاذها بما لا يخل بمصلحة كل من الإدارة و العاملين فيها 0

و قد وقف مجلس الدولة المصري وقفا حاسما من قرارات الإدارة التي قصدت بها توقيع جزاءات مقنعة حيث ألغت محكمة القضاء الإداري قرارا إداريا بنقل أحد أعضاء تنظيم نقابي حينما ثبت لديها أن القرار صدر بقصد التنكيل بالمدعي بسبب نشاطه النقابي المناوئ للإدارة 0 و من ثم كان مشوبا بإساءة استعمال السلطة 0

كما ذهبت المحكمة الإدارة العليا ؟إلى أن الندب تترخص فيه جهة الإدارة بما لها من سلطة تقديرية و لا تعقيب على قرارها طالما خلا من إساءة استعمال السلطة 000 و من صور إساءة استعمال السلطة تعديل قرار الندب إلى نقل ثم إعادته و صدور تلك القرارات في وقت قصير بعد أن أوضحت الإدارة عن صدها في أن الغرض من ذلك هو توقيع جزاء تأديبي "

في هذا الحكم اعتبرت المحكمة أ ن إصدار الإدارة لقرارات نقل و ندب متتابعة في فترة وجيزة دليل على الانحراف بالسلطة و من ثم ألغت قرار ندب أحد أعضاء الإدارات القانونية دون موافقته الكتابية بعد ما كشفت الإدارة عن أن قصدها من الندب و النقل توقيع جزاء تأديبي و وجه الانحراف هنا أن الإدارة خالفت الهدف المخصص للنقل و هو حسن سير و انتظام المرافق العامة حيث استبدلت به الهدف المخصص للتأديب و المتمثل في المنع و الردع 0

و قد استشفت المحكمة الإدارية العليا أن الإدارة اتخذت من النقل وسيلة لعقاب الموظف استندا إلى أن النقل تم إلى جهة تزخر بالعمالة الزائدة , و ليس بها درجات خالية و أن قرار النقل واكبه ادعاء جهة الإدارة المنقول منها الموظف لأنه تعدى بالضرب على أحد زملائه بالعمل و قد استنتجت المحكمة من كل الملابسات أن النقل اتخذ بهدف توقيع عقوبة مقنعة على الموظف المنقول لذلك ذهبت إلى إلغاء القرار الصادر به لكونه مشوبا بالانحراف بالسلطة 0

و إذا كان ما سبق هو موقف مجلس الدولة من الجزاءات المقنعة المستترة خلف قرارات النقل ما دام قد خلا من شبهة الجزاء التأديبي المقنع لذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه " و لما كان الثابت من الأوراق أن الوظيفة المنقول إليها هي وظيفة مدير إدارة الرقابة على المخزون السلعي و لم يثبت من الأوراق أو يقدم المطعون ضده ما يدلل على أن الوظيفة المنقول إليها نقل في درجتها أو مرتبها عن الوظيفة منها بل أن الثابت أن كلا من الوظيفتين يحتل موقعا واحدا في مجموعة الوظائف المالية و المحاسبية " 0

و تأسيسا على ما تقدم ذهبت المحكمة إلى أن قرار النقل لا يحمل في طياته جزاء مقنعا و لذلك فهو قارا مشروع و لا يجوز النعي عليه بالانحراف بالسلطة 0



ثالثا : الانحراف بسلطة نقل الموظفين

قد تفرض مقتضيات الصالح العام على جهة الإدارة نقل أحد موظفيها من مكان لم يعد بحاجة إلى خدماته إلى مكان آخر في أمس الحاجة إلى تخصصه و هذا هو النقل المكاني و يختلف عن النقل النوعي الذي يكون من وظيفة لأخرى في نفس المستوى الوظيفي و في نفس جهة العمل حيث تفرض متطلبات العمل الإداري اللجوء إليه 0

و حتى يكون النقل مشروعا يجب أن يكون نابعا من الرغبة في تحقيق مصلحة العمل و تيسير أداءه 0

