الاثنين، 8 مارس، 2010

الرقابة السياسية على دستورية القوانين

الفرع الأول
الرقابة السياسية على دستورية القوانين

The Constitutional Political Review

ترجع نشأة الرقابة السياسية على دستورية القوانين إلى عهد الثورة الفرنسية , عندما أنشأ دستور السنة الثامنة للجمهورية مجلساً خاصاً للقيام بهذه المهمة , واستمرت فرنسا في تطبيق أسلوب الرقابة السياسية حتى يومنا هذا .

وسنتناول بالدراسة فيما يلي ماهية الرقابة السياسية على دستورية القوانين , والمثال النموذجي لها ( النموذج الفرنسي ) , وذلك على النحو التالي :

أولاً ـ ماهية الرقابة السياسية على دستورية القوانين :

تتميز الرقابة على دستورية القوانين بواسطة هيئة سياسية بأمرين( ): الأمر الأول ـ أنها رقابة سابقة على صدور القانون , تستهدف التحقق من مدى دستوريته , والحيلولة دون صدوره إذا ما ثبت مخالفته للدستور , ولهذا تعد في الواقع رقابة وقائية Preventive review . والأمر الثاني ـ أن من يتولاها ليس هيئة قضائية تتكون من قضاة متخصصين , بل يتولى مهمة هذه الرقابة هيئة سياسية , حيث يغلب الطابع السياسي على الأعضاء المكلفين بمباشرتها , أي التحقق من مدى موافقة أو مخالفة القوانين لأحكام الدستور .

وتنظم الدساتير عادة كيفية تشكيل هذه الهيئة السياسية , فقد يتم اختيار أعضائها عن طريق التعيين بواسطة الحكومة أو البرلمان أو بطريق الانتخاب من القاعدة الشعبية أو بطريق اختيار تلك الهيئة لأعضائها بذاتها .

ثانياً ـ تطبيقات الرقابة السياسية على دستورية القوانين ( النموذج الفرنسي )( ):

تعتبر فرنسا من الدول التي تميل تقليدياً إلى إبعاد القضاء عن معترك الرقابة على دستورية القوانين , وتكليف هيئة سياسية بمهمة التحقق من مطابقة القانون للدستور؛ وقد شهدت فرنسا عدة تطبيقات لأسلوب الرقابة السياسية منذ دستور السنة الثامنة الصادر سنة 1799 إلى دستورها الحالي الصادر سنة 1958 , مروراً بدستور سنة 1852 , ودستور سنة 1946 :
1 )
تجربة " مجلس الشيوخ الحامي للدستور " في ظل دستور السنة الثامنة للجمهورية :

أنشأ دستور السنة الثامنة لإعلان الجمهورية الفرنسية ـ بناء على اقتراح من فقيه الثورة الفرنسية سييز Sieyès ـ هيئة أطلق عليها اسم « مجلس الشيوخ الحامي للدستور » Le Sénat conservateur de la Constitution , ويتكون من ثمانين عضواً يعينون مدى الحياة , دون أن يكونوا قابلين للعزل , وأعطى لهذا المجلس الحق في رقابة دستورية القوانين قبل إصدارها , بحيث يملك إلغاء ما يعد منها مخالفاً لأحكام الدستور .

ويلاحظ أن تشكيل هذا المجلس كان يتم عن طريق التعيين بواسطة الإمبراطور , وكان لا يتصدى لبحث دستورية القانون إلا إذا طلب منه ذلك بواسطة الحكومة أو المجلس النيابي , ولا يتصور أن تدعو الحكومة المجلس للنظر في دستورية قانون إذا كان لها صالح في إعماله , كما لا يتصور أن يدعوه المجلس النيابي كي يباشر رقابة عليه ؛ وقد ترتب على ذلك أن فشل هذا المجلس في مهمته , فلم يحدث خلال العهد الامبراطوري أن قرر المجلس إبطال عمل واحد من أعمال السلطة التشريعية أوالتنفيذية , بل على العكس من ذلك عمل على تعديل أحكام الدستور وفقاً لما تمليه عليه أهواء نابليون بونابرت الذي فرض سيطرته الكاملة عليه .

2 )
مجلس الشيوخ الحامي للدستور في ظل دستور الامبراطورية الفرنسية الثانية سنة 1852 :
أعاد الامبراطور لويس نابليون تجربة مجلس الشيوخ مرة أخرى على نسق المجلس القديم الذي كان قائماً في عهد عمه نابليون بونابرت , ومنح دستور سنة 1852 المجلس الجديد اختصاصات أوسع من المجلس القديم , إذ جعل من سلطته التحقق من مطابقة جميع القوانين للدستور قبل إصدارها , وإلغاء القوانين التي يثبت عدم دستوريتها , كما كان له الحق في تعديل الدستور طبقاً لشروط معينة , وكان للأفراد الحق في طلب إلغاء القوانين غير الدستورية من المجلس ؛ ولكن فشلت التجربة أيضاً مثلما فشلت التجربة السابقة , ولنفس السبب وهو سيطرة الامبراطور على المجلس وأعضائه , فلم يذكر له أنه ألغى أي قانون لعدم دستوريته .

3 )
اللجنة الدستورية المشكلة طبقاً لدستور الجمهورية الفرنسية الرابعة الصادر سنة 1946 :

أنشأ دستور سنة 1946 هيئة سياسية عهد إليها بمهمة فحص دستورية القوانين قبل إصدارها , وأطلق عليها اسم « اللجنة الدستورية » Le Comité constitutionnel , ونص على أن تشكل اللجنة برئاسة رئيس الجمهورية , وعضوية رئيس الجمعية الوطنية ( مجلس النواب ) , ورئيس مجلس الجمهورية ( رئيس مجلس الشيوخ ) , وسبعة أعضاء تختارهم الجمعية الوطنية من غير أعضائها في بداية كل دورة سنوية على أساس التمثيل النسبي للهيئات السياسية ( الأحزاب ) وثلاثة أعضاء يختارهم مجلس الجمهورية من غير أعضائه بنفس الطريقة السابقة .
وكانت هذه اللجنة تختص بالتحقق من مدى دستورية القوانين التي أقرتها الجمعية الوطنية , وذلك قبل إصدارها , فإذا وجدت اللجنة أن قانوناً ما ( أو بالأحرى مشروع قانون ) يتضمن مخالفة للدستور أو تعديلاً لنصوصه , أعادت القانون إلى الجمعية الوطنية , وامتنع على رئيس الجمهورية إصداره إلى أن تقوم الجمعية الوطنية إما بتعديل القانون بحيث يتفق مع أحكام الدستور , وإما أن تقوم بتعديل الدستور ذاته وفقاً للإجراءات المقررة .
وقد انتقدت هذه اللجنة انتقاداً شديداً, سواء من حيث تشكيلها أو من حيث اختصاصاتها, فمما لا شك فيه أن قيام البرلمان باختيار عشرة أعضاء في اللجنة يفقدها استقلالها في مواجهة البرلمان , هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى , يؤدي مراعاة التمثيل النسبي للأحزاب إلى اختيار أعضاء لا تتوافر فيهم الدراية القانونية التي تتطلبها مهمة فحص دستورية القوانين .
ومن جهة اختصاص اللجنة , فقد كانت رقابة هذه اللجنة متواضعة جداً , خاصة وأنها لا تباشر إلا بصدد القوانين ذات الأهمية الضئيلة للأفراد ؛ إذ قصرها المشرع الدستوري على المسائل التي تضمنتها أحكام الأبواب العشرة الأولى من الدستور, وهي التي تنظم السلطات العامة في الدولة , وخرج بذلك من نطاق الرقابة , القوانين التي تصدر مخالفة لمبادىء الحرية أو لأحكام الباب الحادي عشر الخاص ببيان الإجراءات الواجب اتباعها لتعديل الدستور .
وهكذا انتهى الفقه إلى الحكم على هذه اللجنة بضآلة مهمتها وانعدام فائدتها وجدواها, لأنها كانت عبارة عن مجرد وسيلة للتوفيق والتحكيم داخل البرلمان الفرنسي, ولم تحقق نجاحاً يذكر في المهمة التي أنشأت من أجلها ألآ وهي الرقابة على دستورية القوانين قبل إصدارها .