و رفع مستوى الخدمة التي يؤديها الجهة الإداري , حيث إن القاعدة المسلمة أن للإدارة سلطة نقل وظفيها بهدف تحقيق الصالح العام فإذا خالفت جهة الإدارة هذه القاعدة فإن القضاء يلغي قرارها لأنه مشوب بعيب إساءة استعمال السلطة 0

و النقل بنوعيه هو سلطة خولها المشرع للجهة الإدارية تجريه وفقا لسلطتها التقديرية حسبما يمليه عليها صالح العمل و مقتضياته 0

و المشرع حينما منح الإدارة سلطة تقديرية لإجراء النقل النوعي من وحدة إلى أخرى أو من داخل الجهاز الحكومي و الهيئات العامة إلى القطاع العام أو العكس فإنه يشترط ألا يضار الموظف من جراء ذلك بألا يفوت على الموظف المنقول دوره في الترقية " و ألا يكون النقل وظيفة دوره في الترقية و ألا يكون النقل إلى وظيفة أقل درجة من الوظيفة التي يشغلها 0

فيجب ألا تحرك ممارسة الإدارة لهذه السلطة سوى حوافز الصالح العام و حسن تنظيم المرفق المبرر لتوزيع عمال المرافق على نحو من الأنحاء 0



كما يجب أن يكون قرار النقل مقصودا لذاته , أما إذا اتخذت الإدارة ما منحت من سلطة تقديرية في النقل لتحقيق أغراض أخرى , فإن القضاء قد جرى على إلغاء تلك القرارات فلا يجوز أن يتخذ من نقل الموظف وسيلة تأديبية على خلاف ما قرره القانون من إجراءات كما يجب ألا يكون هدف الإدارة مع النقل الانتقام من موظف أو إفادته على حساب المصلحة العامة 0

و تطبيقا لذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بإلغاء قرار نقل قصد به الانتقام من موظف حيث ثبت أن النقل رغما عن موافقة الموظف و إلى جهة مجال الترقي فيها مقفول و ذلك بهدف حرمانه من مزاياه و ترقية غيره في الدرجة الوظيفية التي كان يشغلها من قبل0

و يلاحظ إن إلغاء المحكمة لقرار النقل موضوع الدعوى سببه انحراف الإدارة بسلطة النقل حيث لم يكن مبررها في استعمالها الرغبة في تحقيق المصلحة العامة بل الانتقام من موظف و محاباة آخر 0

و قد ذهبت محكمة القضاء الإداري إلى أن عدم بيان الجهة الإدارية لوجه الصالح العام الذي تغياه من قرار نقل الموظف بشكل و كن الخطأ في قرار النقل 0

و وفقا لهاذ الحكم فقد اشترطت محكمة القضاء الإداري لمشروعية قرار النقل أن تفصح الإدارة عن وجه صالح العام الذي حدى بها إلى إصداره , و بذلك خالف هذا الحكم قرينة الصحة المفترض توافرها في جميع قرارات الإدارة إلى أن يثبت العكس 0

و قد خالفت المحكمة الإدارية العليا محكمة القضاء الإداري في قضائها السابق حيث ذهبت إلى أن الأصل هو القضاء الإداري يقوم على سبب صحيح قانونا و أنه يصدر بقصد تحقيق الصالح العام و بغية سير المواقف العامة إلى أن يثبت العكس و انتهت إلى أنه لا يجوز أن ينسب الخطأ إلى الجهة الإدارية لمجرد أنها لم تبين وجه الصالح العام عند إصدارها قرار النقل 0

و أخيرا حددت المحكمة الإدارية العليا شروط نقل موظفي الإدارة حيث يجب أن يكون هدفه هو تحقيق الصالح العام و ألا يفوت على الموظف فرصة الترقي و ألا يكون متضمنا جزاءا مقنعا 0

و إذا كان ما سبق هو موقف مجلس الدولة الفرنسي لك يختلف عنه حيث أرسى مبدأ عدم جواز نقل موظفي الإدارة لغير هدف المصلحة العامة , و تطبيقا لذلك ألغى قرار نقل موظف بسب استناده إلى دوافع شخصية لا إلى المصلحة العامة , و انتهى على أن هذا القرار مشوبا بالانحراف في استخدام السلطة 0
رابعا : الانحراف بسلطة وضع

تقارير قياس الكفاية :

منح المشرع للإدارة سلطة وضع تقارير قياس كفاية لموظفيها حتى درجة وظيفة لتقييم أدائهم و لضمان القيام بالواجبات الوظيفية على النحو الأمثل و الهدف من تخويل الإدارة هذه السلطة هو تحقيق المصلحة العامة المتمثلة في حسن سير المرفق عموما و ذلك بحث العاملين على القيام بوظائفهم على الوجه الأكمل مع إثابة العامل الممتاز و عقاب العامل المقصر 0

إلا أن الإدارة قد تستعمل سلطتها في هذا الشأن استعمالا منحرفا لمجاملة موظف ذو حظوة مهمل أو لعقاب موظف كفئ و لكنه لا يحظى بقبول رؤساؤه لأسباب غير موضوعية و هنا يقع الانحراف بالسلطة في وضع تقرير قياس الكفاية 0

و قد تتخذ الإدارة من التقارير السنوية ذات الدرجات المنخفضة أسلوبا للعقاب المقنع0

و نظرا لملا تتسم به تلك التقارير من خطورة على المستقبل الوظيفي للخاضعين لها فقد بسط القضاء رقابته عليها ملغيا إياها إذا شابها انحراف بالسلطة 0

لذلك ذهبت المحكمة الإدارية العليا و هي بصدد إلغاء الضوء على كيفية وضع تقرير قياس كفاية إلى أن الدرجة التي يستحقها الموظف عن كل عنصر من العناصر الواردة بالتقرير السنوي هو أمر يترخص به الرئيس المباشر و المدير المحلي و رئيس المصلحة و لجنة شئون العاملين كل في حدود اختصاصه و لا رقابة للقضاء عليهم في ذلك 0

ما دام لم يثبت أن تقديراتهم كانت مشوبة بالانحراف أو إساءة استعمال السلطة لتعلق ذلك بصميم اختصاص الإدارة الذي ليس للقضاء أن ينصب نفسه مكانها فيه 0

و ذهبت في حكم آخر إلى أنه إذا كان التقدير ي بني على أساب تبرره , فإن تقرير درجة الكفاية للموظف ضعيف هو أمر يخرج عن رقابة القضاء لتعلقه بصميم اختصاص الإدارة طالما أن هذا التقدير قد خلا من الانحراف أو إساءة استعمال السلطة 0

و يلاحظ على قضاء المحكمة الإدارية العليا أنها لا تعطي لنفسها الحق في رقابة ملائمة قرار تقدير كفاية و إنما تكتفي بالرقابة علة مشروعيته , و ق اعترض بعض الفقه على موقف المحكمة الإدارية العليا حيث ذهب بحق إلى أنه كان يتعين على مجلس الدولة المصري بسط رقابته على قرار تقدير الكفاية , كما فعل منذ عام 1961 حين فرض رقابته على ملاءمة القرار التأديبي حينما اشترط لمشروعيته ألا يشوب تقديره غلو بأن يكون هناك ملائمة ظاهرة بين الجريمة التأديبية و الجزاء التأديبي حيث يرى هذا الاتجاه أنه كان من المأمول فيه منذ ذلك التاريخ أن يبسط المجلس رقابته على ملاءمة تقدير الكفاية فيشترط لمشروعيته ألا يكون هناك عدمن ملائمة ظاهرة بين هذا التقدير و بين أداء الموظف لعمله ذلك أن هناك سمات مشتركة بين القرار التأديبي و بين قرار تقدير الكفاية تحبذ التسوية بينها في مدى الرقابة القضائية عليها فإذا كانت الأخطاء التأديبية ليست محل حصر تشريعي فإن الأداء الوظيفي المتنوع للموظفين ليس محل حصر تشريعي أيضا و إذا كانت الجزاءات التأديبية تندرج بنص القانون فإن الأمر كذلك بالنسبة لمراتب تقدير الكفاية و إذا لم يكن هناك نصوصا قانونية تحدد عقوبة تأديبية لكل فعل بالذات , فإنه ليس هناك نصوصا قانونية تحدد مرتبة الكفاية معنينة لكل أداء وظيفي

و في تطبيق عملي للرقابة على بواعث الإدارة , ذهبت محكمة القضاء الإداري إلى أتنه " إذا كان الثابت من ملف خدمة الموظف أنه لم يطرأ على ما يؤثر في قدرته و كفايته حتى يحدو الأمر بلجنة شئون العاملين إلى خفض كفايته من 85 إلى 50 درجة 0 و إذا كان الثابت أيضا أنها رفعت درجة كفاية موظف آخر على النحو الذي أهله للترقية بالاختيار في ذات الجلسة الأمر الذي يقطع بأن هذا التخفيض و هذا ارفع لم يكونا إلا لوسيلة استهدفت ترقية الموظف الأخير دون الأول عن طريق التحكم في درجات الكفاية التي هي في ذاتها الواقعة المنشأة مشوبا بسوء استعمال السلطة 0

و لقد امتدت رقابة مجلس الدولة الفرنسي إلى تقارير الكفاية التي تحررها الإدارة لموظفيها فيقضي بإلغائها أما إذا استشعر تضمنها نوعا من الانحراف بالسلطة التي منحها لها المشرع لكي تمارسها في تحقيق هدف المصلحة العامة دون أية أهداف شخصية أو دوافع انتقامية 0

و في البداية كان مجلس الدولة الفرنسي يمتنع عن رقابة ملاءمة قرار تقرير الكفاية لذلك ذهب في أحد أحكامه إلى أنه لا يختص قاضي الإلغاء برقابة التقرير الذي يضعه رئيس المرفق سواء كان هذا التقرير تقديرا عاما أو درجة رقمية و كان سند مجلس الدول امتناعه عن قبول الطعن في الدرجات المعطاة الموظف العام في تقارير الكفاية 0

أن ذلك من الإطلاقات الإدارية التي لا يجوز للقضاء الإداري التدخل فيها حيث إن السلطات الرئاسية لموظف العام هي أقدر الجهات على تقييمه و على إعطاؤه الدرجات المعبرة دقة عن مستواه الوظيفي و كفاءته المهنية دون معقب عليها طالما أنها لم تخالف القانون 0

غير أن هناك تحولا هاما ظهر في قضاء مجلس الدولة الفرنسي حيث لم يكتف بجعل رقابته على تقارير قياس الكفاية رقابة مشروعية فحسب بل أضفى على تلك التقارير رقابة ملائمة و ذلك حين ذهب إلى أنه " و من حيث إن السيد leca منح عن سنة 1970 درجة رقمية مقدارها 17.25 درجة متبوعا بتقدير عام عن كفايته الوظيفية و حيث أنه لا يتبين من ملف الدعوى أن تقدير كفاية السيد leca مشوب بغلط بين في التقدي ر أو إساءة استعمال السلطة 0000 لذا فإنه يكون غير محق في ادعائه بأن الحكم المطعون فيه قد أخطأ حيث رفض دعواه 0

و قد دأب مجلس الدولة الفرنسي على إعلان عدم مشروعية الدرجات الممنوحة للموظف كالما لم تكن مستندة إلى سلوك الموظف العام و لم يكن أساسها كفاءته في أداء عمله 0

و يتضح من هذه الأحكام أن مجلس الدولة الفرنسي أسبغ رقابة الملائمة على تقدير قياس الكفاية حيث اشترط لسلامته وجود تناسب ما بين محل تقدير و سببه و معنى ذلك أن التقدير يكون غير مشروع إذا شابه خطأ بين في التقدير 0

تعقيب :

إذا كان مجلس الدولة الفرنسي و المصري قد اتفقا على إخضاع تقرير قياس الكفاية لرقابتهما , إلا أنهما اختلفا حول نطاق تلك الرقابة فعلى حين اقتصرت رقابة مجلس الدولة الفرنسي تخطت ذلك النطاق و أخضعته لرقابة الملائمة و نرى أن مسايرة مجلس الدولة المصري له في الخصوص من شأنه التضييق على الإدارة في الانحراف بسلطتها في وضع تقارير قياس الكفاية حين تعلم بأن القضاء سوف يفحص عناصره بما في ذلك أسس منح درجاته و التي كثيرا ما تنحرف الإدارة بسلطتها عند رصدها و ليس في ذلك افتئات على سلطة الإدارة في وضع تلك التقارير حيث لا يجوز لها التمسك بسلطة قد يكون في ممارستها إياها اعتداء على حقوق موظفيها مما يؤدي لإصابتهم بإحباط يكون له سيئ الأثر على أداء العمل الإداري بصفة عامة و لا يجوز للإدارة أن ترهب الرقابة القضائية لأن هدف هذه الرقابة الأسمى هو تمكين اسلطة الإدارية من ممارسة سلطاتها على النحو الأمثل و ذلك من خلال احترامها لمبدأ المشروعية و الذي استمدت سلطتها من خلاله 0

خامسا :

الانحراف بسلطة فصل

الموظف لإلغاء الوظيفة :

للإدارة انطلاقا من حرصها على تحقيق المصلحة العامة أن تقوم بإلغاء الوظيفة التي لم يعد لها مبرر و تقوم في هذه الحالة بالطبع بالاستغناء على الموظفين الشاغلين لها , و لكن إذا كان هذا الحق مقررا للإدارة على سبيل الاستثناء لمقتضيات الصالح العم , فإنه لا يجوز لها استعمال تلك الوسيلة السهلة للتخلص من الموظفين دون قانوني أو بمبررات شخصية كما لو السهل للتخلص من الموظفين دون مبرر قانوني أ بمررات شخصية كما لو قامت بالإلغاء الظاهري لوظيفة بهدف التخلص من الموظفين الشاغلين لها ثم إعادتها بعد ذلك لتعيين من تشاء فإن قامت الإدارة بذلك كان قراراها مشوبا بالانحراف بالسلطة 0

و يتبلور الانحراف في هذه الحالة في أن الإعفاء من الوظيفة يتم فيها بناء على معايير شخصية , تتعلق بالرابطة القائمة بين الموظف و الإدارة و التي تكون أشد انتصافا في الجهات الإدارية التي تضم عددا محدودا من الموظفين و بذلك يفوت تحقيق الهدف الذي تقرر من أجله – بحسب الأصل النص القانوني الذي يسمح للإدارة بإلغاء العمل الوظيفي و تظهر النية العقابية المقنعة للإدارة في هذه الحالة بصورة صريحة و معلنة تماما عند إعادة إنشاء نفس الوظيفة فيما بعد و إسناد أمرها إلى موظف أخر 0

و يتمثل الانحراف في هذه الحالة في الحياد عن المصلحة حيث ابتغت الإدارة بقرارها تحقيق مصلحة الغير دون أن يكون في ذلك تحقيق لمصلحة عامة 0

و قد ترتكب الإدارة انحرافا في استعمال الإجراءات و هي بصدد استعمال سلطة فصل الموظف لإلغاء الوظيفة , و يكون ذلك حينما يرتكب موظف أخطاء وظيفة تبرر توقيع جزاء تأديبي عليه و بدلا من أن تقوم جهة الإدارة بتوقيع الجزاء المناسب عليه فإنها تقوم بإلغاء الوظيفة التي كان يشغلها و بالتالي تصل إلى استبعاد هذا الموظف بوسيلة غير الوسيلة المقررة قانونا و لا شك أن الإدارة تبغي تحقيق الصالح العام باستبعاد الموظف الذي يرتكب أخطاء إدارية و ترى أنه غير صالح للاستمرار في عمله و لكن جهة الإدارة كان يتعين عليها اللجوء إلى الوسيلة المقررة قانونا لهذا الغرض و من ثم فإن لجوؤها إلى إلغاء الوظيفة و هي في الحقيقة تهدف إلى عزل الموظف الذي أغليت وظيفته يمثل انحرافا بالإجراء طالما أنه ليس هناك إلغاء حقيقي لهذه الوظيفة 0

و تطبيقا لذلك ألغى مجلس الدولة الفرنسي قرار الإدارة بفصل موظف لإلغاء الوظيفة في حين أنها كانت تهدف إلى توقيع جزاء تأديبي حيث ذهب إلى إن " القرار المطعون فيه لا يمثل قرار فصل لإلغاء الوظيفة و لكنه يمثل انحرافا بالإجراء طالما أنه ليس هناك إلغاء حقيقي لهذه الوظيفة 0

و تطبيقا لذلك ألغى مجلس الدولة الفرنسي قرار الإدارة بفصل موظف الإلغاء الوظيفة في حين أنها كانت تهدف إلى توقيع جزاء تأديبي حيث ذهب إلى أن " القرار المطعون فيه لا يمثل قرار فصل لإلغاء الوظيفة و لكنه يمثل قرار عزل و حيث إن الجهة الإدارية استبعدت الطاعن من وظيفته على نحو غير مشروع فإنها تكون قد ارتكبت خطأ من طبيعة تبرر قيام مسئوليتها 0

كما ألغى مجلس الدولة الفرنسي قرار جهة إدارية بفصل أحد موظفيها بعد أن تبين له ؟أن جهة الإدارة بعد أن تركت هذه الوظيفة شاغرة لمدة عام , قامت بإحلال موظف جيد محله و هذا ما استشف مجلس الدولة الفرنسي من خلاله أن القرار الصادر بفصل الموظف لإلغاء الوظيفة و إنما يمثل عزل دون إتباع الوسيلة المقررة قانونا 0

و قد تواترت أحكام القضاء الإداري المصري على أنه يشترط لمشروعية فصل موظف الإلغاء حقيقيا و ضروريا و يحقق المصلحة العامة و إلا كان هذا القرار مشوبا بالانحراف بالسلطة 0

و ترتيبا على ذلك ذهبت محكمة القضاء الإداري إلى أنه " لا يجوز فصل الموظف لإلغاء الوظيفة إلا إذا كان الإلغاء حقيقيا و ضروريا تقتضيه المصلحة العامة 000 فإذا ثبت من وقائع الدعوى إن إلغاء الوظيفة لم يكن حقيقة اقتضتها المصلحة العامة 00 كان منطويا على الانحراف مشوبا بعيب إساءة استعمال السلطة 0

و أكدت المحكمة الإدارية العليا ذات المبدأ حين ذهبت إلى أن فصل الموظف نتيجة إلغاء الوظيفة مشروطا بأن يكون ثمة إلغاء حقيقي للوظيفة التي كان يشغلها الموظف 0

و الواقع أن منح الإدارة سلطة فصل موظفيها لإلغاء الوظيفة أمر بالغ الخطورة حيث يمكن لها استغلاله لارتكاب كافة صور الانحراف بالسلطة من مجانية المصلحة العامة و مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف و نظرا لصعوبة إثبات الانحراف بالسلطة بصفة عامة فإن الإدارة قد تتمادى في انحرافها باستعمال سلطة فصل الموظفين لتحقيق مآرب منبتة الصلة بصالح المرفق 0
أكمل قراءة الموضوع ...
تصميم القالب : مدونة الأحـرار