4 )
دستور الجمهورية الخامسة الصادر في 4 أكتوبر عام 1958 وإنشاء المجلس الدستوري :

أخذ الدستور الحالي لسنة 1958 أيضاً بنظام الرقابة الدستورية بواسطة هيئة سياسية , وأطلق على هذه الهيئة اسم « المجلس الدستوري » The Constitutional Council أو كما يطلق عليه بالفرنسية Le Conseil Constitutionnel, وقد أفرد له الدستور المذكور باباً خاصاً هو الباب السابع نص فيه على الأحكام المتعلقة بهذا المجلس, وخصص له المواد من 56 إلى 63 .

وطبقاً لنص المادة 56 من الدستور الحالي لسنة 1958( ) فإن المجلس الدستوري يتكون من تسعة أعضاء , تستمر عضويتهم تسع سنوات غير قابلة للتجديد , ويتجدد ثلث أعضائه كل ثلاث سنوات , ويقوم كل من رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ بتعيين ثلاثة أعضاء . وبالإضافة إلى هؤلاء الأعضاء التسعة , فإن رؤساء الجمهورية السابقين بحكم منصبهم سيكونون أعضاء في المجلس الدستوري لمدى الحياة ؛ ويختص رئيس الجمهورية بحق تعيين رئيس المجلس الدستوري من بين أعضاء المجلس الدستوري بما فيهم الأعضاء بحكم المنصب( ), ولا شك أن لهذا الحق أهمية خاصة , لأن الدستور ينص على أن لرئيس المجلس الدستوري صوت مرجِّح في حالة تساوي الأصوات( ).

كما أوضح الدستور المذكور أن اختصاصات المجلس الدستوري تتركز في فحص دستورية القوانين قبل إصدارها ( المادة 61 ) , والفصل في المنازعات المتعلقة بصحة انتخابات أعضاء مجلسي البرلمان النواب والشيوخ ( المادة 59 ) , وكذلك الفصل في الطعون الخاصة بعملية انتخاب رئيس الجمهورية ( المادة 58 ), والاستفتاءات الشعبية عند إجرائها ( المادة 60 ) .

وطبقاً للمادة 61 من الدستور الفرنسي لعام 1958 فإنه يجب أن تعرض على المجلس الدستوري القوانين العضوية ( أي الأساسية ) قبل إصدارها , ولوائح مجلسي البرلمان قبل تطبيقها ليقرر مدى مطابقتها للدستور ؛ ويجوز أن يعرض كل من رئيس الجمهورية , أو الوزير الأول , أو رئيس أي من المجلسين النيابيين القوانين العادية على المجلس لفحص دستوريتها قبل إصدارها , كما أنه يجوز ـ طبقاً للتعديل الدستوري الصادر في 29 أكتوبر سنة 1974 ـ لستين نائباً من أعضاء الجمعية الوطنية , أو لستين شيخاً من أعضاء مجلس الشيوخ التقدم بطلب إلى المجلس الدستوري لفحص مدى دستورية القوانين التي يسنها البرلمان .

كما نصت المادة 62 من الدستور على أنه إذا أعلن المجلس الدستوري عدم دستورية نص من النصوص المعروضة عليه فلا يجوز إصداره أو تطبيقه , كما نصت على أن قرارات المجلس الدستوري باتة أي لا يُقبل الطعن فيها بأي وجه من أوجه الطعن , ومن ثم تصبح واجبة التطبيق من قبل السلطات العامة والهيئات الإدارية والمحاكم القضائية .

ويلاحظ أن معظم الانتقادات التي وجهت إلى المجالس واللجان السابقة تنطبق على هذا المجلس كذلك , فمن ناحية يغلب على تكوينه الطابع السياسي , ومن ناحية أخرى فإن المجلس لا يستطيع أن يباشر من تلقاء نفسه مهمة الرقابة , وأخيراً , ليس للأفراد الحق في الطعن أمام المجلس بعدم دستورية مشروعات القوانين المعروضة على البرلمان
( ).

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار