السبت، 2 أكتوبر، 2010

أحكام القتل غير العمدي وفق القانون الامارات

الفصل الثالث
أحكام القتل غير العمدي

تمهيد وتقسيم :
نص المشرع الاتحادي في المادة 38/2 عقوبات اتحادي على أنـه: "ويتوفر الخطأ إذا وقعت النتيجة الإجرامية بسبب خطأ الفاعل سواء أكان هذا الخطأ إهمالاً أم عدم انتباه أم عدم احتياط أو طيشاً أو رعونة أم عدم مراعاة القوانين أو اللوائح أو الأوامر".
ونص على جريمة القتل غير العمدي في المادة 342 عقوبات اتحادي: " يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين من تسبب بخطئه في موت شخص.
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة والغرامة إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان تحت تأثير سكر أو تخدير عند وقوع الحادث أو امتنع حينئذ عن مساعدة المجني عليه أو عن طلب المساعدة له مع استطاعته ذلك.
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات والغرامة إذا نشأ عن الفعل وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص. فإذا توفر ظرف آخر من الظروف الواردة في الفقرة السابقة تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تزيد على سبع سنوات والغرامة " ( ). ويشترك القتل غير العمدي مع القتل العمدي في ركنين هما محل الاعتداء والركن المادي ، ويختلف عنه في الركن الثالث وهو الركن المعنوي . فالقتل غير العمدي يشترك مع القتل العمدي في محل الاعتداء ، وهو حق الإنسان في الحياة ـ الذي يتطلب أن يكون المجني عليه إنساناً على قيد الحياة وقت ارتكاب الفعل الإجرامي .
كما يشترك القتل غير العمدي مع القتل العمدي في الركن المادي الذي يتحقق بارتكاب فعل الاعتداء على الحياة الذي يترتب عليه إزهاق روح المجني عليه. أي أن عناصر الركن المادي للقتل غير العمدي هي: فعل الاعتداء على الحياة ، والنتيجة المتمثلة في إزهاق روح المجني عليه، وعلاقة السببية بين الفعل الإجرامي والنتيجة . وقد بينت المادة 342 عقوبات اتحادي الركن المادي في القتل غير العمدي بقولها : " ....من تسبب بخطئه في موت شخص .... " وللنتيجة وعلاقة السببية أهمية خاصة في القتل غير العمدي ، فوفاة المجني عليه بسبب خطأ الجاني يقيم مسئوليته عن القتل غير العمدي ، ومؤدى ذلك أن تخلف النتيجة أو علاقة السببية يحول دون مساءلة الجاني عن قتل غير عمدي ، سواء في صورته التامة لتخلف أحد عناصر الركن المادي ، أو في صورة الشروع حيث لاشروع في الجرائم غير العمدية ، مع الإشارة إلى أن تخلف الوفاة قد يترتب عليه مسئولية المتهم عن الإصابة غير العمدية ، وذات الحكم ينطبق لو انقطعت علاقة السببية بين خطأ المتهم والوفاة ، كما لو ارتبطت هذه النتيجة بسبب آخر كخطأ الطبيب الجسيم في العلاج .
وأما وجه الاختلاف بين القتل غير العمدي والقتل العمدي ، فيتمثل في الركن المعنوي الذي يتخذ صورة القصد الجنائي في القتل العمدي ، وصورة الخطأ في القتل غير العمدي . لذلك سنقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، نخصص الأول لدراسة الركن المعنوي في القتل غير العمدي ، ونتناول في الثاني دراسة العقوبات التي حددهـا القانون للقتل غير العمدي في صورته البسيطة ثم المشددة .

المبحث الأول
الخطــــــأ

سوف نقسم هذا المبحث إلى عدد من المطالب بحسب ماتقتضيه دراسة الخطأ وبيان أحكامه وذلك على النحو التالي .

المطلب الأول
ماهيـة الخطـأ

لم يتصد قانون العقوبات الاتحادي لتعريف الخطأ وبيان ماهيته ، وإن ذكر صورا له في نص المادة 38 فقرة ثانية حيث أورد الإهمال وعدم الانتباه وعدم الاحتياط والطيش والرعونة وعدم مراعاة القوانين أو اللوائح أو الأنظمة أو الأوامر .
وقد عرف الفقه الخطأ بأنه كل فعل أو امتناع إرادي ، تترتب عليه نتائج لم يقصدها الفاعل ، ولكن كان بإمكانه ومن الواجب عليه أن يتجنبها . وعليه يمكن تعريف الخطأ في جريمة القتل بأنه نشاط إرادي يتضمن إخلالا بواجبات الحيطة والحذر يؤدي إلى وفاة المجني عليه ، في الوقت الذي كان في استطاعة الجاني ومن واجبه أن يحول دون تحققها.
ويمثل الإخلال بواجبات الحيطة والحذر الجانب المادي للخطأ ، غير أنه لايكفي لمساءلة من أخل بواجبات الحيطة والحذر عن النتيجة الإجرامية التي تحققت كأثر لإغفال تلك الواجبات عند ارتكاب نشاطه . فالقانون يتطلب وجود علاقة بين إرادة صاحب السلوك والنتيجة المتحققة أي وفاة المجني عليه، ويمثل هذا الجانب العنصر النفسي في الخطأ ويقوم على مدى توقع المتهم لحدوث نتيجة إجرامية كأثر لمخالفته واجبات الحيطة والحذر في سلوكه. فإذا لم يتوقع حدوث الوفاة نتيجة لنشاطه ،مع أنه كان في استطاعته ومن واجبه أن يتوقعها ويحول دون تحققها كان الخطأ غير واعي أي بدون تبصر، كما لو تركت أم كوبا به مادة سامة على طاولة بالقرب من يد طفلها دون أن يرد بخلدها أن بإمكان طفلها أن يشرب من الكوب ويموت ، ويحدث أن يشرب الطفل فعلا المادة السامة ويموت . فجوهر الخطأ غير الواعي (البسيط) هو انتفاء علم الجاني بالنتائج الضارة لنشاطه الإرادي لخمول في إدراكه منعه من توقع آثار هذا النشاط والعمل على تفاديها خمولاً ما كان ليحدث لو بذل ما بإمكانه من حيطة ( ) .
أما إذا كان المتهم يتوقع حدوث الوفاة نتيجة لسلوكه دون أن تتجه إليها إرادته ، بل كان يأمل في عدم تحققها ، ويعتقد بأنها لن تتحقق اعتمادا على مهارته ، فإن الخطأ يكون في هذه الحالة خطأ واعياً أي بتبصر ، كمن يقود سيارته بسرعة زائدة في شارع مزدحم بالمارة ، فيقتل أحدهم ، فهذا السائق توافر لديه العلم عند إتيان السلوك الخطر بإمكان تحقق وفاة إنسان كنتيجة لنشاطه ، ومضى في ارتكابه مقتنعاً بعدم تحققها اعتماداً على مهارته في قيادة السيارة . فيسأل الجاني على أساس إغفاله ما كان ينبغي عليه من إجراءات لمنع تحقق النتيجة الإجرامية ، وهذا الإغفال ما كان ليقع لو بذل ما في وسعه من حيطة وحذر .

المطلب الثاني
صـــور الخطــأ

أورد المشرع الاتحادي صور الخطأ في المادة 38/2 عقوبات على سبيل المثال، وهي تتسع لتشمل مختلف أنواع النشاط الذي يؤدي إلى نتائج مجرمة غير مقصودة من الفاعل . ويكفي لقيام المسئولية عن الخطأ غير العمد أن تتحقق أي صورة من الصور التي أوردها المشرع ، فكل صورة تعد خطأ قائماً بذاته يرتب المسئولية . ويمكن تقسيم صور الخطأ إلى طائفتين : الأولى تضم صور الخطأ العام ، والطائفة الثانية تضم الخطأ الخاص .

أولاً : صورة الخطأ العام :
تضم هذه الطائفة الإهمال، الرعونة، وعدم الاحتياط وتنطوي على مخالفة للواجبات التي تستمد من الخبرة الإنسانية .
1- الرعونة : تعني الرعونة لغة الخفة والطيش، ويراد بها سوء التقدير أو نقص المهارة أو الجهل بالقواعد الأساسية والأصول الفنية التي يتعين العلم بها. ويعني سوء التقدير إقدام الشخص على عمل دون إدراك لخطورتـه ولما قـد ينجم عنـه من نتائج ضارة، فإذا كان تصرف الشخص
العادي في موقف معين يتسم بالروية والحيطة لتقدير نتائج تصرفه، نجد الجاني يندفع لإتيان السلوك دون إعمال ذلك التقدير. ومن ذلك أن يغير قائد السيارة اتجاهه فجأة دون أن ينبه المارة فيصدم شخصاً ( ). وأما نقص المهارة فيعني إقدام الشخص على عمل تنقصه الكفاءة الفنية اللازمة لمباشرته، فهو بهذا السلوك يخالف واجباً من الواجبات التي تفرضها الخبرة الإنسانية العامة، والتي تقتضي ألا يباشر الإنسان أمراً يجهله، كمن يقوم بقيادة سيارة وهو يجهل أصول القيادة فيصيب إنساناً.
ويعني الجهل بالأمور الفنية التي يتعين العلم بها، قيام صاحب المهنة أو الحرفة أو الفن بعمل يدخل في اختصاصه الفني دون مراعاة الأصول العلمية الثابتة التي يفترض علمه بها ( )، كالمهندس الذي يخطئ في تصميم الرسم الهندسي لمبنى فينهار بعد تشييده، والصيدلي الذي يخطئ في تحضير المادة المخدرة التي تستخدم في إجراء عملية جراحية مما أدى إلى تسمم المريض ووفاته.
2- الإهمال : يراد به عدم اتخاذ الجاني الاحتياطات التي يقتضيها واجب الحيطة والحذر، وتمليها الخبرة الإنسانية العامة على من كان في مثل ظروفه، لأن من شأنها أن تحول دون حدوث النتيجة الإجرامية . فالخطأ في الإهمال يحدث بطريق سلبي يتمثل في ترك واجب، أو الامتناع عن تنفيذ أمر معين. وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا بأن " .... المقصود بالإهمال كصورة من صور الخطأ التي تقوم بها المسئولية ...... هو حصول الخطأ بطريق سلبي نتيجة ترك واجب أو الامتناع عن تنفيذ أمر ما، فتشمل هذه الصورة الحالات التي يقف فيها المتهم موقف سلبياً، فلا يتخذ الاحتياطات التي يدعو إليهـا الحذر وكان من شأنها أن تحول دون حدوث النتيجة...."( ).
ومن أمثلة هذه الصورة عدم اتخاذ حارس الحيوان الاحتياطات الكافية لمنع أذاه عن الناس، وترك المتهم طفلاً بمفرده بجوار موقد غاز مشتعل عليه ماء، فيسقط عليه الماء المغلي فيموت، وعدم إجراء مالك المبنى أعمال الصيانة اللازمة لـه، فينهار على الساكنين فيه .
3- عدم الاحتياط : يعني عدم الاحتياط صورة الخطأ الواعي أي الخطأ بتبصر، ويتمثل في إقدام الشخص على فعل كان يجب عليه الامتناع عنه لكونه يدرك خطورته، ويتوقع أن يترتب عليه ضرر، ومع ذلك يمضي قدما في فعله دون اتخاذ الاحتياطات التي من شأنها الحيلولة دون تحقق الضرر.
ومن أمثلة عدم الاحتياط ، قيام الأم بتنويم طفلها الرضيع بجوارها فتنقلب عليه أثناء نومها فتقتله، وسائق السيارة الذي يسرع بها في طريق غاص بالمارة فيصيب أحدهم، وصاحب السفينة التي يحملها عدداً من الركاب يزيد على حمولتها فتغرق بهم .
وقد أدانت المحكمة الاتحادية العليا طبيباً بسب قيامه بعد إجراء عملية الختان للمجني عليه، بفك الغيار في كل يوم ومشاهدة الجرح في غرفة غير معقمة، وذلك لعدة أيام، مما سبب تلوثاً في الجرح أسفر عن تشوه في ذكر المجني عليـه، فاعتبرت المحكمة ذلك خطأ صورته عدم التحرز في آداء العمل( ).

ثانياً : الخطأ الخاص :
يتمثل الخطأ الخاص في حالة مخالفة الشخص لما تفرضه القوانين واللوائح والأنظمة ويشكل صورة مستقلة من صور الخطأ ، يترتب عليها مسئولية الجاني عن القتل الخطأ حتى ولو لم يتوافر في حقه أي صورة من صور الخطأ الأخرى . ويستوي أن تتمثل المخالفة في الامتناع عما كان يجب القيام به ، أو في إتيان سلوك محظور كان يتعين اجتنابه .
ويستوي أن ترد قواعد السلوك الآمرة أو الناهية في نصوص صادرة عن السلطة التشريعية كالقوانين أو عن السلطة التنفيذية كاللوائح والقرارات والتعليمات الإدارية على اختلاف أنواعها ، أو عن أفراد عاديين كالأنظمة التي يضعها رب العمل لتنظيم العمل في منشآته .
وفي هذا الخصوص قضي بأنه " ...... وهذه الأسباب سائغة تكشف عن إحاطة الحكم بالدعوى عن بصر وبصيرة ، واستوفى عناصرها ومحص أدلتها واستخلص من واقعها ما انتهى إليه في قضائه بإدانة الطاعن ، وأنه هو المسئول وحده عن الحادث لتجاوزه الإشارة الضوئية وهي حمراء والانعطاف للناحية اليسرى مخالفاً تعليمات وقوانين السير والمرور مما أدّى إلى اصطدام السيـارة الأخـرى بها ووقـوع الحادث وهو ما يوفر في حقه ركن الخطأ ... " ( ) .
ويراعى في الخطأ الخاص أن مجرد مخالفة القوانين واللوائح والأنظمة لاتكفي بذاتها لمساءلة المتهم عن الوفاة التي أفضى إليها سلوكه ، وإنما يتعين أن تتوافر علاقة السببية بين مخالفة النصوص المذكورة ووفاة المجني عليه( ). غير أن انتفاء الخطأ الخاص، أي إثبات أن المتهم لم يخالف النصوص السابقة، لا يعني نفي الخطأ عن المتهم وانتفاء مسئوليته بالتالي عن النتيجة المتحققة، فقد تتوافر في النشاط الذي أتاه إحدى صور الخطأ العام كالإهمال أو عدم الاحتياط، ويكفي للإدانة توافر صورة واحدة للخطأ، فتقوم المسئولية عن قتل غير عمدي .
ولا يقع على سلطة الاتهام عبء إثبات الخطأ الخاص، لأن المشرع وضع قرينة على توافر الخطأ بمجرد ثبوت مخالفة القوانين أو اللوائح أو الأنظمة.
ومن أمثلة الخطأ الخاص قيادة السيارة في اتجاه ممنوع ، قيادة السيارة بسرعة تجاوز الحد الأقصى الذي تسمح به قوانين المرور .

المطلب الثالث
معيــار الخطــأ

تباينت آراء الفقه بشأن تحديد المعيار الذي يجب الاعتداد به في تقدير العناية الواجب على الجاني اتخاذها لتفادي وقوع النتيجة الضارة .
فقد اتجه البعض إلى الأخذ بمعيار شخصي، ومقتضاه وجوب النظر إلى الجاني وظروفه الخاصة، كخبراته الشخصية، ودرجة ذكائه ومستوى تعليمه، فتتم المقارنة بين ما صدر منه من تصرف مشوب بشبهة الخطأ، وبين ما كان يمكن أن يصدر منه في نفس الظروف من تصرف آخر كان يعد عادياً ومقبولاً، فإذا تبين أنه كان بمقدوره تجنب السلوك الخاطئ، وتفادي ما أحدثه بالغير من قتل غير متعمد عدّ مخطئاً، وإلا انتفى الخطأ في حقه.
غير أن البعض الآخر يرى أن يكون المعيار في هذا الشأن موضوعياً، ومقتضاه المقارنة في تقدير توافر الخطأ بين ما صدر من الجاني، وما كان يصح أن يصدر من شخص عادي متوسط الحذر والاحتياط، فإذا تبين أن الجاني التزم في سلوكه القدر من الحيطة والانتباه الذي يلتزمه هذا الإنسان العادي، فلا يتوافر الخطأ في حقه، أما إذا تبين أنه نزل في سلوكه عن هذا القدر، فلم يتوقع النتيجة الإجرامية ولم يعمل على تفاديها، في الوقت الذي كان بإمكانه توقعها، أو توقع النتيجة الضارة غير أن الاحتياطات التي اتخذها كانت أقل مما يتخذه الشخص العادي، عندئذ يعد مخطئاً.
والسائد أن معيار الخطأ قوامه الشخص المعتاد من نفس الفئة التي ينتمي إليها الجاني، مضافاً إليه الظروف الخارجية التي أحاطت بالجاني خاصة ما تعلق منها بمكان النشاط وزمانه. فإذا ثبت أن الجاني التزم في تصرفه قدراً من الحيطة يناسب ما كان يلتزمه الشخص المعتاد إذا وجد في ذات ظروفه، فلا ينسب إليه الخطأ، أما إذا بذل قدراً من الحيطة والحذر أقل من ذلك، فإنه يكون مخطئاً.
ولقد تبنى القضاء الإماراتي المعيار الموضوعي في تقدير توافر الخطأ، ومن ذلك أن قضت المحكمة الاتحادية العليا في أحد أحكامها بأنه ".... وما كان له أن يتعامل مع الجرح بكثرة فتحه بناء على طلب الشاكي والانصياع إليه ودون أن يكون ذلك في غرفة معقمة ، وكان عليه أن يمتنع ويعمل وفق توجهاته هو، وإلا فيكون قد قصر طبيا . وأخفق في مراعاة مستوى السلوك الذي كـان الطبيب العادي قـادراً على مراعاته ، فيقع تحـت طائلة المسئولية ... "( ) .
كما قضت في حكم آخر بأنه : " متى كان الحكم المطعون فيه قد عول في تكوين عقيدته ببراءة المطعون ضده على عدم إهماله أو تحرزه بسبب عدم توقع الإنسان العادي لأن ينام أحد العاملين في موقع العمل وأثناء ساعات العمل تحت سيارة تقف في العراء ومازال سائقها يجلس خلف عجلة قيادتها بما يستدل منه أنه سيتحرك بها في أية لحظة وبذلك يكون تصرف المجني عليه وقد استلقى تحت السيارة من التصرفات الشاذة غير المتوقعة في ظروف الحادث، هذا ولما كان البين من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة وأقام قضاءه على أسباب سائغة فإنه بذلك قد انحسر عن الخطأ في تطبيق القانون "( ) .

المطلب الرابع
الخطـأ المشـترك

إذا كانت الوفاة في جريمة القتل الخطأ قد نجمت عن خطأ الجاني وحده، فلا صعوبة في تحديد المسئولية عندئذ ، حيث يعد مرتكب هذا الخطأ فأعلاً لجريمة القتل الخطأ . على أنه قد يساهم في تحقيق هذه النتيجة إلى جانب خطأ الجاني خطأ المجني عليه أو خطأ الغير ، فما أثر تلك العوامل على مسئولية المتهم عن الوفاة ؟

الفرع الأول : خطأ شخص آخر :
إذا تعددت الأخطاء فنتجت عنها وفاة المجني عليه ، يسأل كل من ساهم بخطئه في تحقيق الوفاة، دون أن يؤثر ذلك في مسئولية غيره . فتعدد الأخطاء المتسببة في حدوث النتيجة الإجرامية يستوجب مساءلة كل من أسهم فيها أيا كان قدر الخطأ المنسوب إليه، مع التمييز بين من يساهم بخطئه في القتل الخطأ بصفة أصلية فيسأل باعتباره فاعلا في الجريمة، ومن يساهم فيها بصفة ثانوية فيسأل باعتباره شريكا فيها( ). ومن صور ذلك أن يتفق شخص مع خادمه على جمع النفايات الموجودة في مزرعته وإحراقها، فيقوم الخادم بتجميعها في مكان محدد، ويقوم المخدوم بصب المادة القابلة للاشتعال وإضرام النار، فإذا بشخص كان نائما في الجوار تمتد إليه ألسنة اللهب فيموت. فإذا أمكن أن ينسب للخادم والمخدوم الإخلال بواجب الحيطة والحذر، لعـدم تحققهما من خلو المكان ، يسأل كل منهما باعتباره فاعلاً في القتل الخطأ .
أما لو حرض شخص السائق على قيادة السيارة بأكثر من السرعة المسموح بها، فصدم شخصاً وقتله ، يسأل السائق عن القتل الخطأ بصفته فاعلا فيه ، ويسأل من حرضه باعتباره شريكا بالتسبب .
وفي هذا الخصوص قضت محكمة النقض المصرية بأن " تعدد الأخطاء الموجبة لوقوع الحادث يوجب مساءلة كل من أسهم فيها أيا كان قدر الخطأ المنسوب إليه ، يستوي في ذلك أن يكون سبباً مباشراً أو غير مباشر في حصوله ( ).
وقضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه : " ...... لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد حصر مسئولية القتل الخطأ في الطاعن وآخر وحملهما دية المجني عليه مناصفة دون المستأنف الثالث وذلك على سند من أن الثابت من التقارير التي بملف القضية أن سبب انهيار البناية ناتج عن استعمال المقاول الطاعن للشدات المعدنية ولم يراع الدقة في تركيبها أفقيا وتثبيتها. وقد وضعت بعض القوائم الحديدية للشدة على طابوق بعضه صامت وبعضه فارغ، والبعض الآخر على فضلات خشبية. وهذا مخالف للمواصفات الفنية والأصول الصناعية وهي مسئولية النجار الطاعن والشركة المقاول ممثلة في المهندس المشرف على الموقع . وأن المسئولية حددها تقرير بلدية العين في أن المسئول المقاول .... وفي نظر المحكمة هو النجار والشركة المقاول الأصلي. وأن النجار الطاعن أخبر أكثر من مرة بأن الدعامة والشدات غير صالحة واستمر في العمل مع علمه بضعف الدعائم والشدات مما يجعله مسئولاً عن النتيجة. وهذه الأسباب سائغة وتكفي لحمل قضاء الحكم فيما انتهى إليه من تحميل الطاعن وآخر مسئولية الحادث " ( ).

الفرع الثاني : خطأ المجني عليه :
قد يتسبب في حدوث الوفاة خطأ المتهم وخطأ المجني عليه، وعندئذ لا يجب خطأ المجني عليه خطأ المتهم ، فتظل مسئولية المتهم قائمة، طالما كان خطأ المجني عليه مألوفاً ومتوقعاً ، وباستطاعة المتهم ومن واجبه أن يتوقعه . ومن أمثلة ذلك أن يهمل المجني عليه في علاج نفسه إهمالاً يتصور أن يصدر ممن هو في بيئته .
وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه :"من المقرر أن اشتراك المجني عليه في الخطأ لايعفي الجاني من المسئولية بل تخفف العقوبة بما في ذلك الدية بقدر نصيب المجني عليه في الخطأ إذ إن المجني عليه يكون قد أعان على نفسه لأن فعله في نفسه يكون هدراً، وعندئذ ينقص من الدية بمقـدار خطـأ المجني عليـه ويقضي بباقيها على من شارك في الفعل بخطئه " ( ) .
فإذا كان خطأ المجني عليه شاذاً وغير متوقع، بحيث لم يكن في استطاعة الشخص العادي توقعه، وبالتالي تفادي الوفاة الناجمة عنه، فإن المتهم لا يسأل عن هذه الوفاة التي لم يكن باستطاعته ولا من واجبه توقعها، حيث لا تكليف بمستحيل. فخطأ المجني عليه استغرق خطأ المتهم، وقطع علاقة السببية بينه وبين الوفاة التي حدثت.
ويختص قاضي الموضوع بتقدير خطأ المجني عليه، في ضوء الوقائع التي أحاطت به ، لتحديد ما إذا كان مألوفاً ومتوقعاً أو شاذاً ومن شأنه قطع علاقة السببية بين الوفاة وخطأ المتهم . ويلتزم القاضي بأن يبين في حكمه نوع الخطأ الذي صدر من المجني عليه ، ومدى مساهمته في إحداث النتيجة الإجرامية ( ) .
وفي هذا الشأن قضت المحكمة الاتحادية العليا بأن " .... واكتفت محكمة البداية ومحكمة الاستئناف في الاعتماد فقط على ماجاء في اعتراف المتهم بوقوع الحادث وأنه هو المخطئ ، من غير أن تناقش السرعة التي كان يسير بها المجني عليه ليتبين من ذلك ما يتحمله المطعون ضده من نسبة في المسئولية وما يتحمله المجني عليه من الخطأ الذي نشأ عنه الحادث .... الأمر الذي يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب نقضه مع الإحالة " ( ) .


المطلب الخامس
إثبات الخطأ الشخصي

تطبيقاً لمبدأ شخصية المسئولية الجنائية لايسأل الشخص إلا على أساس خطأ شخصي يتعين إثباته ، فلا يسأل جنائياً عن فعل غيره مطلقاً، وإن كان مكلفاً بالإشراف عليه، إلا إذا تم إثبات أنه ارتكب خطأ شخصياً مرتبطاً سببياً بالوفاة التي تحققت. وفي ذلك قضي بأن "مناط العقاب في جريمة القتل الخطأ هو ثبوت خطأ شخصي في جانب المتهم والذي يتسبب عنه الضرر، فلا يسأل الشخص عن فعل غيره إذا لم يثبت أنه ارتكب خطأ شخصياً مرتبطاً بالنتيجة ارتباط السبب بالمسبب"( ).
وتكلف سلطة الاتهام بإثبات قيام الخطأ في حق المتهم بإقامة الدليل على إهماله أو عدم احتياطه أو رعونته أو مخالفته للقوانين أو اللوائح أو القرارات أو الأنظمة أو الأوامر. كما يتعين عليها إثبات توافر علاقة السببية بين الخطأ ووفاة المجني عليه. وعليه لايكلف المتهم بإثبات عدم توافر الخطأ في جانبه.
ويجب على المحكمة أن تبين في حكمها وجه الخطأ في سلوك المتهم إذا أدانته بتهمة القتل الخطأ. على أن ذلك لايعني وجوب ذكر لفظ الخطأ ، أو الإشارة إلى إحدى صوره كالإهمال أو الرعونة، بلى يكفي أن يكون ذكر الوقائع وما أحاط بها من ملابسات وكيفية حدوثها شاهداً بثبوت الخطأ في حق المتهم . وفي ذلك قضى بأنه : "من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن تقدير الخطأ المستوجب لمسئولية مرتكبه في جريمة القتل الخطأ مما تستقل بتقديره محكمة الموضوع متى رَكنت في تقديرها لأسباب سائغة " ( ).
فإذا كان الخطأ خاصاً يكفي أن تبين محكمة الموضوع سلوك المتهم الذي قدرت أنه يخالف القوانين أو اللوائح أو الأنظمة أو الأوامر .
وليس لمحكمة النقض أن تراقب الوقائع التي استخلص منها قاضي الموضوع ثبوت الخطأ في حق المتهم ، ولها أن تبسط رقابتها على سلامة الاستدلال من هذه الوقائع على توافر الخطأ أو انتفائه .

المبحث الثاني
عقوبات القتل غير العمدي

حددت المادة 342/1 عقوبات اتحادي عقوبة القتل غير العمدي في صورته البسيطة، ونصت الفقرتان الثانية والثالثة من ذات المادة على ظروف تشدد عقوبة القتل غير العمدي، لذلك تقتضي الدراسة تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، نتناول في الأول بيان عقوبة القتل غير العمدي البسيط، وفي الثاني نستعرض الظروف التي تشدد عقوبة القتل غير العمدي وآثارها.






المطلب الأول
عقوبة القتل غير العمدي في صورته البسيطة

نصت على هذه العقوبة المادة 342 من قانون العقوبات الاتحادي في فقرتها الأولى، وجعلتها الحبس والغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين، حيث نصت المادة المذكورة على أنه "يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين من تسبب بخطئه في موت شخص " ( ) .
ويلاحظ أن المشرع الاتحادي لم يضع حدا أقصى أو أدنى لأي من عقوبتي الحبس والغرامة، ومدلول ذلك تطبيق الحدود العامة المقررة لهاتين العقوبتين. وعليه تطبق المادة 69 عقوبات اتحادي والتي قررت أن الحد الأدنى للحبس لايقل عن شهر، ولا يزيد حده الأقصى على ثلاث سنوات مالم ينص القانون على خلاف ذلك.
أما بالنسبة للغرامة، فلما كانت الجريمة جنحة ، فالحد الأدنى للغرامة يزيد عن ألف درهم تطبيقاً لنص المادة 29 عقوبات اتحادي التي تنص على أن " الجنحة هي الجريمة المعاقب عليها بعقوبة أو أكثر من العقوبات الآتية:
2 – الغرامة التي تزيد على ألف درهم" .
وأما الحد الأقصى للغرامة فلا يزيد عن ثلاثين ألف درهم تطبيقاً لنص المادة 71 من قانون العقوبات الاتحادي.
غير أن العقوبة على النحو المتقدم بيانه تبدو غير متناسبة مع جسامة النتيجة التي أفضى إليها خطأ المتهم ، والتي تتمثل في إهدار حياة بشرية . لذلك يبدو من المناسب زيادة مقدار العقاب في هذه الجريمة بتعديل الحدين الأدنى والأقصى للحبس، وزيادة الحد الأدنى للغرامة في الأقل، مع الاتجاه إلى الجمع بينهما على سبيل الوجوب .

المطلب الثاني
الظروف المشددة لعقوبة القتل غير العمدي

نصت على هذه الظروف وبينت أثرها في التشديد الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 342 عقوبات اتحادي ، ويستند التشديد في هذه الظروف إما إلى جسامـة الخطأ، أو جسامة الضرر، أو اجتماع جسامة الخطأ والضرر معا.

الفرع الأول : الظروف التي ترجع إلى جسامة الخطأ :
حددت هذه الظروف الفقرة الثانية من المادة 342 عقوبات اتحادي بقولها : "وتكون العقوبة الحبس مدة لاتقل على سنة والغرامة إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان تحت تأثير سكر أو تخدير عند وقوع الحادث أو امتنع حينئذ عن مساعدة المجني عليه أو عن طلب المساعدة له مع استطاعته ذلك " .
وقد أورد هذا النص الظروف الثلاثة الآتية : الخطأ المهني ، والسكر أو التخدير، والنكول عن مساعدة المجني عليه ، وسنتولى تفصيلها على النحو التالي :

أولاً : الخطأ المهني ( ) :
يفترض هذا الظرف أن الجاني يمارس وظيفة أو مهنة أو حرفة ، تخضع ممارستها لأنظمة تحدد القواعد التي ينبغي أن يلتزم بها من يمارسونها ، ويستوي أن تكون هذه القواعد قانونية أو لائحية أو عرفية تقرها أصول العلم أو الفن الذي تمارس المهنة أو الحرفة وفقا له . ولا يهم بالنسبة للموظف أن يكون موظفاً في الحكومة أو في قطاع خاص ، مادامت ممارسة الوظيفة تخضع لقواعد قانونية أو لائحية أو اتفاقية يلتزم بها العاملون في آدائهم للأعمال المنوطة بهم .
ومن ثم إذا كان الشخص غير موظف ولا يمارس مهنة أو حرفة تخضع لقواعد تنظمها انتفى الظرف المشدد بالنسبة للقتل الخطأ الذي حققه ، وطبقت عليه حينئذ عقوبة القتل غير العمدي في صورته البسيطة .
غير أن ممارسة الوظيفة أو المهنة أو الحرفة لاتكفي لتوافر ظرف التشديد إذا ارتكب المتهم قتلاً غير عمد ، بل يلزم أن تكون الوفاة قد نجمت عن إخلال المتهم بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته .
فإذا كان ما صدر عن المتهم من خطأ لايمثل إلا إخلالاً بواجبات الحيطة والحذر التي تفرضها الخبرة الإنسانية العامة على كافة الأفراد ، لم يتوافر الظرف المشدد للقتل غير العمد .
ويكفي محض الإخلال بأصول الوظيفة أو المهنة أو الحرفة دون اشتراط درجة جسامة معينة فيه ، فيستوي أن يكون الإخلال بتلك الأصول يسيراً أو جسيماً لتوافر ظرف التشديد . وتقدير توافر هذا الإخلال متروك لقاضي الموضوع في ضوء الظروف والوقائع التي أحاطت بالجريمة .
ومن صور هذا الظرف الطبيب الذي يجري عملية جراحية بأدوات غير معقمة فيترتب على استخدامها وفاة المريض ، وسائق السيارة التي يقودها ليلاً دون استخدام وسائل الإنارة فيها .

ثانياً : السكر والتخدير :
شدد المشرع الاتحادي عقوبة الجاني إذا كان تحت تأثير سكر أو تخدير عند ارتكابه الخطأ الذي نجمت عنه وفاة المجني عليه .
ولقد راعى المشرع ما يترتب على تناول المسكرات والمخدرات من تقليل وعي الشخص وإدراكه ، خاصة إذا كان يمارس عملا يقتضي منه أن يكون كامل السيطرة على إرادته . فغاية التشديد القضاء على أخطر أسباب الحوادث المرورية التي يترتب عليها الكثير من حالات الوفاة . فضلاً على ذلك فإن تناول الشخص للمسكر أو المخدر يزيد من جسامة الخطأ الذي أرتكبه، والذي أدى إلى الحادث الذي نجمت عنه الوفاة، فهو يضيف إلى الخطأ الأصلي خطأ آخر تمثل في تناوله مسكرا أو مخدراً قبل إتيان سلوكه، في الوقت الذي كان يتعين عليه فيه أن يتقيد بمزيد من الحيطة والحذر، لا تناول مواد من شأنها أن تنقص من قدرته على ضبط سلوكه ، واتخاذ الحيطة اللازمة بشأنه حتى لا يفضي إلى نتائج ضارة . ويتطلب توافر هذه الظروف توافر ما يلي :
1- أن يكون المتهم قد تعاطى مسكراً أو مخدراً باختياره ، وأن يكون قد ترتب على تعاطيه هذه المواد التأثير في وعيه وإدراكه . فإذا كان قد تناول المادة المسكرة أو المخدرة قهراً عنه ، أو على غير علم منه بحقيقتها، وترتب على تناولها التأثير في وعيه وإدراكه ، فلا يتوافر الظرف المشدد ، بل تنتفي مسئوليته الجنائية تطبيقاً للقواعد العامة .
ولا يشترط أن يفقد الشخص الوعي كله ، لأن النص لم يتطلب حالة السكر التام ، بل يكفي أن يتم تعاطي قدراً من المادة المسكرة أو المخدرة مما يؤدي إلى إنقاص الوعي والإدراك لدى المتهم ( ) .
2- التعاصر الزمني بين فقدان الوعي والإدراك الناجم عن تعاطي المادة المسكرة أو المخدرة ووقت ارتكاب الخطأ الذي تسبب في وفاة المجني عليه . ويعني ذلك وجوب توافر علاقة سببية بين نقص الإدراك والوعي الناجم عن تناول المادة المسكرة أو المخدرة ، وبين الواقعة التي ارتكبها المتهم وأدت إلى وفاة المجني عليه . ولا أهمية لكمية المادة المسكرة أو المخدرة التي يتناولها المتهم ، فالعبرة بأثرها المتمثل في نقص الوعي والإدراك وقت ارتكاب الفعل المحدث للوفاة ويستفاد ذلك من اشتراط المشرع وقوع الجريمة تحت تأثير سكر أو تخدير.

ثالثاً : النكول عن المساعدة :
يتحقق الظرف المشدد في هذه الصورة إذا كان المتهم قد نكل وقت الحادث عن مساعدة المجني عليه ، أو طلب المساعدة لـه مع قدرته على ذلك . ويقوم هذا الظرف بامتناع المتهم عن تقديم المساعدة للمجني عليه، أو عن طلب المساعدة لـه رغم استطاعته ذلك ، فقد تكون تلك المساعدة فعالة في الحيلولة دون تحقق الوفاة .
وتكمن علة التشديد في هذه الصورة، في أن الجاني يضيف إلى خطئه الذي أدى إلى وقوع الجريمة، خطأ آخر بامتناعه عن تقديم أو طلب المساعدة للمجني عليه. وإذا كان تقديم المساعدة للشخص الذي يتهدده خطر ما، واجباً يفرضه الضمير الإنساني وقواعد الأخلاق، فإن هذا الالتزام يتحول إلى واجب قانوني بالنسبة لمن تسبب بخطئه في وضع الغير في حالة الخطر، فإذا ما أخل بهذا الالتزام، ونكل عن تقديم المساعدة أو طلبها مع قدرته على ذلك، تشدد عقوبته.
ويتطلب توافر هذا الظرف أن يكون الجاني الذي اقترف الخطأ فتسبب في وقوع الجريمة، هو ذاته الذي نكل عن تقديم أو طلب المساعدة للمجني عليه، وعليه لو امتنع غيره عن تقديم المساعدة اللازمة للمجني عليه لما توافر الظرف في حقه، كما لو مرّ شخص بسيارته على منطقة، فوجد على جانب الطريق شخصاً مصاباً، فلم تسعفه ظروفه تقديم المساعدة له، فلا يسأل عن ظرف النكول عن المساعدة. كما يجب أن يكون باستطاعة الجاني تقديم المساعدة أو طلبها من الغير، فإذا ثبت أنه لم يكن بمقدوره إتيان ذلك، كما لو كان تقديم المساعدة يعرض حياة الجاني للخطر، عندئذ ينتفي الظرف المشدد في حقه. ويتعين أيضاً أن يكون من شأن المساعدة إنقاذ حياة المجني عليه، فإذا قدم المتهم قدراً من المساعدة للمجني عليه لم يكن فعّالاً في إنقاذ حياته، في الوقت الذي كان باستطاعته تقديم قدر أكبر يجدي في نفي النتيجة الإجرامية، فإن الظرف المشدد يتوافر بالنسبة له .
ومن البديهي أن المساعدة المتعين تقديمها أو طلبها للمجني عليه تتطلب عدم وفاته فور وقوع الخطأ من الجاني، أي وجوده على قيد الحياة والعمل على إنقاذه من خطر الوفاة. لذلك غالباً ما يتحقق هذا الظرف المشدد في حوادث المرور التي يصاب فيها المجني عليه بإصابات تقتضي نقله إلى المستشفى ، لكن الجاني يلوذ بالفرار بغية التخلص من المسئولية عن الحادث الذي تحقق بخطئه، فإذا توفي المجني عليه، سئل الجاني عن قتل خطأ مشدد لامتناعه عن تقديم أو طلب المساعدة للمجني عليه .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن توافر القتل غير العمدي المتصل بأحد الظروف الثلاثة السابق بيانها وهي: الإخلال بما تفرضه أصول الوظيفة أو المهنة أو الحرفة، أو تعاطي المسكرات أو المخدرات، أو النكول عن المساعدة، يستوجب توقيع عقوبة الحبس لمدة لاتقل عن سنة والغرامة تطبيقاً لنص المادة 342/2 من قانون العقوبات الاتحادي.

الفرع الثاني : الظرف المشدد الذي يرجع إلى جسامة الضرر( ) :
يشدد المشرع الاتحادي عقوبة القتل غير العمدي استناداً إلى جسامة النتيجة التي تحققت، وذلك بمقتضى المادة 342/3 عقوبات اتحادي . وتتحدد جسامة النتيجة الإجرامية بعدد ضحايا الحادث ، فإذا نشأ عن خطأ الجاني وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص، توافر ظرف التشديد .
وترجع علة التشديد في هذه الصورة إلى جسامة الضرر الذي أصاب المجتمع بوفاة أكثر من ثلاثة أشخاص بخطأ واحد، فجسامة الضرر تكشف عن جسامة الخطأ الذي ارتكبه الجاني، مما يستوجب تشديد عقوبته .
ويترتب على توافر هذا الظرف توقيع عقوبة الحبس على الجاني على ألا تقل مدته عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات والغرامة . ويلاحظ أن العقوبتين وردتا على سبيل الوجوب ، فلا يملك القاضي إلا أن يحكم بهما معا.




الفرع الثالث : الظرف المشدد الذي يرجع إلى جسامة الخطأ وجسامة الضرر معاً ( ) :
أورد المشرع الاتحادي هذا الظرف في عجز الفقرة الثالثة من المادة 342 عقوبات اتحادي ، وفحواه أنه إذا اجتمع ظروف من الظروف التي تشدد العقاب لجسامة الخطأ مع ظرف التشديد المتعلق بجسامة الضرر ، كما لو ارتكاب الجاني خطأ مهنيا ، أو كان متعاطياً مادة مسكرة عند ارتكاب الخطأ ، فترتب على الحادث وفاة أكثر من ثلاثة أشخاص ، كانت العقوبة الحبس مدة لاتقل عن ثلاث سنوات ولاتزيد على سبع سنوات والغرامة .
ويكمن سبب التشديد هنا في أن الخطأ على درجة كبيرة من الجسامة، وقد كشفت تلك الجسامة فداحة الأضرار الناجمة عنه ، مما اقتضى معه تشديد العقوبة بالجمـع بـين الحبـس والغرامـة من جهة ، ورفع الحدين الأدنى والأقصى لعقوبة الحبس .

الباب الثاني
جرائم الاعتداء على الحق في سلامة الجسم

تمهيد وتقسيم :
يعد حق الإنسان في سلامة جسمه من أهم حقوق الإنسان بعد الحق في الحياة، لذلك كما يحمي القانون حق الإنسان في الحياة ، فقد وفر الحماية اللازمة لحقه في سلامة الجسم ، إذ لا معنى للحياة إذا كان الجسم معتلاً .
وتقتضي الحماية الجنائية للحق في سلامة الجسم تجريم كافة صور الاعتداء على السلامة البدنية للإنسان ، وقد جرم المشرع الاتحادي أفعال الاعتداء الماسة بسلامة جسم الإنسان ، سواء وقعت هذه الأفعال بطريق العمد أو الخطأ .
وقد تناول المشرع جرائم الاعتداء على سلامة الجسم بعد جرائم الاعتداء على الحق في الحياة ، وهو مايشير إلى تقدير المشرع لخطورة الاعتداء على حق الإنسان في سلامة جسمه .
وتتعدد جرائم الاعتداء على سلامة الجسم ، وتختلف جسامتها باختلاف جسامة النتيجة أو الأذى المترتب على فعل الاعتداء . وسوف نتعرض لها بالدراسة تباعا ، وذلك من خلال ثلاثة فصول ، نتناول في الأول الأحكام المشتركة في جرائم الاعتداء على الحق في سلامة الجسم ، ونخصص الفصل الثاني للاعتداء العمدي على سلامة الجسم ، بينما نتطرق في الفصل الثالث للاعتداء غير العمدي على السلامة الجسدية .

الفصل الأول
الأحكام المشتركة في جرائم الاعتداء على سلامة الجسم

تشترك جرائم الاعتداء على سلامة الجسم - وإن تعددت واختلفت باختلاف درجة الأذى المترتب عليها ، أو توافر العمد أو الخطأ فيها – في محل الاعتداء المتمثل في حق الإنسان في سلامة جسمه ، وفي ركنها المادي أيضاً . ولذلك سنقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، نخصص الأول لدراسة محل الاعتداء ، والثاني لدراسة الركن المادي .

المبحث الأول
محـل الاعتـداء

جرّم المشرع الاتحادي أفعال الاعتداء على حق الإنسان في سلامة جسمه، غايته في ذلك حماية هذا الحق، لتأمين حق الإنسان في تبوء دوره في الحياة بالإمكانات البدنية التي خلق بها، ولما كان المساس بهذا الحق لايتصور إلا بالاعتداء على جسم الإنسان الحي، فإنه بذلك يشكل المحل المادي الذي تقع عليه جرائم الاعتداء على السلامة الجسدية.
وإذا كان جسم الإنسان الذي يحميه القانون من أفعال الاعتداء هو جسم الإنسان الحي، فإن بثبوت انتفاء صفة الحياة عن الإنسان، بأن أصبح جثة هامدة، فإن جسمه لا يصلح أن يكون محلا يتمتع بالحماية القانونية من أفعال الاعتداء على سلامته.
وتتحدد بداية الحياة ونهايتها وفقا للقواعد السابق ذكرها في جريمة القتل ، على أنه يتعين الإشارة إلى أن جَسَد الجنين يكون محلاً للحماية القانونية من أفعال الاعتداء على سلامته من اللحظة التي تبدأ فيها عملية الولادة . وأما قبل ذلك فإن الاعتداء عليه لايعدّ إيذاء بدنياً ، بل تقوم به جريمة الإجهاض الواردة في المادة 340 عقوبات اتحادي .
وتمتد الحماية القانونية لجسد الإنسان لتطال كل أجزائه ، لذلك لا فرق بين الأجزاء الخارجية من جسم الإنسان والأجزاء الداخلية منه ، فمن يعتدي على سلامة جزء خارجي للجسم بإحداث قطع في أنسجة الجسم ، يسأل عن جريمة اعتداء على سلامة الجسم ، شأنه في ذلك كمن يعتدي على عضو داخلي مثل الرئة أو القلب . ولا تقتصر الحماية الجنائية على الأعضاء الأصلية التي ولد الإنسان بها ، بل تشمل أيضاً الأعضاء البشرية أو غير البشرية التي نقلت إليه لتعويض ما اعتراه من نقص وضعف ، كالقلب والكلى والعين ، فمتى ما تم نقل هذه الأعضاء إلى جسد الإنسان صارت جزءاً منه ، فتتمتع بالحماية القانونية كالأعضاء الأصلية تماماً .
وأما الأعضاء الصناعية كالأطراف الصناعية التي تضاف إلى الجسم للحاجة فتتصل به ، وتؤدي وظيفة العضو الطبيعي التالف كلها أو بصفة جزئية، فإنها لا تعد جزءاً من جسد الإنسان ومن ثم لاتتمتع بالحماية القانونية المقررة بمقتضى تجريم أفعال الإيذاء البدني ، وأساس ذلك أن اتصال هذه الأعضاء بالجسم البشري لايفقدها صفتها كشيء تصلح بها محلا للسرقة . غير أن الاعتداء على الأعضاء الصناعية قد تتحقق به جريمة الإيذاء البدني ، إذا امتدت آثار هذا الاعتداء لتصيب الأعضاء الطبيعية المتصلة بالعضو الصناعي. ومن ذلك أن يقوم شخص بجذب طرف صناعي بشدة هادفاً الاستيلاء عليه ، فيتسبب ذلك في إلحاق إصابات بالعضو الطبيعي المتصل به .
ويحمي القانون جسم الإنسان من كل فعل يعطل وظيفة من وظائف الحياة فيه ، يستوي أن تكون هذا الوظيفة مادية أو نفسيه ، ويعني ذلك أن الاعتداء على سلامة الجسم لا يقتصر على الأفعال التي تمس مادة الجسم فقط بإحداث قطع أو تمزيق في أنسجتها ، بل إنه يشمل كذلك الأفعال التي تخل بالوظائف الذهنية أو النفسية ، كمن يطلق أعيرة نارية بجوار شخص فيصاب بصدمة عصبية ، فإنه بذلك يحقق إيذاء بدنيا يسأل عن قانوناً .
ويثبت الحق في سلامة الجسم لكل إنسان حي ، وإن كان مريضا ـ لأن الحق في سلامة جسم المريض يعني الحفاظ على القدر من الصحة الذي لايزال متوافر لديه ، فكل فعل يؤدي إلى الهبوط عن هذا القدر يعدّ اعتداء على سلامة الجسم ، ومن ذلك ارتكاب فعل يترتب عليه زيادة الآلام التي كان يعاني منها المريض من قبل .

المبحث الثاني
الركـن المـادي

يتحقق الركن المادي في جرائم الاعتداء على سلامة الجسم بارتكاب فعل الاعتداء الذي يترتب عليه إصابة الجسم بالأذى . وعليه يتكون الركن المادي في هذه الجرائم من عناصر ثلاثة هي : فعل الاعتداء ، نتيجته وعلاقة السببية .


المطلب الأول
فعل الاعتداء على سلامة الجسم

لا تقوم لجرائم الاعتداء على سلامة الجسم قائمة إلا إذا صدر عن الجاني فعل الاعتداء الذي يترتب عليه الإخلال بالسير الطبيعي لوظائف الأعضاء ، أو الانتقاص من التكامل الجسدي للإنسان ، أو يُوجد به آلاماً لم يكن المجني عليه يشعر بها من قبل أو يزيد من حدة هذه الآلام .
ويتخذ فعل الاعتداء على سلامة الجسم صورا وأشكالاً متعددة لا مجال لحصرها ، وهذا ما أدركه المشرع الاتحادي حيث لم يحدد أفعال الاعتداء على سبيل الحصر ، وترك المجال لتحققها بأية وسيلة شريطة أن تلحق الأذى بجسد المجني عليه ، وبذلك نصت المواد 336 و 338 و 339 عقوبات اتحادي على أنه " " يعاقب .... من اعتدى على سلامة جسم غيره بأية وسيلة .... " ( ) .
على أن الصور الشائعة لأفعال الإيذاء البدني في الواقع هي الضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة . لذلك سنتعرض لها بالدارسة فضلاً على صور أخرى لأفعال الاعتداء مما تستوعبه النصوص القانونية المذكورة .

أولاً : الضرب :
يقصد به كل ضغط مادي على الجسم، لا يؤدي إلى إحداث قطع فيه أو تمزيق لأنسجته. ويستوي أن يتم الضغط على جسم الإنسان بدون استعمال أداة أو باستعمال أداة معينة . لذلك يعد من قبيل الضرب توجيه صفعة باليد، أو الركل بالقدم، أو الضرب بالعصا. ولا يشترط أن يبلغ الضرب درجة معينة من الجسامة. فتقوم المسئولية الجنائية مهما كان الضرب بسيطاً، وإن لم يترك أي أثر في الجسم ، وفي ذلك قضت محكمة تمييز دبي بأنه : "لايشترط لتوافر جريمة الضرب البسيط أن يحدث الاعتداء جرحاً أو أن ينشأ عنه مرض أو عجز، بل يعد الفعل ضرباً متى ثبت حصول الاعتداء على جسم المجني عليه سواء ترك أثراً أو لم يترك، وعلى ذلك فإنه لا يلزم لصحة الحكم بالإدانة أن يبين الحكم موقع الإصابات التي أنزلها المتهم بالمجني عليه " ( ) .

ثانياً : الجرح :
يقصد بالجرح كل مساس بجسم الإنسان يؤدي إلى إحداث قطع فيه أو تمزيق لأنسجته. فالجسد يتكون من مجموعة من الخلايا المتصلة التي تكون أنسجة الجسم، والجرح هو تقطيع اتصال خلايا الجسم، فلا يتحقق إلا بتمزيق الأنسجة. ويختلف قطع الجسم عن تمزيق الأنسجة، لأن قطع الجسم يكون سطحياً ويقتصر على مادة الجلد، بينما تمزيق الأنسجة يكون عميقاً فينال الأنسجة الداخلية التي يكسوها الجلد .
ويستوي أن يكون الجرح ظاهريا أو داخليا ، كما لو حصل تمزق في عضو من الأعضاء الداخلية بالجسم مثل الكلى ، الرئة أو الطحال . ويدخل في مفهومة الرضوض والكدمات والحروق والتسلخات والسحجات والوخز . كما يدخل في نطاق الجرح كسر العظام والأسنان ، لأن الكسر يحدث بالضرورة تمزقاً بالأنسجة التي تكسو العظام. ولا أهمية لمساحة التمزيق وحجمه، فيستوي أن يكون التمزق عميقاً غائراً كالذي يحدثه السكين أو الطلق الناري، أو متهتكا كالذي تحدثه العصي والحجارة أو واخزا كالناشئ من وخز إبرة .
ولا يلزم لتوافر الجرح أن يستعين الجاني بأداة لتحقيقه ، فيستوي في نظر القانون أن ينجم تمزق أنسجة الجسم باستخدام الجاني ليديه فقط ، كما لو ركل المجني عليه فأسقطه أرضا فتسلخت أجزاء من جسمه وتكدم البعض الآخر، أو يحدث باستخدام أداة قاطعة كالسكين أو راضة كالعصا أو الحجر أو واخزة كالإبرة ، وقد يتحقق باستخدام حيوان كتحريش كلب وتوجيهه لافتراس المجني عليه .
ولا عبرة كذلك بما إذا كان الدم قد سال من الجرح خارج الجسم، لأن تمزق الأنسجة الداخلية للجسم يعد جرحا ولا يخرج فيه الدم بل يتجمع تحت الجلد محدثا زرقة قاتمة .

ثالثاً : إعطاء المواد الضارة :
يقصد بالإعطاء كل نشاط للجاني يترتب عليه وصول المادة الضارة إلى جسم المجني عليه لتباشر تأثيرها الضار بسلامته الجسدية البدنية أو النفسية. ويتحقق الإعطاء بمناولة الجاني المجني عليه المواد الضارة يداً بيد وينصحه بتعاطيها، أو بدسها في طعامه أو شرابه، أو تسخير شخص آخر في مناولتها إياه. فلا أهمية لذلك كله بل يكفي وضع المادة في متناول المجني عليه على نحو يؤدي إلى وصولها إليه ومباشرة تأثيرها على جسمه.
والمواد الضارة سواء في نظر القانون ، فالمادة الضارة هي كل مادة أيا كان شكلها أو مصدرها ، أي يستوي أن تكون صلبة أو سائلة أو غازية، بل قد تكون فيروس مرض معد يحقنه الجاني للمجني عليه بقصد الإضرار به دون قصد قتله( ) . وسيان أكانت نباتية أو حيوانية أو معدنية متى تسربت إلى جسد الإنسان عن طريق الفم أو الأنف أو الأذن أو بأي وسيلة أخرى، فأخلت بالسير الطبيعي لوظائف أعضاء الجسم وأجهزته على نحو يعوقها عن أداء وظائفها إعاقة كلية أو جزئية، دائمة أو مؤقتة. والعبرة في وصف المادة بأنها ضارة هي بالأثر النهائي الذي يحدثه تناولها وليس بالأثر الوقتي لها، ذلك أن المادة قد تحدث في بداية تناولها اضطرابا عارضا كالخمول أو الإعياء، ثم تؤدي في النهاية إلى فائدة صحية، فعندئذ تنتفي جريمة المساس بسلامة الجسم.
ولا يلزم أن تكون المادة ضارة بطبيعتها ، بل يكفي أن تكون ضارة بحسب الظروف التي أعطيت فيها، كإعطاء المريض دواء يتعارض مع حالته الصحية، أو إعطاء شخص مسكراً أو مخدراً بكمية كبيرة، أو حمله على استنشاق غاز خانق( ).

رابعاً : الإيذاء بأية وسيلة أخرى :
يندرج في هذه الفئة كل الأفعال التي تمس سلامة الجسم دون أن تعتبر جرحاً أو ضربا أو إعطاء مواد ضارة، وقد توجه هذه الأفعال مباشرة إلى جسد المجني عليه مثل كتم نفس الشخص، أو لوي ذراعه، أو جذبه من الشعر أو شده من ثيابه وإيقاعه على الأرض. ومن ذلك أيضاً الأفعال التي لاتوجه إلى جسم الإنسان ولا تنصب عليه مباشرة غير أنها تمس بسلامته، من ذلك تسليط شخص على جسم المجني عليه أشعة ضارة تصيب بالخلل السير الطبيعي لبعض أجهزته الداخلية، والجمع بين شخص سليم وآخر مصاب بمرض معد بغية نقل العدوى إليه، وإطلاق أعيرة نارية بجوار شخص مرهف الإحساس، فيصاب باضطراب عصبي يؤدي إلى إصابته بارتعاش دائم. وتصلح وسائل الإيلام النفسي لتكوين ماديات هذه الجريمة، من ذلك توجيه الإهانات الشديدة إلى شخص، أو رواية الأخبار السيئة بقصد الإساءة إلى صحة المجني عليه، أو الاتصال به تلفونيا بشكل متكرر وفي أوقات غير مناسبة بهدف المساس بسلامة جسمه ، أو اقتحام خلوته وإحداث أصوات غريبة تصيبه بالذعر والرعب .
فالوسائل النفسية تكفي لتحقيق الركن المادي في الإيذاء البدني، لأن القانون لم يحدد صورة السلوك الذي يجرمه، بل نص على تجريم الإيذاء بأية وسيلة، فساغ اعتبار كل وسيلة تحدث المساس بالتكامل الجسدي صالحة لتحقيق الركن المادي في جريمة المساس بسلامة الجسم ، إذا كان القصد منها إيذاء المجني عليه، فوسائل الإيذاء النفسي يمكن أن تؤدي إلى مساس غير مباشر بجسم المجني عليه .

المطلب الثاني
نتيجــة الاعتــداء

سوف نقسم هذا المطلب إلى فرعين نتناول في الأول مدلول النتيجة الإجرامية وأهميتها ، ونخصص الثاني للشروع في جرائم الإيذاء .

الفرع الأول : مدلول نتيجة الاعتداء وأهميتها :
يتعين أن يؤدي فعل الاعتداء إلى نتيجة إجرامية، تتمثل في الأذى الذي يلحق بجسم المجني عليه، أي أن النتيجة التي يجرمها القانون هي المساس بحق المجني عليه في سلامة جسمه، ويتمثل ذلك في تمزيق أنسجة الجسم بما يشكل جرحاً، أو ضغط على تلك الأنسجة بما شكل ضرباً، وقـد
يسفر الاعتداء عن تعطيل أعضاء الجسم وأجهزته عن أداء وظائفها تعطيلاً كليا أو جزئياً، مؤقتا أو مستديما. ومن صور نتيجة الاعتداء أيضاً التأثير على المستوى الصحي بالانتقاص منه، كإحداث مرض لدى المجني عليه، أو الزيادة من حدته إن كان قائما لديه من قبل.
فإذا لم يترتب على فعل الاعتداء أي مساس بسلامة جسم المجني عليه، أي إذا لم يصبه فعل الجاني بأذى فعلي، فلا تقوم جريمة من جرائم المساس بسلامة الجسم. وللنتيجة الإجرامية في جرائم الإيذاء البدني أهمية خاصة تتمثل في الآتي:
1- التناسب بين درجة المسئولية الجنائية وجسامة النتيجة الإجرامية في جرائم المساس بسلامة الجسم العمدية ، فيزداد مقدار العقاب الموقع على الجاني كلما زادت جسامة النتيجة الإجرامية التي حققها بسلوكه ( ) .
2- يتصور الشروع في جرائم الاعتداء على سلامة الجسم العمدية المعاقب عليها بوصف الجناية، متى تخلفت فيها النتيجة لسبب لادخل لإرادة الجاني فيها، مثل جريمة الاعتداء بقصد إحداث عاهة مستديمة المنصوص عليها في المادة 337 عقوبات اتحادي .
3- يترتب على تخلف النتيجة الإجرامية في جرائم الاعتداء غير العمدية، عدم قيام المسئولية الجنائية، لأن المشرع يعاقب في جرائم الخطأ على الضرر المتحقق لا على الخطأ المرتكب .

الفرع الثاني : الشروع في جرائم الاعتداء البدني :
وإن كانت جرائم الإيذاء جميعها من جرائم النتيجة، التي تتمثل في المساس بسلامة جسد المجني عليه، غير أن طبيعة الجريمة تجعل الفعل يختلط بالنتيجة، حيث تقع النتيجة دائما فور ارتكاب الفعل، فلا يتصور وقوع فعل الاعتداء دون تحقق مساس فوري بسلامة الجسد، ومع ذلك يتصور تحقق الشروع الخائب في جرائم الإيذاء البدني، كمن يلقي بحجر على آخر فلا يصيبه.
وفي مقابل ذلك يتصور تحقق الشروع في صورة الجريمة الموقوفة، من ذلك أن يبدأ الجاني تنفيذ الفعل المؤدي إلى المساس بسلامة الجسم، ويوقف هذا التنفيذ لسبب خارج عن إرادة الجاني. على أن القاعدة أنه لاعقاب على الشروع في جرائم الاعتداء على سلامة الجسم ، لأن أغلبها من الجنح ولم ينص المشرع على العقاب على الشروع فيها . أما جنايات الاعتداء على سلامة الجسم ، فأغلبها جرائم تتجاوز فيها النتيجة قصد الجاني، وهذه الجرائم لايتصور الشروع فيها لعدم اتجاه قصد الجاني إلى إحداث النتيجة، وعليه لا يتصور الشروع في جنايتي الاعتداء المفضي إلى عاهة مستديمة، والاعتداء المفضي إلى الموت. أما جناية الاعتداء بقصد إحداث العامة المستديمة، فيتصور الشروع فيها متى تخلفت العاهة لسبب لادخل لإرادة الجاني فيه، وذلك دون الحاجة إلى نص خاص لأن الجريمة جناية.


المطلب الثالث
علاقــة السببيــة

من الثابت ضرورة توافر علاقة سببية بين فعل الاعتداء والمساس بسلامة الجسم الذي تحقق . ولا تثير رابطة السببية بين فعل الجاني والنتيجة الإجرامية أية صعوبات في الأحوال التي تتصل النتيجة بالفعل الإجرامي على نحو يتضح فيه أن الفعل هو المصدر الوحيد لتلك النتيجة .
وتثور المشكلة عملا عندما تتراخى النتيجة الإجرامية زمنا بحيث تساهم في تحققها خلاف الفعل عوامل خارجية أخرى ، كخطأ الطبيب أو إهمال المجني عليه ذاته علاج نفسه .
إن تقدير توافر علاقة السببية بين الفعل والنتيجة أو انتفاءها مسألة موضوعية تفصل فيها محكمة الموضوع بغير معقب ، مادام استخلاصها سائغاً لـه سنده من أوراق الدعوى . ومعيارها في ذلك ضابط السببية الملائمة، فيسأل المجني عن النتيجة التي تحققت إذا كان فعله صالحاً لإحداث النتيجة وفق السير العادي للأمور ، أي كانت العوامل الأخرى مألوفة ومتوقعة . أما إذا ساهمت مع فعل المتهم عوامل شاذة غير متوقعة ، فإن السببية تنقطع بين الفعل الإجرامي والنتيجة التي تحققت ، وتعزى هذه النتيجة إلى تلك العوامل غير المألوفة . وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية أن " محدث الإصابة مسئول عن جميع النتائج المتوقع حصولها مالم تتدخل عوامل أجنبية غير مألوفة تقطع رابطة السببية بين فعل الجاني والنتيجة " ( ) .
ويقاس التوقع بمعيار الرجل العادي. ومن أمثلة العوامل المألوفة التي يمكن توقعها، ومن ثم لاتقطع رابطة السببية بين فعل المتهم والنتيجة، الحالة الصحية العامة للمجني عليه، خطأ الطبيب اليسير، إهمال العلاج أو التراخي فيه.
ومن أمثلة العوامل غير المألوفة التي تقطع علاقة السببية بين فعل الجاني والنتيجة التي تحققت ، الخطأ الجسيم الذي اقترفه الطبيب وأفضى إلى موت المجني عليه، وتعمد المجني عليه عدم علاج نفسه بقصد تجسيم النتيجة لتسوئ مركز المتهم في القضية ( ) .

الفصل الثاني
أحكام الاعتداء العمدي على سلامة الجسم

تمهيد وتقسيم
تتطلب جرائم الاعتداء العمدي على سلامة الجسم توافر القصد الجنائي، على أنها تتفاوت فيما بينها من حيث العقاب بحسب ما ترتب عليها من نتيجة إجرامية ، ولذلك عاقب المشرع على بعضها بعقوبة الجنحة ، بينما عاقب على بعضها الآخر بعقوبة الجناية . وعليه سوف نقسم هذا الفصل إلى مبحثين نتناول في الأول دراسة الركن المعنوي ، في حين سنخصص الثاني لأنواع جرائم الإيذاء العمدية .

المبحث الأول
الركـن المعنـوي

يتخذ الركن المعنوي في جرائم الاعتداء على الحق في سلامة الجسم العمدية صورة القصد الجنائي. والقصد المتطلب لقيام هذه الجرائم هو القصد العام، أي أن نية الإضرار بالمجني عليه ليست من عناصر القصد، وعليه يتوافر القصد الجنائي، وإن كان الجاني يستهدف بفعله تحقيق منفعة للمجني عليه، كمن يضرب شخصاً فيحدث به عاهة مستديمة لتمكينه من الحصول على إعانة مالية أو إعفائه من الخدمة العسكرية. ويقوم القصد الجنائي العام متى كان الجاني عالما بأركان الجريمة، واتجهت إرادته إلي ارتكاب فعل الاعتداء وتحقيق النتيجة الإجرامية وهي المساس بسلامة جسم المجني عليه.
وعليه يجب أن يكون الجاني عالما بأن فعله يرد على جسم إنسان حي، فإذا كان يعتقد أنه يوجه فعله إلى جثة ، انتفى القصد الجنائي لديه لانتفاء علمه بمحل الاعتداء ، كما لو قام طبيب بتشريح جثة لشخص أغمي عليه ، معتقدا أنه فارق الحياة ، بعدها تبين أنه مايزال على قيد الحياة، فلا يتوافر القصد الجنائي لدى الطبيب بل يسأل عن جريمة اعتداء غير عمدي.
كما يلزم علم الجاني بماهية فعله وأن من شأنه المساس بسلامة جسم إنسان آخر، فإذا جهل مضمون فعله وأثره انتفى القصد الجنائي لديه، مثال ذلك من يعطي المجني عليه مادة ضارة معتقداً أنها الدواء الذي يتناوله، ومن يستعمل آلة لعلاج إنسان فيصيبه بجراح لجهله بقواعد استعمالها .
ويتعين أيضاً أن يتوقع الجاني النتيجة الإجرامية كأثر لفعله ، أي يتوقع حدوث المساس بسلامة جسم المجني عليه بسب فعله . فإذا لم يتوقع الشخص تحقق الأذى بجسم المجني عليه نتيجة لفعله ، انتفى القصد الجنائي لديه . فإذا أعطى الصيدلي مبيداً حشرياً لشخص متوقعا استخدامه في الغرض المخصص له، فترتب على سوء استعماله إصابته بأضرار بدنية، فلا يتوافر القصد الجنائي لدى الصيدلي، ولا يسأل عن إيذاء بدني عمدي.
ويقتضي توافر القصد الجنائي اتجاه إرادة المتهم إلى ارتكاب الفعل الذي يمس سلامة جسم المجني عليه، أي تعمد الجاني إتيان فعل الإيذاء الذي يمس بجسم المجني عليه، فإذا لم تتجه إرادته لتحقيق فعل الاعتداء على جسم المجني عليه انتفى القصد الجنائي لديه . ويلزم فضلاً على ذلك اتجاه إرادة المتهم إلى تحقيق النتيجة الإجرامية ، أي تعمد إحداث الأذى البدني بجسم المجني عليه . ولا يتطلب القانون تحديد نوع الأذى الذي تتجه إليه الإرادة ، فيتحقق القصد الجنائي أيا كان الأذى المراد تحقيقه ، وبغض النظر عن درجة جسامته . ويسأل المتهم عن الأذى الذي حققه بفعله متى كان متعمدا ، وإن تجاوز في جسامته ما أراد إحداثه بالمجني عليه من إصابات، فمن قصد ضربا فقط فحقق بفعله عاهة مستديمة ، يسأل عنها مسئولية عمدية على أساس القصد الاحتمالي ، حيث كان من واجبه عند ارتكاب الفعل الإجرامي أن يتوقع إمكان حصول مثل هذا النتيجة كأثر لفعله .
ولا يؤثر في توافر القصد الجنائي في جرائم الاعتداء على سلامة الجسم وقوع غلط في شخص المجني عليه ، أو حيدة عن الهدف ، فمن يلقي بحجر على عمرو فإذا به يخطئه ويصيب زيداً ، يسأل عن جريمة إيذاء بدني عمدي ، لأن القانون يحمي الحق في السلامة البدنية لكافة الناس . وفي ذلك قضي بأنه : " من المقرر أن الخطأ في شخص المجني عليه لا يغير من قصد المتهم ولا من ماهية الفعل الجنائي الذي ارتكبه تحقيقا لهذا القصد ، لأنه إنما قصـد الضرب وتعمده والعمد يكون باعتبار الجاني وليس باعتبار المجني عليه " ( ) .
ويستوي أن يكون القصد الجنائي محددا أو غير محدد لقيام المسئولية العمدية عن الإيذاء البدني، فمن يضع مادة ضارة في مياه بئر يشرب منه عامة الناس، يسأل عن إيذاء بدني عمدي كما لو أعطى هذه المادة لشخص معين بذاته .
ومن الثابت أنه متى توافر القصد الجنائي في جرائم الاعتداء على سلامة الجسم ، فلا يؤثر في قيام المسئولية أن يكون المتهم قد أقدم على إتيان فعله مدفوعا بالرغبة في الانتقام من المجني عليه ، أو بباعث الشفقة عليه ، على أن تؤخذ طبيعة الباعث ما إذا كان شريفاً أو شريراً بعين الاعتبار في تقدير العقوبة ( ) .
والقول بتوافر القصد الجنائي من عدمه مسألة موضوعية يختص بتقديرها قاضي الموضوع ، ويتعين على حكم الإدانة أن يبين ركن القصد ويثبت توافره، ولا يلزم أن يتحدث عنه صراحة ، بل يكفي أن يستفاد ضمنا من عبارات الحكم أو وقائع الدعوى كما أوردها الحكم .

المبحث الثاني
أنواع جرائم الاعتداء على سلامة الجسم العمدية

قد تقوم جرائم الاعتداء على سلامة الجسم العمدية في صورتها البسيطة، وقد تكون مشددة، فالجرائم المشددة يتوفر فيها إلى جانب أركان الجريمة عنصر يرتب عليه القانون أثرا ، وأما جرائم الاعتداء البسيطة فهي التي تقوم بتوافر أركانها، وانتفاء أي عنصر من العناصر المذكورة. وقد حدد القانون ظروفا قد تتصل بجرائم الاعتداء على السلامة البدنية ويقتصر أثرها على تشديد العقوبة دون تعديل وصف الجريمة فتظل جنحة، ومنها ما يتجاوز أثرها تغليظ العقوبة إلى تغيير جوهر الجريمة وتكييفها القانوني فتنقلب من جنحة إلى جناية. وأهم سبب للتشديد أعتد به المشرع الاتحادي هو درجة جسامة النتيجة المترتبة على الاعتداء ، فضلاً على أسباب أخرى منها ما يتعلق بصفة المجني عليه، أو بكيفية تنفيذ الجريمة. ولذلك سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نتعرض في الأول لجريمة الاعتداء العمدي على سلامة الجسم في صورتها البسيطة، على أن نخصص الثاني لجرائم الاعتداء البدني العمدي المشددة.

المطلب الأول
جريمة الاعتداء العمدي
على سلامة الجسم في صورتها البسيطة

تتطلب جريمة الاعتداء على سلامة الجسم في صورتها البسيطة توافر الأركان العامة لجرائم المساس بالسلامة الجسدية، وهي فعل الاعتداء الذي يقع على جسد إنسان حي، والذي من شأنه المساس بسلامته أو صحته، على ألا يترتب على فعل الاعتداء مرض أو عجز عن مباشرة الأعمال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يوما. فضلاً على ذلك يتعين توافر القصد الجنائي لدى الجاني وقوامه علمه بأركان الجريمة وتوجيه الإرادة إلى ارتكاب الفعل وتحقيق النتيجة المتمثلة في المساس بالتكامل الجسدي للمجني عليه.
ولذلك يكفي لقيام الاعتداء العمدي البسيط أن يتم إثبات تعمد الجاني الاعتداء على جسد المجني عليه أيا كانت النتيجة المتحققة، بشرط ألا ترقى إلى المرض أو العجز عن مباشرة الأعمال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يوما . ولا يشترط لصحة حكم الإدانة تحديد مواقع الإصابات ولا أثرها ولا درجة جسامتها . وفي ذلك قضي : " لما كان ذلك وكان لا يشترط لتوافر جريمة الضرب البسيط أن يحدث الاعتداء جرحا أو أن ينشأ منه مرض أو عجز بل يعد الفعل ضربا متى ثبت حصول الاعتداء على جسم المجني عليه سواء ترك أثر أو لم يترك ، وعلى ذلك فإنه لايلزم لصحة الحكم بالإدانة بمقتضى هذه المادة أن يبين الحكم موقع الإصابات التي أنزلها المتهم بالمجني عليه، لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد اطمأن إلى أقوال المجنـي عليـه من اعتداء المتهم عليه بالضرب فإن هذا يكفي لتوافر الجريمة " ( ) .
وقضى أيضاً بأنه : " أن الطاعن لم ينكر تعرض زوجته المشتكية للإصابات الجسدية التي تعرضت لها ، ومع عدم إدلائه بأي دليل ينفي عنه تسببه في هذه الإصابات ، يكون الدليل قائما ضده على أنه هو المرتكب لتلك الإصابات ، وبذلك يكون الحكم المستأنف قد صادف الصواب عندما أدانه بجريمة اعتدائه على سلامة جسم زوجته .... وإحداثه الإصابات المتضمنة بالتقرير الطبي الذي يؤكد تعرض المجني عليها للضرب بمختلف جسمها والتي لاتؤدي إلى عجز المصابة عن أشغالها الشخصية مدة تزيد على عشرين يوما المعاقب عليها بمقتضى المادة 339/2 من قانون العقوبات.
لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه المؤيد لحكم محكمة البداية في خصوص تهمة الإيذاء قد اعتمدت فيه كل من محكمة البداية ومحكمة الاستئناف على توافر قناعتهما واطمئنانهما التام على كون الطاعن قام بضرب زوجته ضربا خفيفا لا يدخل في إطار الضرب المسموح به شرعاً لتأديب الزوجة اعتمادا على تصريحات المشتكية زوجة المتهم الطاعن من ضربه لها ضربا أذاها .... إلا أن محكمة الموضوع بدرجتيها نظرت فيما جاء في الوصف الدقيق المفصل لما قام به زوجها ضدها من اعتداء بالضرب والذي جاء متوافقا مع ما تضمنته الشهادة الطبية .... فإن النعي عليه بما ذكر لا يخرج عن كونه محض جدل موضوعي ابتغاء الوصول إلى نتيجة مغايرة لما استخلصته المحكمة ولا يقبل إثارته أمام محكمة النقض " ( ) .
ومتى توافرت جريمة الاعتداء البدني البسيط يعاقب الجاني طبقاً لنص المادة 339/2 عقوبات اتحادي بالحبس مدة لاتزيد على سنة والغرامة التي لاتجاوز عشرة آلاف درهم ( ) ، والجمع بين عقوبتي الحبس والغرامة وجوبي وإلا كان الحكم معيبا. وفي ذلك قضي بأنه : " لما كانت أحكام الفقرة الثانية من المادة 339 من قانون العقوبات يعاقب بالحبس مدة لاتزيد عن سنة وبالغرامة التي لاتتجاوز عشرة آلاف درهم من اعتدى على سلامة جسم غيره بأية وسيلة وأفضى الاعتداء إلى مرضه أو عجزه عن أعماله الشخصية مدة لاتجاوز العشرين يوماً .
وحيث أن الحكم المطعون فيه قد أدان المطعون ضده بجريمة إيذاء الشاكية... بالضرب وفقا لما تقدم وانزل به عقوبة الحبس فقط دون الغرامة الواجب معاقبته بها إلى جانب الحبس وفقا لأحكام الفقرة الثانية من المادة 339 المذكورة فإنه يكون معيباً " ( ) .
وإذا كانت بعض التشريعات قد ميزت في العقوبة بين الاعتداء البسيط والخفيف ( ) ، فإن المشرع الاتحادي لم يسلك هذا السبيل ، بحيث توقع العقوبة المذكورة في الصورتين ، على أن يستخدم القاضي سلطته التقديرية في تحقيق التناسب بين العقوبة التي يقررها والنتيجة المتحققة ، بسيطة كانت أو خفيفة ، حيث أتاح القانون للقاضي المجال لتحديد مدة الحبس ابتداء من شهر على ألا يتجاوز سنة ، وأما الغرامة فحدها الأدنى يجاوز ألف درهم ليصل إلى حد أقصى قدره عشرة آلاف درهم .

المطلب الثاني
جرائم الاعتداء العمدي المشدد

سوف نقسم هذا المطلب إلى فرعين ، نتعرض في الأول للظروف المشددة لجرائم الاعتداء العمدي على سلامة الجسم والتي تتعلق بجسامة النتيجة المتحققة، أما الفرع الثاني فسوف نخصصه لظروف التشديد الأخرى.

الفرع الأول : التشديد على أساس جسامة النتيجة :
اعتد القانون بجسامة النتيجة الإجرامية التي نجمت عن فعل الاعتداء لتشديد العقاب، ويجد هذا الاتجاه سنده في أن النتيجة الجسيمة لا يحققها إلا فعل على درجة من الخطورة، ومثل هذا الفعل يصدر من شخص توافرت لديه خطورة إجرامية تفوق تلك التي تتوافر لدى من يأتي فعلا لا يحقق سوى إيذاءً بسيطاً .
ويتعين لتوافر التشديد في هذه الصورة توافر الأركان العامة للاعتداء على سلامة الجسم ، وتحقق النتيجة الجسيمة التي يعنيها القانون والتي تتخذ إحدى الصور التالية : حدوث مرض أو عجز عن الأعمال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يوما ، أو إفضاء الاعتداء إلى إجهاض حبلى ، أو حدوث عاهة مستديمة، أو حدوث وفاة .



أولاً : حدوث مرض أو عجز عن الأعمال الشخصية :
نصت على هذا الظرف المادة 339/1 عقوبات اتحادي بقولها : " يعاقب بالحبس وبالغرامة من اعتدى على سلامة جسم غيره بأية وسيلة وأفضى الاعتداء إلى مرضه أو عجزه عن أعماله الشخصية مدة تزيد على عشرين يوما " .
ويتطلب توافر هذا الظرف المشدد تطبيقا للنص المتقدم ، ارتكاب الجاني لفعل اعتداء يترتب عليه إصابة المجني عليه بمرض أو عجز عن الأعمال الشخصية ، وأن تزيد مدة المرض أو العجز على عشرين يوما . ولايلزم أن ينشأ عن الاعتداء مرض وعجز عن مباشرة الأعمال الشخصية في ذات الوقت ، بل يكفي أن يتحقق أحدهما لأن المشرع استعمل لفظ "أو" الذي يفيد المغايرة .
ويقصد بالمرض كل اعتلال في الصحة يؤدي إلى الإخلال بالسير الطبيعي للوظائف الحيوية في الجسم . ويستوي أن يكون المرض بدنيا أو عقليا أو نفسيا . ولايعد من قبيل المرض حدوث الألم الذي لايدل على اختلال في السير الطبيعي لوظائف الجسم .
ولما ساوى المشرع بين المرض والعجز عن الأعمال الشخصية مدة تزيد على عشرين يوما في العقوبة ، فإنه يلزم في حال تحقق المرض الذي لايترتب عليه عجز عن مباشرة تلك الأعمال ، أن يبلغ قدراً من الجسامة حتى يتحقق الظرف المشدد . ويخضع تقدير الجسامة المطلوبة لقاضي الموضوع في ضوء الوقائع التي أحاطت بالجريمة .
أما العجز عن الأعمال الشخصية فيراد به العجز عن الأعمال البدنية التي يِؤديها الجسم متى كان في حالة طبيعية . ولذلك لا يقصد بالعجز عن الأعمال الشخصية عجز المجني عليه عن مباشرة الأعمال التي تقتضيها مهنته أو حرفته أو وظيفته، وإلا لنجم عن ذلك اختلاف جسامة النتيجة باختلاف مهنة المجني عليه، وانتفاء الظرف إذا كان المجني عليه عاطلاً عن العمل .
ويتحقق العجز عن مباشرة الأعمال الشخصية إذا نتج عن الاعتداء إصابات في بعض أعضاء الجسم، مما يعوق حركتها ويحول دون استعمالها في الأعمال البدنية كالعجز عن تحريك الذراع أو عن المشي . وبذلك يتوافر الظرف المشدد إذا كانت الإصابة قد أعاقت المجني عليه عن السير، وإن لم تمنعه من ممارسة مهنته التي تتطلب العمل الذهني .
ويكفي لقيام الظرف أن يكون العجز عن إتيان الأعمال البدنية جزئيا، فإذا كانت الإصابات التي أحدثها الجاني بالمجني عليه تسمح لـه بمزاولة بعض الأعمال البدنية، دون أن تقعده كليا عن ممارسة الأعمال الشخصية، فإن الظرف المشدد يتوافر في حقه .
وقد اشترط المشرع الاتحادي أن يستمر المرض أو العجز عن الأعمال الشخصية، لمدة تزيد على عشرين يوما، أي واحداً وعشرون يوما على الأقل. والعبرة في تحديد المدة يتحقق المرض أو العجز الفعلي عن القيام بالأعمال البدنية العادية، وليست العبرة بالمدة التي يستغرقها علاج المجني عليه، أو بقاء آثار وعلامات الاعتداء، فقد يزول المرض أو العجز عن الأعمال الشخصية، ومع ذلك يستمر المجني عليه في التردد على الطبيب حرصاً منه على صحته( ) .
كما يعتد بالمدة التي استمر خلالها المرض أو العجز فعلا، وليس بالمدة التي قرر الطبيب احتمال استمرار المرض أو العجز خلالها. فإذا قرر الطبيب إمكانية استمرار المرض أو العجز مدة تتجاوز عشرين يوما، ثم انتفى فعليا بعد مدة لا تزيد على عشرين يوما، لا يتوافر الظرف المشدد ويسأل الجاني عن إيذاء بسيط.
وإذا تعدد الجناة الذين ساهموا في ارتكاب الجريمة وتوافرت بينهم رابطة ذهنية، توافر الظرف في حقهم جميعاً، وإن لم يعرف صاحب الاعتداء الذي حقق المرض أو العجز، أما إذا تعدد الجناة وانتفت رابطة المشاركة الإجرامية، سئل كل منهم عن فعله وما ترتب عليه من نتيجة، فإذا لم يتسن معرفة صاحب الضربة التي حققت النتيجة الجسيمة، سئل كل مساهم عن اعتداء عمدي بسيط ، باعتباره القدر المتيقن في حقه.
ومتى توافر الظرف المشدد بأن أفضى الاعتداء على سلامة الجسم إلى مرض أو عجز عن مباشرة الأعمال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يوما ، عوقب الجاني بالحبس والغرامة تطبيقا لنص المادة 339/1 عقوبات اتحادي. ويلاحظ أن المشرع الاتحادي لم يحدد مدة الحبس ولا مقدار الغرامة، فتنطبق المادتان 69 و 71 من قانون العقوبات الاتحادي، فتحدد الأولى الحبس بين شهر وثلاث سنوات ، بينما تحدد الثانية مقدار الغرامة في الجنح بين ما يجاوز ألف درهم وثلاثين ألف درهم .

ثانيا : إفضاء الاعتداء إلى إجهاض حامل :
نصت المادة 339/1 عقوبات اتحادي على أنه " وإذا نشأ عن الاعتداء على حبلى إجهاضا ، عدّ ذلك ظرفا مشددا " .
وقد استهدف المشرع بتشديد العقوبة إذا ما أفضى الاعتداء إلى إجهاض امرأة حامل ، حماية حق الجنين في أن يظل في رحم أمه إلى أن يحل موعد ميلاده ، بحيث يكتمل نموه طبيعيا مما يحول دون اعتلال صحته مستقبلاً ، وكذلك حماية حق الأم الحامل في سلامة جسمها .
ويتطلب هذا الظرف لقيامه توافر أركان ثلاثة : محل الاعتداء وهو المرأة الحامل ، وركن مادي يتمثل في فعل اعتداء يفضي إلى نتيجة محددة هي الإجهاض ، ثم القصد الجنائي .

1- محل الاعتداء :
يفترض الظرف المشدد وجود حالة الحمل ، أي وجود جنين في رحم المرأة ، وبذلك يقع فعل الاعتداء على امرأة حامل . ويتحقق الحمل بتلقيح الحيوان المنوي للرجل لبويضة المرأة . وتكون لحظة التلقيح هي بداية وجود الحمل ، أو بداية حياة الجنين التي تنتهي ببداية عملية الولادة . لذلك يتحدد نطاق ظرف الاعتداء المفضي إلى إجهاض بالفترة بين الإخصاب وبداية عملية الولادة ، فلا يتوافر الظرف قبل عملية الإخصاب ، ولا بعد بداية عملية الولادة، لأن من بداية آلام الولادة يفقد الجنين هذه الصفة ويكتسب صفة الإنسان فيتصور الاعتداء على حياته أو سلامة جسمه .
وإذا كان ظرف التشديد يتطلب لقيامه وجود الحمل وقت ارتكاب فعل الاعتداء، فمؤدى ذلك انتفاء الظرف إذا لم تكن المرأة حاملا . كما لايتحقق الظرف أيضا إذا ثبت أن الجنين كان ميتا وقت وقوع فعل الاعتداء .

2- الركن المادي :
يتحقق هذا الركن بإتيان الجاني فعل اعتداء على جسم امرأة حامل ، على أن يفضي إلى إنهاء حالة الحمل قبل الموعد الطبيعي للولادة .
أ 0 فعل الاعتداء : ويتحقق الظرف المشدد بارتكاب الجاني أي فعل من أفعال الاعتداء على جسم المرأة الحامل ، ومن ذلك الضرب أو نحوه من أنواع الإيذاء البدني . وقد يستعين المتهم في اقتراف الفعل بأداة ما ، وقد يقتصر في حالات أخرى على استخدام أعضاء جسمه ، كما لو انهال عليها ضربا في بطنها ، أو ركلها برجليه فطرحها أرضا ، أو ألقى بها من مكان مرتفع – ويعد من قبيل الاعتداء المفضي إلى الإجهاض إعطاء المرأة الحامل مواد ضارة بقصد إيذائها بدنيا ، فيترتب على تعاطيها حدوث تقلصات في عضلات الرحم مما يؤثر على الجنين ، إما بموته أو خروجه ولو حيا قبل موعد ولادته .
ب- خروج الجنين من الرحم قبل الأوان : يعد خروج الجنين من الرحم قبل الموعد الطبيعي للولادة هو النتيجة الإجرامية في الاعتداء البدني المفضي إلى الإجهاض. فإذا لم تتحقق هذه النتيجة كأثر لفعل الاعتداء على جسد المرأة ، انتفى الظرف المشدد ، ويسأل الجاني عن إيذاء بدني عمدي في صورته البسيطة .
والنتيجة التي يتحقق ظرف التشديد بها هي خروج الحمل من الرحم قبل موعد ولادته الطبيعي ، سواء خرج ميتا ، أو خرج حيا سواء كـان قابلا
للحياة أو غير قابل لها ، إذ يتحقق بذلك الاعتداء على حق الجنين في النمو الطبيعي داخل الرحم طيلة فترة الحمل .

3- الركن المعنوي :
جريمة الاعتداء المفضي إلى إجهاض الحامل جريمة عمدية ، ومن ثم يتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد الجنائي .
وعليه يجب أن يعلم الجاني أن فعل الاعتداء محله امرأة حامل ، فإذا كان يجهل حالة الحمل ، فإن هذا الجهل يتعلق بواقعة جوهرية فينتفي لديه القصد الجنائي ، ولا يسأل عن ظرف التشديد ( ) .
والقصد الذي يتطلبه القانون لمساءلة المتهم عن الاعتداء المفضي إلى الإجهاض ، هو قصد الاعتداء على سلامة الجسم ، وليس قصد إحداث الإجهاض . ولذلك يجب أن يعلم بأن فعله يقع اعتداء على جسم الحامل ، متوقعا حدوث نتيجة محددة لفعله هي إيذاء الحامل بدنيا . ثم يوجه إرادته إلى ارتكاب فعل الاعتداء وتحقيق الإيذاء البدني ، ومع ذلك يسأل الجاني عن الإجهاض الذي تحقق ، وإن لم تكن إرادته قد اتجهت إلى إحداثه ، باعتباره نتيجة محتملة لفعل الاعتداء الذي صدر عنه ، وكان باستطاعته ومن واجبه توقعه .
ومن ثم يلزم لتوافر ظرف التشديد ألا يتجه قصد الجاني إلى إحداث الإجهاض ولو في صورة قصد احتمالي، كما لو توقع إجهاض الحامل كأثر لفعله، ورضي بهذا الاحتمال ومضى قدما في ارتكاب فعل الاعتداء، فعندئذ لا يسأل عن اعتداء أفضى إلى إجهاض المنصوص عليه في المادة 339/3 عقوبات اتحادي، بل يسأل عن جناية الإجهاض المعاقب عليها بمقتضى المادة 340 عقوبات اتحادي .
ومتى توافرت العناصر المتقدمة، قام في حق الجاني ظرف الاعتداء المفضي إلى الإجهاض، فيعاقب بالحبس والغرامة تطبيقاً لنص المادة 339/3، التي نصت على أنه : "وإذا نشأ عن الاعتداء على حبلى إجهاضاً، عد ذلك ظرفاً مشدداً "، ومن ثم للمحكمة مضاعفة الحد الأقصى للحبس، ومضاعفة الحد الأقصى للغرامة ، أو استبدالها بالحبس ، وذلك إعمالاً لنص المادة 103 /أ و ب عقوبات اتحادي ( ) .

ثالثاً : إفضاء فعل الاعتداء إلى عاهة مستديمة :
نصت على هذا المادة 337 من قانون العقوبات الاتحادي بقولها : " يعاقـب بالسجن مدة لاتزيد على سبع سنين من أحدث بغيره عمداً عاهة مستديمة .
وإذا توافر أحد الظروف المبينة في الفقرة الثانية من المادة (332) عد ذلك ظرفاً مشددا .
وتتوفر العاهة المستديمة إذا أدت الإصابة إلى قطع أو انفصال عضو أو بتر جزء منه أو فقد منفعته أو نقصها أو تعطيل وظيفة إحدى الحواس تعطلاً كليا أو جزئيا بصورة دائمة .
ويعتبر في حكم العاهة كل تشويه جسيم لايحتمل زواله " .
كما ورد النص على هذا الظرف في المادة 338 عقوبات اتحادي حيث قضت بأنه : " يعاقب بالسجن مدة لاتزيد على خمسة سنوات من اعتدى على سلامة جسم غيره بأية وسيلة وأفضى الاعتداء إلى عاهة مستديمة دون أن يقصد إحداثها وتكون العقوبة السجن مدة لاتزيد على عشر سنوات إذا توافر أحد الظروف المبينة في الفقرة الثانية من المادة (332) ، أو كان الجاني تحت تأثير حالـة سكـر أو تخدير ، وذلك مع عدم الإخلال بحكم المادتين (60 ، 61) " ( ) .
ويتضح من تحليل النصين المذكورين أن هذه الجناية لاتقوم إلا إذا صدر عن الجاني فعل اعتداء على سلامة جسم المجني عليه، وقد يتخذ صورة الضرب أو الجرح أو إعطاء مادة ضارة أو غيره من أفعال الإيذاء، وأن تترتب نتيجة معينة هي نشوء عاهة مستديمة، وأن تتوافر علاقة السببية بين الفعل والعاهة، بحيث يكون الفعل سببا للعاهة. كما يلزم توافر القصد الجنائي المتمثل في تعمد الإيذاء البدني، دون أن يتوافر للجاني قصد إحداث العاهة، فيفضي إليها سلوكه الإجرامي فيخضع لحكم المادة 338 المشار إليها، أو يتعمد إحداث العاهة للمجني عليه فتنطبق عليه المادة 337 المذكورة.

1- ماهية العاهة المستديمة :
لم يرد في القانون تعريف للعاهة المستديمة ، غير أنه ذكر بعض الأمثلة لها مثل " قطع أو انفصال عضو أو بتر جزء منه أو فقد منفعته أو تعطيل وظيفة إحدى الحواس ... ". وقد ذكرت محكمة النقض المصرية في تعريفها للعاهة أنها " يتحقق وجودها بفقد أحد الأعضاء أو أحد أجزائه، وبكل مامن شأنه نقص قوة أحد الأعضاء أو أحد الأجزاء أو تقليل قوة مقاومته الطبيعية "( ) . ومن ثم فإن العاهة تتحقق متى فقد الجسم القدرة على أداء إحدى وظائفه الطبيعية ، فقد كليات أو جزئياً لا يرجى شفاؤه، أو إصابته بتشويه جسيم لا يحتمل زواله.
وبذلك تتوافر العاهة المستديمة بفقد الجسم عضوا من أعضائه، أو بفقد منفعة هذا العضو، أو بفقد حاسة من الحواس فقدا كليا أو جزئيا وبصفة دائمة، وألحق المشرع الإماراتي بذلك التشويه الجسيم الذي يصيب الجسم ولا يحتمل زواله( ).
وتتميز العاهة باستدامتها، أي استمرارها مع المجني عليه مدى الحياة، أي عدم قابليتها للشفاء. ولا تنتفي العاهة بإمكان تعويض المجني عليه عن العضو التالف أو المنفعة التي فقدها الجاني ببديل صناعي يؤدي وظيفة العضو كاملة كالنظارة الطبية والعدسة اللاصقة، والأذن الصناعية والذراع الصناعية، وفي ذلك قررت محكمة النقض المصرية أنه : " لا ينفي العاهة إمكان الاستعاضة عن الأذن الطبيعية بأخرى صناعية تؤدي وظيفتها تماما، ذلك لأن تدخل العلم للتخفيف من آثار العاهة ليس من شأنه أن ينفي وجودها كلية " ( ) .
وقد اتجه القضاء في كل من مصر والكويت ( ) إلى عدم اعتبار فقد الأسنان عاهة مستديمة على أساس أنها ليست من أعضاء الجسم ، وأن فقدها لايقلل من منفعة الفم بصفة دائمة ، لإمكان الاستعاضة عنها بأسنان صناعية تؤدي وظيفتها .
وقد انتقد هذا الاتجاه بأن إمكان الاستعاضة عن الأسنان الطبيعية بأخرى صناعية ليس من شأنه أن ينفي حدوث العاهة ، لأن الأسنان الصناعية لاتؤدي وظيفة الأسنان الطبيعية تماما ، وعلى اعتبار أن الأسنان من أعضاء الجسم ، ولا تنتفي عنها هذه الصفة لكون الإنسان لا يولد بها ، بل تظهر بعد ولادته وتتغير بعد بلوغه سنا معيناً ( ) .
ولقد تبنى القضاء الإماراتي هذا الرأي حيث قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه : " لما كان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه شايع محكمة أول درجة فيما ذهبت إليه من أن الواقعة تكون في صحيح القانون الجنحة المنصوص عليها في المادة 339/2 من قانون العقوبات باعتبار أن فقد الأسنان لايعدّ عاهة مستديمة ، لما كان ذلك وكانت الحقائق العليمة المسلم بها في الطب الحديث تفيد أن فقد الأسنان يسبب خللاً وظيفياً لايمكن تعويضه إلا باستعمال أجهزة تعويضية لن تعوض الإنسان عن الأسنان الطبيعية لأن من يستعمل أسناناً صناعية لا يقوى على كل ما كانت تقوى عليه الأسنان الطبيعية ناهيك عن أثرها على مخارج الألفاظ والجهاز الهضمي الذي غالبا ما يتأثر بسوء المضغ وما ينشأ عن ذلك من عواقب على تغذية الإنسان، وكان الحكم المطعون فيه قد طرح تقدير الطبيب الشرعي الذي انتهى بحق إلى أن فقد الأسنان يعد عاهة مستديمة وقدرها بنسبة معينة اكتفاء بما قاله الحكم من أنها لاتعد كذلك ، فإن المحكمة تكون قد أحلت نفسها محل الخبير الفني في مسألة فنيـة بحتـة وهـو مالا تملكه ومن ثمَّ يكون حكمها معيباً مما يتعين معه نقضه "( ) .
وتعد العاهة متحققة إذا فقد الجسم عضوا بأكمله، يستوي أن يكون خارجيا مثل الساق أو الذراع أو العين أو اليد، أو داخليا مثل الكلية أو الرئة. وتقوم العاهة كذلك إذا فقد المجني عليه جزءاً من العضو، لما يترتب عليه من نقص في منفعة العضو وتقليل من قدرته على أداء وظيفته مثل فقد إصبع من يد، أو قطع صوان الأذن، أو جزء من عظام الجمجمة. بل إن العاهة تتحقق وإن لم يفقد المجني عليه العضو أو جزء منه ، وإنما حدث عجز في أداء العضو لوظيفته مع بقائه متصلاً بالجسم ، مثل العجز الدائم عن تحريك أصابع اليد أو الساق . وفي ذلك قررت المحكمة الاتحادية العليا تحقق الاعتداء المفضي إلى عاهة مستديمة حيث قضت : "لما كان ذلك وكان الثابت من أوراق الملف أن المحكمة المطعون في حكمها أدانت الطاعن بالتهمة التي وجهتها إليه النيابة العامة من أنه اعتدى على سلامة جسم المجني عليها فسبب ذلك الاعتداء لها عاهة مستديمة وهو الفعل المعاقب عليه طبقاً للمادة 338 من قانون العقوبات الاتحادي وذلك على سند من أن المتهم اعترف أمام المحكمة أنه أمسك بيد المجني عليها ثم سقطت بعد ذلك، وأن الشاهد شهد بأن المتهم أمسك بإحدى يدي المجني عليها فسقطت على الأرض، وأن التقرير الطبي أثبت أن نسبة العجز الدائم الذي أصاب المجني عليها نتيجة لسقوطها على الأرض هو 12% من أصابع يدها اليمنى. واستنتجت المحكمة من هذه الأدلة بما لها من سلطة في تقديرها، ثبوت اعتداء الطاعن على سلامة جسم المجني عليها عمدا وإن كان لم يقصد حدوث العاهة المستديمة التي حصلت لها طالما كان الاعتداء هو السبب في حدوثها، وعليه فإن المادة التي تنطبق على الواقعة هي المادة 338 من قانون العقوبات الاتحادي .... ومن ثم فإن قضاءها يكون قد جاء متفقا مع الفهم الصحيح للقانون " ( ) .
وقضت في حكم آخر لها أنه " : وحيث أن وقائع القضية تتلخص حسبما يتبين من تصفح وثائق الملف ومستنداته أن النيابة العامة اتهمت الطاعنين بأنهما بتاريخ 8 و 9/8/2000 بدائرة أم القيوين اعتديا على سلامة جسم ...... فأحدثا به الإصابات المبينة بالتقرير الطبي والتي أفضت إلى إحداث عاهة مستديمة به دون أن يقصد إحداثها ...... ومن الرجوع إلى أسباب الحكم المطعون فيه يتبين أن محكمة الاستئناف تبنت أسباب حكم محكمة البداية المؤيد من قبلها ...... فأوضحت أنه أصيب بجرح نافذ بالقرنية بالعين اليسرى وجرحة سطحية بالقرنية بالعين اليمنى وأجريت لـه عملية بالعين اليسرى وغادر المستشفى بتاريخ 6/8/2000 ونتج عن الإصابة بهذه العين ضعف بقدرة الإبصار 18/6 مع وجود عاهة بالقرنية وتقدر نسبة الضعف بالإبصار عن هذه العاهة الدائمة بـ 40% .
وبذلك تكون قد ركزت حكمها على أسباب وافية سليمة ويكون ماجاء في هذا النعي لايعدو أن يكون مجرد تشكيك في صحة الواقعة التي اطمأنت إليها محكمة الموضوع وهو مالا يجوز إثارته أمام حكمة النقض "( ) .
وتتحقق العاهة المستديمة لفقد حاسة من الحواس فقدا كليا أو جزئيا مثل حاسة البصر أو السمع أو النطق. وتتحقق العاهة أيضا بفقد منفعة العضو، وعندئذ لاعبرة بنسبة النقص التي حدثت في منفعة العضو، فيستوي أن تكون هذه النسبة بسيطة أو كبيرة متى كان فقد المنفعة دائما. ويكفي لتوافر العاهة إثبات أن منفعة العضو قد فقدت، يستوي في ذلك أن يكون الفقد كليا أو جزئيا، من ذلك النقص في قوة إبصار إحدى العينين. ولا تنتفي العاهة بتعذر تقدير العاهة المستديمة بنسبة مئوية، وفي ذلك قضي بأنه : "إذا كانت عين المجني عليه ضعيفة الإبصار قبل الاعتداء والإصابة، وكان بها عتمات، وأنها فقدت الإبصار كلية على إثر الإصابة، فإن ذلك يكفي لتوافر ركن العاهة المستديمة قانونا، ولو لم يتيسر تحديد قوة الإبصار قبل الإصابة " ( ) .
وقد ألحق المشرع الاتحادي التشويه الجسيم الذي يصيب الجسم بصفة دائمة بالعاهة المستديمة ، حيث نصت المادة 337/4 عقوبات اتحادي على انه: " ويعتبر في حكم العاهة كل تشويه جسيم لايحتمل زواله " ، وبذلك إذا أفضى فعل الاعتداء إلى إصابة جسم المجني عليه بتشويه جسيم لايحتمل زواله ، فذلك يعد في حكم العاهة المستديمة ويرتب ذات الآثار من حيث المسئولية والجزاء . ومثال ذلك استخدام أداة حادة في إحداث جرح غائر في وجه امرأة ، وقذف مادة حارقة على جسد شخص مما يصيبه بتشويه جسيم في الوجه وأجزاء أخرى من جسمه .
ويشترط لاعتبار التشويه الذي يصيب الجسم في حكم العاهة فيلحق بها من حيث الأثر ، أن يبلغ قدرا من الجسامة ، وأن يثبت عدم إمكان زواله مستقبلاً ، أي استمرار وجوده في جسد المجني عليه بصورة دائمة . ويترك تقدير ذلك كله لقاضي الموضوع الذي يستعين في بحث هذه المسائل بالخبرة الفنية للأطباء ، وذلك لاعتبار التشويه المحقق في حكم العاهة المستديمة أو انتفائه .

2-توافر علاقة السببية بين فعل الاعتداء والعاهة المستديمة:
يلزم لقيام المسئولية الجنائية عن العاهة المتحققة ، اكتمال عناصر الركن المادي بارتباط فعل الاعتداء بالعاهة المستديمة ، ارتباط السبب بالمسبب. وتعتبر علاقة السببية قائمة بين الاعتداء والعاهة ولو ساهمت في إحداثها إلى جانب الفعل الإجرامي عوامل أخرى، مادامت هذه العوامل مألوفة ومتوقعة . فإذا تدخل إلى جانب فعل الاعتداء عامل شاذ غير متوقع، كخطأ الطبيب الجسيم ، أو تعمد المجني عليه عدم تلقي العلاج اللازم لتسويء مركز المتهم ، فإن علاقة السببية تنقطع بين فعل الاعتداء والعاهة، فتعزى النتيجة إلى العامل الشاذ ، ويسأل المتهم عن النتائج التي حققها بسلوكه قبل تدخل العامل الشاذ .
ولا يشترط لتوافر علاقة السببية أن تحدث العاهة المستديمة من فعل الجاني مباشرة ، فيظل فعل الاعتداء سببا للنتيجة وإن توسط بينهما عامل آخر، مادام هذا العامل مألوفا، ومن ذلك أن تترتب العاهة عن عملية جراحية كانت ضرورية لإنقاذ حياة المجني عليه ، أو وقايته من أضرار صحية جسيمة.
وتقدير توافر علاقة السببية مسألة موضوعية ينفرد قاضي الموضوع ببحثها ، ومتى فصل فيها إثباتا أو نفيا ، فلا رقابة لمحكمة النقض عليه مادام قد أقام قضاءه على أسباب تؤدي إلى ما انتهى إليه .



3- القصد الجنائي :
يلزم لقيام جناية الاعتداء على سلامة الجسم الذي تنتج عنه العاهة المستديمة توافر القصد الجنائي ، على انه يتعين التمييز بين الاعتداء المفضي إلى العاهة، والاعتداء بقصد إحداث العاهة .
أ – فـي جريمـة الاعتداء البدني المفضي إلى عاهـة مستديمـة المنصوص عليها في المادة 338 عقوبات اتحادي ، يتطلب القانون توافر القصد الجنائي كون الجريمة عمدية ، وهو ذات القصد الواجب توافره في جريمة الاعتداء في صورتها البسيطة ، أي اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل الاعتداء على السلامة البدنية ، مع علمه بأن من شأن فعله المساس بسلامة جسم المجني عليه والإضرار بصحته . فلا يلزم أن تنصرف إرادة الجاني إلى إحداث العاهة ، ولا أن يكون قد توقع احتمال حصولها كنتيجة لفعله وقبل هذا الاحتمال ، لأن الجاني لا يسأل عن العاهة على أساس أنه تعمدها بل على أساس أنها نتيجة محتملة لفعل الاعتداء الذي وقع منه ، وكان باستطاعته ومن واجبه أن يتوقعها .
ولما كانت هذه الجريمة متعدية القصد فإنه لايتصور الشروع فيها ، لأن العاهة غير مقصودة بذاتها من ارتكاب الجاني لسلوكه الإجرامي .
ب – وأما في جريمة إحداث العاهة المستديمة المنصوص عليها في المادة 337 عقوبات اتحادي، فإن الجاني تتجه إرادته إلى ارتكاب فعل الاعتداء متوقعا حدوث العاهة كأثر لفعله، ويوجه إرادته إلى تحقيق هذه النتيجة.
فإذا توافر لدى المتهم قصد إحداث العاهة المستديمة ابتداء، وأتى أفعال الاعتداء على جسد المجني عليه مريدا تحقيق العاهة، فإذا انتفت العاهة لسبب لادخل لإرادة الجاني فيه، كمقاومة المجني عليه، يسأل المتهم عن شروع في جريمة إحداث العاهة المستديمة باعتبار أن الشروع فيها يخضع للعقاب، لأن الجريمة جناية ولا تحتاج إلى نص خاص لمعاقبة الشروع.

4- حكم تعدد الجناة :
في حالة تعدد الجناة الذين ارتكبوا فعل الاعتداء البدني الذي نتجت عنه العاهة المستديمة ، فإن مناط تحديد المسئولية الجنائية لأي منهم هو وجود أو انتفاء الاتفاق أو التفاهم السابق بينهم .
فإذا وجد اتفاق سابق بين الجناة المتعددين يسأل كل واحد منهم عن العاهة التي لحقت بالمجني عليه، وإن تعذر تحديد مرتكب الضربة التي حققت العاهة، أو كانت قد تخلفت عن فعل أحدهم فقط، على أساس أن الثابت يقينا في حق كل منهم أنه شريك مع محدث العاهة .
أما إذا انعدم الاتفاق تكون مسئولية كل منهم بحسب ما وقع منه، فتتحدد مسئوليته بالإصابات التي أحدثها بالمجني عليه، وعليه لا يسأل عن العاهة إلا من أحدثها متى أمكن تحديده، ويسأل الباقون عن إيذاء بدني بسيط . فإذا تعذر تحديد صاحب الفعل الذي حقق العاهة ، تعين مساءلة الجناة عن القدر المتيقن في حق كل منهم وهو الاعتداء البسيط .
5- العقوبـة :
بمقتضى المادة 338 عقوبات اتحادي يعاقب المشرع الاتحادي على جناية الاعتداء العمدي على سلامة الجسم المفضي إلى عاهة مستديمة بالسجن مدة لاتزيد على خمس سنوات ، وتشدد العقوبات بحيث يصل الحد الأقصى للسجن إلى عشر سنوات ، إذا توافر أحد الظروف المبينة في المادة 332/2 ، أو كان الجاني تحت تأثير حالة سكر أو تخدير، وذلك دون الإخلال بحكم المادتين 60 و 61 عقوبات اتحادي( ).
ويعاقب القانون بمقتضى المادة 337/1 عقوبات اتحادي على الاعتداء على سلامة الجسم بقصد إحداث العاهة المستديمة بالسجن الذي لايزيد على سبع سنوات، فإذا توافر أحد الظروف المبينة في المادة 332/2 عقوبات عدّ ذلك ظرفاً مشدداً .
ويتعين الإشارة إلى أن الظروف المبينة في المادة 332/2 المشار إليها هي :
1- الاعتداء المقترن بسبق الإصرار أو الترصد .
2- اقتران الاعتداء أو ارتباطه بجريمة أخرى .
3- الاعتداء الواقع على أحد أصول المجني عليه .
4- الاعتداء الواقع على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته أو خدمته .
5- الاعتداء المستخدم فيه مادة سامة أو مفرقعة .
وإعمالا لنص المادة 341/2 عقوبات اتحادي يعد ظرفا مشددا للعقوبة إذا تم ارتكاب الاعتداء بقصد إحداث العاهة المستديمة أو أفضى الاعتداء إلى العاهة أثناء الحرب على الجرحى ولو من الأعداء ( ) .
فإذا وقع الاعتداء بقصد إحداث العاهة وتوافر ظرف من الظروف المنصوص عليها في المادة 332/2 عقوبات اتحادي ، أو على جريح حرب أثناء الحرب ، يتم تشديد العقوبة بتطبيق المادة 103 بند (ب) عقوبات اتحادي والتي تنص على أنه : "إذا كانت العقوبة المقررة أصلا للجريمة هي السجن الذي يقل حده الأقصى عن خمس عشرة سنة جاز الوصول بالعقوبة إلى هذا الحد " .

رابعاً : إفضاء الاعتداء إلى الموت :
نصت على هذا الظرف المشدد المادة 336 من قانون العقوبات الاتحادي التي تقرر أن " يعاقب بالسجن مدة لاتزيد على عشر سنين من اعتدى على سلامة جسم غيره بأية وسيلة ولم يقصد من ذلك قتله ولكنه أفضى إلى الموت .
وإذا توافر أحد الظروف المبينة في الفقرة الثانية من المادة 332 عدّ ذلك ظرفاً مشدداً .
ويعد ظرفاً مشدداً كذلك وقوع الفعل من الجاني تحت تأثير حالة سكر أو تخدير ، وذلك مع عدم الإخلال بحكم المادتين (60 ، 61) ".
ويتضح من هذا النص أن الجاني يأتي فعلاً يريد به المساس بسلامة جسم المجني عليه ، غير أن النتيجة الإجرامية تتجاوز قصده ، فتحدث الوفاة غير المقصودة وبذلك يتخذ الأذى البدني الذي يترتب على فعل الاعتداء أقصى درجات الجسامة ، حيث يؤدي إلى إزهاق روح المجني عليه وإن لم يقصد الجاني تحقيق هذه النتيجة .
وعليه يعد الضرب المفضي إلى الموت صورة من صور المسؤولية عن النتيجة المتعدية القصد ، وهذا هو الذي يبرر تخفيف العقاب في هذه الجريمة قياساً على عقوبة جريمة القتل العمدي التي يقصد فيها الجاني تحقيق الوفاة .

1 - أركان الجريمة :
يشترط لقيام جناية الضرب المفضي إلى الموت توافر ركنين : الركن المادي ويتكون من فعل الاعتداء على سلامة الجسم ، ونتيجة محددة هي وفاة المجني عليه ، وارتباط الفعل بهذه النتيجة بعلاقة سببية . والركن المعنوي قوامه اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل الاعتداء قاصدا المساس بالسلامة الجسدية ، دون تعمد تحقيق الوفاة.

أ - الركن المادي :
يتكون الركن المادي في هذه الجريمة من عناصر ثلاثة هي :
1 - فعل الاعتداء :
يلزم لقيام هذه الجريمة أن يرتكب الجاني فعل من أفعال المساس بسلامة الجسم أو صحته كالضرب أو الجرح أو إعطاء المواد الضارة أو الإيذاء ، ولم يتطلب المشرع في فعل الاعتداء المفضي إلى الموت درجة معينة من الجسامة تكفي لموت الشخص المعتاد ، وإنما العبرة بكون الوفاة جاءت نتيجة لفعل الاعتداء .
ومن صور هذا الاعتداء تعمد الجاني كتم فم المجني عليها أثناء مواقعتها لمنعها من الاستغاثة ، ووافتها نتيجة لذلك ، وقيام الجاني بالاعتداء على المجني عليه ضرباً بعصا غليظة قاصداً إيذاءه بدنياً ، فأحدث به إصابات أودت بحياته ، ومن ذلك أيضاً الضغط على عنق شخص إلى أن يموت مختنقاً دون توافر قصد القتل .
ب - النتيجة الإجرامية :
تتمثل النتيجة الإجرامية في هذه الجريمة في وفاة المجني عليه ، وهي ذات النتيجة التي يجرمها القانون في القتل ، ويستوي أن تتحقق الوفاة فور ارتكاب الفعل أو أن تتراخى زمناً طال أم قصر مادامت علاقة السببية بينهما قائمة ، وفي ذلك قضى بأن " مضي زمن بين الحادثة والوفاة لا يزحزح المسؤولية الجنائية عن متهم متى ثبت وفاة المجني عليه كانت نتيجة الإصابة الواقعة منه " .
ويتعين تحقيق الوفاة فعلاً ، فإذا تخلفت هذه النتيجة انتفت تبعاً لذلك جناية الاعتداء المفضي إلى لموت وإن كان من شأن الاعتداء إحداث الوفاة كما لو اعتدى المتهم على المجني عليه فأحدث به إصابات جسيمة يحتمل أن تؤدي إلى الوفاة، لكن المجني عليه أسعف بالعلاج فانتفت وفاته ، يسأل المتهم عن فعله بحسب النتيجة الإجرامية التي تحققت فعلياً .
ولما كان جوهر هذه الجريمة هو اتجاه قصد الجاني إلى المساس بسلامة جسم المجني عليه ، فتتحقق الوفاة كأثر لفعله متجاوزة قصده ، فإن انتفاء هذه النتيجة لا يقيم المسؤولية عن شروع في جناية ا لضرب المفضي إلى الموت ، لأن قصد ارتكاب الجريمة تامة وتحقيق النتيجة ركن من أركان الشروع ، وهو مالا يتوافر في جريمة الضرب المفضي إلى الموت حيث الوفاة غير مقصودة من الجاني .
ج - علاقة السببية :
يتعين أن يتصل فعل الاعتداء بالوفاة برابطة سببية ، ويتم تحديد توافرها أو انتفائها بمعيار السببية الملائمة ، فيكون فعل الجاني هو سبب وفاة المجني عليه إذا كانت العوامل الأخرى التي ساهمت معه في تحقيقها مألوفة ومتوقعة ، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة تمييز دبي بأنه " وشهد الطبيب الشرعي بمضمون ما جاء بتقريره وأن الأداة الصلبة الراضة التي أصيب بها المجني عليه هي عصا غليظة وهو ما يؤدي إلى ماخلص إليه الحكم المطعون فيه من وفاة المجني عليه نتيجة اعتداء الطاعن عليه وتوافر علاقة السببية بين فعل الطاعن ووفاة المجني عليه ويحقق بالتالي مسؤليته عن النتيجة التي كان عليه أن يتوقعها لما هو مقرر أن الجاني في جريمة الضرب العمد يكون مسؤولا عن جميع النتائج المحتمل حصولها نتيجة سلوكه الإجرامي ولـو كانت عن طريق غير مباشر ما لم تتدخل عوامل أخـرى غـير مألوفة
تقطع السببية بين فعله وبين النتيجة أما الإهمال في العلاج أو التراخي فيه بغرض حدوثه لا يقطع رابطة السببية مالم يثبت أنه كان متعمداُ لتجسيم المسؤولية " ( ) .
وتنتفي علاقة السببية بين فعل الاعتداء والوفاة إذا تدخلت إلى جانب فعل الجاني عوامل أخرى شاذة غير متوقعة ، حيث تقطع رابطة السببية بين الفعل والوفاة ، وتعزي النتيجة إلى هذه العوامل غير المألوفة .وفي ذلك قضى بأنه " لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية المكونة لجريمة الضرب المفضي إلى الموت التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة لها أصلها الصحيح في الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها وما خلص منها إلى مسؤولية الطاعن عن وفاة المجني عليه باعتبارها نتيجة محتملة لسلوكه الإجرامي ، وأنه لم تتدخل عوامل أجنبية غير مألوفة تقطع رابطة السببية بين فعله وبين هذه النتيجة " ( ) .
ومن أمثلة العوامل الشاذة تعمد المجني عليه عدم علاج نفسه لتجسيم مسؤولية الجاني ( ). وخطأ الطبيب الجسيم .
وإن انتفاء علاقة السببية بين فعل الجاني والوفاة المتحققة بسبب تدخل عوامل غير متوقعة ، لايعني انتفاء مسؤولية المتهم مطلقاً بل يسأل عن النتائج التي حققها فعله مساساً بسلامة جسم المجني عليه قبل تدخل العوامل الشاذة .
والثابت قضاء "أن رابطة السببية بين الإصابة والوفاة في جريمة الضرب المفضي إلى الموت من الأمور الموضوعية البحتة التي تخضع لتقدير قاضي الموضوع، ومتى فصل في شأنها إثباتاً أو نفياً فلا رقابة لمحكمة التمييز عليه مادام قد أقام قضاءه في ذلك على أسباب سائغة تحمله"( ).

ب - الركن المعنوي :
القصد الجنائي في جريمة الاعتداء المفضي إلى الموت هو ذاته القصد الذي يتطلبه القانون في جريمة الاعتداء العمدي على سلامة الجسم، وليس قصد إحداث الوفاة ، وإلا كانت الجريمة قتلاً عمداً وليست ضرباً أفضى إلى الموت .
ويقوم القصد الجنائي في هذه الجريمة على العلم وإرادة إحداث الإيذاء البدني يستوي في ذلك أن يكون المساس بالسلامة البدنية الذي اتجهت إليه الإرادة يسيراً أو جسيماً .
وعليه فالقصد الذي يتطلبه القانون في هذه الجريمة هو القصد العام أي تعمد الاعتداء الذي نشأ عنه الموت ، فيسأل الجاني عليه باعتباره نتيجة محتملة لفعله كان باستطاعته ومن واجبه توقعها .
فإذا لم يتعمد الجاني إتيان فعل الاعتداء ، كمن يعطي دواء لشخص معتقداً فاعليته في تخفيف آلامه، وإذا به يموت من جراء تناوله ، فلا تقوم المسؤولية عن اعتداء على سلامة الجسم أفضى إلى الموت وإن جازت مساءلته عن قتل غير عمدي إذا أمكن ثبات الإهمال في جانبه .
ويتعين الإشارة إلى أن قيام هذه الجريمة يتطلب عدم اتجاه قصد الجاني إلى قتل المجني عليه لافي صورة قصد مباشر ولا احتمالي ، فإذا توافر هذا القصد يكون ما وقع من الجاني قتلاً عمداً .أو شروعاً فيه إذا انتفت الوفاة لسبب خارج عن إرادة الجاني ، وقضى في ذلك أنه : " وحيث أنه لما تقدم فإنه يكون قد ثبت في عقيدة المحكمة ويقينها أن المستأنف في الزمان والمكان سالفي الذكر أحدث عمداً بالمجني عليه الإصابات المبينة بالتقرير الطبي ولم يكن يقصد من ذلك قتلاً ولكن أفضت هذه الإصابات إلى موته ".

2 - حكم تعدد الجناة :
قد يحدث أن يشترك أكثر من شخص في جريمة الاعتداء المفضي إلى الموت، ولتحديد مسؤولية كل من الجناة الذين اشتركوا في هذه الجريمة يلزم التفرقة بين وجود الاتفاق بينهم أو انعدامه .
فإذا كان بين الجناة اتفاق سابق على الاعتداء فإنهم يسألون جميعاً عن الاعتداء المفضي إلى الموت، أما إذا انعدم الاتفاق بينهم، فإن كل واحد منهم يسأل عن نتيجة فعله ، وعليه يسأل عن الوفاة محدثها إن أمكن تحديده ، فإذا تعذر تعيين مرتكب فعل الاعتداء الذي أفضى إلى الموت فإنه يسأل كل من الجناة عن جنحة الإيذاء البدني البسيط .
وفي هذا الخصوص قضت محكمة تمييز دبي بأنه " هذا وأن الحكم المطعون فيه قد دان الطاعن والمتهم الآخر عن جريمة الضرب الذي أفضى إلى موت المجني عليه، دون أن يثبت من واقع الأوراق ، وما حوته من شهادة الشهود أن ثمة اتفاق قد تم بين الطاعن والمتهم الآخر على إحداث الضرب أو الجرح بالمجني عليه ، في حين أن الفاعلين في هذه الجريمة عند تعددهم لا يسألون عنها إلا إذا ثبت اتفاقهم على فعل التعدي وإلا فلا يسأل عنها إلا من أحدث الجرح الذي أدى الوفاة فإذا تعذر تحديده، فلا يسأل كل منهم إلا عن جنحة الضرب البسيط " .

3 - العقوبة :
متى توافرت أركان جريمة الاعتداء المفضي إلى الموت عوقب الجاني طبقاً لنص المادة 336 عقوبات اتحادي بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين.
وتشدد العقوبة إذا وقع ارتكبت هذه الجريمة واقترنت بظرف من الظروف المشددة المنصوص عليها في المادة 332 عقوبات اتحادي، وقد سبق تناولها بالتفصيل اللازم عند تعرضنا لجرائم القتل العمد المشدد، وتطبيقاً لنص المادة 103 بند (ج) من قانون العقوبات الاتحادي يجوز الوصول بالعقوبة إلى خمس عشرة سنة .
وتشدد العقوبة أيضاً إذا وقع فعل الاعتداء المفضي إلى الموت أثناء الحرب على الجرحى ولو من الأعداء ، وذلك تطبيقاً لنص المادة 341/2عقوبات اتحادي.
وقد نصت الفقرة الثالثة من المادة 336 عقوبات اتحادي على أنه يعد ظرفاً مشدداً كذلك وقوع الفعل من الجاني تحت تأثير حالة سكر أو تخدير، وذلك مع عدم الإخلال بحكم المادتين (61 –62)، ومفاد ذلك أن الجاني الذي يرتكب جناية الاعتداء المفضي إلى الموت وهو فاقد الإدراك والإرادة بسبب تناولـه مواد مسكرة أو مخدرة باختياره وعن علم بماهيتها، يسأل عن الجريمة مسؤولية كاملة كما لو كان متمتعاً بالوعي والإدراك بل وتشدد عقوبته في هذه الصورة بحيث يجوز الوصول بالسجن إلى خمس عشرة سنة.
ويقتضي عدم الإخلال بالمادة (61) عقوبات اتحادي تشديد العقوبة، إذا كان تناول المواد المسكرة أو المخدرة بغية ارتكاب جريمة الاعتداء على السلامة البدنية الذي أفضى إلي الموت ، وتكمن علة التشديد هنا في أن الجاني كشف بهذا السلوك عن خطورة إجرامية ، حيث ساهم إرادياً في فقد الوعي والإدراك ليستمد الجرأة والإقدام لتحقيق الجريمة . ويتمثل التشديد في جواز الوصول بالسجن إلى مدة قدرها خمس عشرة سنة بدلاً من العقوبة المقررة أصلاً لجريمة الاعتداء المفضي إلى الموت وهي السجن لمدة عشر سنوات .

الفرع الثاني : ظروف التشديد الأخرى :
أولاً : التوافق على التعدي والإيذاء من عصبة .

1- علة التشديد :.
يقرر نص المادة 341/1 عقوبات اتحادي صورة خاصة من المسؤولية الجماعية حيث يتم تشديد العقاب بالنسبة لأشخاص ليست لهم صفة الفاعلين أو الشركاء طبقاً لحكم القواعد العامة ، وذلك لانعدام الاتفاق بينهم، فكل ما ينسب إليهم أنهم يشكلون عصبة من الأفراد توافقوا على التعدي والإيذاء ، وقد يصدر الاعتداء من بعضهم دون البعض الآخر، وعندئذ تقتضي القواعد العامة مساءلة من ارتكب فعل التعدي فقط، وعدم مساءلة من لم يصدر منه ذلك الفعل لانعدام صفة الفاعل أو الشريك فيه، غير أنه وبسبب عدد أفراد العصبة قد توجد صعوبات عملية تحول دون تحديد مرتكبي أفعال الاعتداء بدقة ، وهي صعوبات قد تؤدي إلى إفلاتهم جميعاً من العقاب، لذلك خرج المشرع الاتحادي عن حكم القواعد العامة وقرر مسؤولية جميع أفراد العصبة عن الاعتداء الذي تحقق وتوقع عليهم عقوبة مشددة بغض النظر عن من ارتكب فعل الاعتداء من عدمه.
ومما يبرر تشديد العقوبة أيضاً في هذه الصورة ، أن وقوع الاعتداء من عصبة باستعمال أسلحة أو عصى أو آلات أخرى من شأنه أن يعضد الجناة ويغريهم على التمادي في الاعتداء في الوقت الذي يضعف مركز المجني عليه ويثبط من عزيمته في الدفاع عن نفسه.

2 - عناصر التشديد :
أ - وقوع جريمة من جرائم الاعتداء على سلامة الجسم ، وهي الاعتداء المفضي إلى الموت الاعتداء بقصد إحداث العاهة ، الاعتداء المفضي إلى العاهة ، الاعتداء المفضي إلى المرض أو عجز عن الأعمال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يوماً ، الاعتداء العمدي البسيط ، والاعتداء المفضي إلى الإجهاض .
ب - وقوع الاعتداء من أفراد عصبة :
استلزم المشرع الاتحادي وقوع الاعتداء من واحد أو أكثر من أفراد عصبة مؤلفة من خمسة أشخاص على الأقل. والعصبة هي مجموعة من الأشخاص تجمعوا في مكان معين لتحقيق هدف محدد ، يستوي أن يكون المكان عاماً أو خاصاً .
ويشترط أن يكون عدد أفراد العصبة خمسة أشخاص على الأقل فإن قل عددهم عن خمسة فلا ينطبق الظرف المشدد الوارد في المادة 341/1 عقوبات اتحادي، بل يسأل عن الجريمة المتحققة وفق نتيجتها من ساهم فيها بصفته فاعلاً فيها أو شريكاً دون غيره( ) .
ويستفاد من نص المادة 341/1 المشار إليها أنه لا يلزم لتوافر الظرف المشدد أن يرتكب الاعتداء كل أفراد العصبة، بل يكفي أن يرتكبه "واحد أو أكثر " منهم وأن تعذر تحديد شخصيته، فالعقوبة المشددة تطال كل من كان موجوداً في العصبة ، ولو لم يصدر منه شخصيا أي فعل من أفعال الاعتداء .
ج- التوافق على التعدي والإيذاء :
يراد بالتوافق اتجاه الإرادات إلى غرض إجرامي واحد دون أن يحدث بينهما تفاهم سابق، وقد عرفته محكمة النقض المصرية بأنه " قيام فكرة الإجرام بعينها عند كل من المتهمين، أي توارد خواطرهم على الإجرام واتجاه خاطر كل منهم اتجاها ذاتياً إلى ما تتجه إليه خواطر سائر أهل فريقه من تعمد إيقاع الأذى بالمجني عليه " ( ) .
ومن ثم يختلف التوافق عن الاتفاق الذي يقتضي تلاقي الإرادات وانعقاد العزم على ارتكاب الفعل الإجرامي( ) ، وبذلك فهو صورة من الاشتراك بالتسبب في الجريمة .
ويكفي لتوافر الظرف المشدد توارد خواطر المتهمين على ارتكاب الجريمة، واتجاه كل منهم ذاتياً لتنفيذها، دون اشتراط الاتفاق أو التفاهم السابق بينهم على التعدي والإيذاء، وعليه يعد متوافقاً من ينضم إلى مشاجرة بين فريقين لنصرة أحدهما على الآخر ، ومن ينضم إلى مظاهرة تعقبها أعمال شغب ترتكب فيها أفعال اعتداء على السلامة الجسدية .
وينتفي التوافق فلا ينطبق نص المادة 341/1 عقوبات اتحادي بالنسبة للشخص الذي يقترب من المظاهرة وأعمال العنف التي صاحبتها لإشباع فضوله والاطلاع على سيرها ومآلها ، وكذلك من يقترب من المشاجرة قاصداً الإسهام في فضها .
ويمتد نطاق المسؤولية الجنائية ليشمل كل الذين تواردت خواطرهم على التعدي والإيذاء، فالعقاب يتجه إلى الفكرة الإجرامية الموحدة التي اجتذبت إرادة المجتمعين دون أن يكون بينهم اتفاق أو سبق إصرار على ذلك.
وبتحقق هذا الشرط يصبح كل فرد في العصبة مسؤولا عن أفعال التعدي والإيذاء التي تحققت وإن لم يقع الاعتداء من بعضهم، بل ولو انتفى حمل السلاح أو العصي من هذا البعض.
د- ارتكاب أفعال الإيذاء باستعمال أسلحة أو عصي أو آلات أخرى:
يتطلب القانون لتوافر ظرف التشديد وقوع أفعال التعدي والإيذاء باستعمال وسيلة معينة حددها بأنها أسلحة أو عصي أو آلات أخرى فإذا تم الاعتداء باستخدام أعضاء الجسم فقط كالدفع باليد أو الركل بالقدم أو الضرب بالرأس فلا يتوافر ظرف التشديد.
ويراد بالأسلحة تلك الأدوات التي يستعين بها الإنسان للدفاع أو الاعتداء، وهي نوعان أسلحة بطبيعتها معدة للفتك بالأنفس، يستوي أن تكون نارية كالمسدس أو قاطعة كالسيف أو راضه أو واخزة كالسكين، وأما الأسلحة بالتخصيص فهي غير معدة للاعتداء، بل لأغراض أخرى كالمطارق والفؤوس، غير أنها قد تستخدم في ارتكاب أفعال التعدي والإيذاء فتعد في حكم السلاح .
وقد يستعمل المتوافقون العصي أيا كانت أنواعها، أو أي آلات أخرى من ذلك ألواح الخشب ،وقطع الحديد والحجارة والزجاجات الفارغة. وتقدير توافر هذه الوسائل متروك لسلطة القاضي التقديرية وفقاً لطبيعة الأداة المستخدمة وحالتها من حيث الخطر.
ولا يكفي حمل الأسلحة أو العصي أو الآلات الأخرى بل يتعين استخدامهـا بالفعل فـي الاعتداء أو الإيذاء، فمن شأن استعمالها زيادة قوة
الجاني البدنية، وإقدامه بجرأة على السلوك الإجرامي، في مقابل إضعاف قدرة المجني عليه على المقاومة. ولا يشترط أن يحمل كل فرد في العصبة أسلحة أو عصي أو أدوات وإنما يكفي حملها واستخدامها من واحد منهم فقط، وبذلك يمتد العقاب ليطال كل المتوافقين من ارتكب الاعتداء فعلاً ، ومن لم يصدر منه أي فعل من التعدي والإيذاء ، بحيث يعد جميعهم شركاء مباشرين في الاعتداء.

3 - العقوبة :
إذا توافرت عناصر التشديد السابقة ، تحققت المسؤولية عن أفعال التعدي والإيذاء بالنسبة لكل عضو في العصبة ، وإن لم يشترك في أفعال الاعتداء أي انتفت لديه صفة الفاعل أو الشريك .
وقد حدد المشرع الاتحادي لهذه الجريمة عقوبة الحبس والغرامة ، مع مراعاة الحدين العامين لهاتين العقوبتين، أي أن مدة الحبس تتراوح بين شهر وثلاث سنوات، والغرامة يزيد حدها الأدنى عند ألف ولا تتجاوز ثلاثين ألف درهم والعقوبتان وجوبيتان، فلا يملك القاضي توقيع إحديهما فقط وإلا كان قضاؤه معيباً ومخالفاً للقانون ( ) .
وتطبيقاً لنص المادة 341 من قانون العقوبات الاتحادي ، يتم توقيع العقوبة المتقدمة عند قيام هذا الظرف مع عدم الإخلال بالعقوبة الأشد التي يستحقها من ساهم في الاعتداء إن كل لها مقتض ، أو أية عقوبة أخرى ينص عليها القانون .

ثانياً : الاعتداء الواقع على جرحى الحرب :
نصت المادة 341/2 عقوبات اتحادي على أنه " وإذا ارتكبت الجرائم المنصوص عليها في المواد السابقة أثناء الحرب على الجرحى ولو من الأعداء عد ذلك ظرفاً مشدداً " .
وقد اعتد المشرع الاتحادي في هذا الظرف المشدد بصفة المجني عليه كونه جريح حرب . ولذلك ترجع علة التشديد فيه إلى اعتبارات إنسانية تتمثل في حاجة جريح الحرب إلى الرعاية الصحية والاجتماعية لتجاوز إصابته الجسدية ، وما اتصل بها من ظروف شخصية ، فضلاً على ذلك فإن الجروح التي أصيب بها في العمليات العسكرية ، تحد من قدرته على المقاومة مما يسهل فعل الاعتداء عليه بدنياً . ومن ثم فإن من يستغل هذه الظروف لارتكاب أفعال التعدي والإيذاء على جريح الحرب ، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور وضعه الصحي ، إنما يكشف في الواقع عن سوء الخلق وانعدام المروءة مما يقتضي أخذه بالشدة .

1 - شروط التشديد :
أ- وقوع الاعتداء بمقتضى المواد من 336إلى 339 عقوبات اتحادي:
لما كانت المادة 341/2 عقوبات اتحادي قد وردت في نهاية المواد المتعلقة بجرائم الاعتداء على سلامة الجسم ،ونص فيها المشرع الاتحادي على وجوب ارتكاب الجرائم السابقة على النص المذكور وذلك بقولـه " وإذا ارتكبت الجرائم المنصوص عليها في المواد السابقة .... " فذلك يعني انطباق الظرف المشدد على جميع جرائم الاعتداء على السلامة البدنية وهي : الاعتداء المفضي إلى الموت ( المادة336) ، أو الاعتداء بقصد إحداث العاهة
المستديمة (المادة 337) ، أو الاعتـداء المفضـي إلى العاهـة المستديمة (المادة 338) ، أو الاعتداء المفضي إلى مرض أو عجز عند مباشرة الأعمال الشخصية لمدة تزيد على عشرين يوماً ( المادة 339/1) ، أو الاعتداء البدني البسيط (المادة 339/2) ، أو الاعتداء المفضي إلى إجهاض حبلى (المادة 339/3) من قانون العقوبات الاتحادي لأنه يتصور وجود مجندات في القوات المسلحة ، ويشتركن في العمليات الحربية مما يعرضهن للإصابة بجروح فإذا تصادف وجود حمل لدى إحداهن ، وبوقوع الإيذاء البدني عليها تم إجهاضها ، فإن حكم المادة 341/2 ينطبق وكذلك الحال لو كانت الحامل امرأة مدنية أصيبت في غارة جوية وتم الاعتداء عليها فأجهضت .
وفي مقابل ذلك لايسري حكم المادة المذكورة على جريمة الإجهاض المنصوص عليها في المادة 340 عقوبات اتحادي ، لأنها لا تندرج ضمن جرائم الاعتداء على سلامة الجسم، باعتبارها لا تتعلق بالإنسان وحقه في السلامة الجسدية ، بل بالجنين وحقه في اكتمال نموه الطبيعي داخل رحم أمه طيلة فترة الحمل( ) .
ب - صفة المجني عليه بأن يكون جريح حرب :
يراد بجريح الحرب كل شخص أصيب في سلامة جسمه، وكانت إصابته ناشئة عن العمليات الحربية ، وبالنظر إلى عمـوم النص الذي اكتفى
بصفة الجريح فإن التشديد يتوافر أيا كان نوع الجرح ودرجة جسامته، غير أن الفقه بالاستناد إلى علة التشديد وهي عجز الجريح عن رد الاعتداء الواقع عليه ، فإنه يستلزم أن تكون إصابة الجريح على قدر من الخطورة والجسامة بحيث تقعده عن المقاومة.
فإذا كانت الإصابة بسيطة بحيث لا تنقص من قدرة الجريح في الدفاع عن نفسه فلا ينطبق الظرف المشدد، وعموما فإن تقدير جسامة الإصابة، ومدى اعتبارها من الجروح التي تحقق ظرف التشديد، مسألة موضوعية يباشرها قاضي الموضوع .
ويستوي أن يكون الجريح عسكرياً أو مدنياً أصيب جراء العمليات العسكرية، وطنياً أو أجنبياً يقيم على إقليم الدولة . وتمتد الحماية الجنائية لتطال الجرحى من الأعداء سواء كانوا مدنيين أو عسكريين .
ج- وقوع الاعتداء أثناء الحرب :
تطلب هذا الشرط مستفاد من صريح عبارة المادة 341/2عقوبات اتحادي. ولذلك يلزم لتوافر الظرف المشدد ارتكاب فعل الاعتداء على السلامة الجسدية أثناء قيام حالة الحرب. ويرجع في تحديد حالة الحرب بداية ونهاية إلى قواعد القانون الدولي العام، وبمقتضى هذه القواعد فإن الحرب هي كل نزاع مسلح يقوم بين دولتين أو أكثر، ومن ثم ينتفي الظرف المشدد إذا وقع الاعتداء على الجريح أثناء حرب أهلية أو ثورة داخلية ، أو بعد انتهاء حالة الحرب بإبرام معاهدة صلح .

2 - العقوبة :
متى توافـرت عناصر التشديد المتقدمـة ، قام الظرف المشدد الذي يقتضي تشديد عقوبة الجاني ، ولما كان نص المادة 341/2 عقوبات اتحادي
قد اكتفى بعبارة "... عد ذلك ظرفاً مشدداً " فإن تشديد العقوبة يتم في ضوء ما نصت عليه المادة 103 عقوبات اتحادي( ) .
ومن ثم تكون العقوبة المقررة لجرائم الاعتداء على سلامة الجسم في حالة توافر الظرف المشدد المذكور على النحو التالي :
- في جريمة الاعتداء المفضي إلى الموت المعاقب عليها بالسجن مدة لاتزيد على عشر سنوات (المادة 336) عقوبات اتحادي ، يجوز للمحكمة أن تحكم بالسجن الذي يصل إلى حد خمس عشرة سنة .
- في جريمة الاعتداء بقصد إحداث العاهة المستديمة المعاقب عليها بالسجن الذي يصل إلى سبع سنوات ( المادة 337) عقوبات اتحادي ، فإنه يجوز الوصول بمدة السجن إلى خمس عشرة سنة .
- في جريمة الاعتداء المفضي إلى عاهة مستديمة المعاقب عليها بالسجن لمدة لاتزيد على خمس سنوات ( المادة 338) عقوبات اتحادي ، فإنه يجوز للمحكمة الوصول بمدة السجن إلى خمس عشرة سنة .
- في جريمة الاعتداء المفضي إلى مرض أو عجز عن الأعمال الشخصيـة مـدة تزيـد على عشرين يوما المعاقب عليها بالحبس والغرامة ( المادة 339/1) عقوبات اتحادي ، فإنه يجوز للمحكمة مضاعفة الحد الأقصى لكل من الحبس والغرامة ، فضلاً على إمكان الحكم بالحبس بدل الغرامة .
- في جريمة الإيذاء البدني البسيط المعاقب عليها بالحبس مدة لاتزيد على سنة والغرامة التي لا تتجاوز عشرة آلاف درهم ( المادة 339/2) عقوبات اتحادي، فإنه يجوز للمحكمة مضاعفة الحد الأقصى للحبس بحيث يصل إلى سنتين ، ومضاعفة الحد الأقصى للغرامة بحيث تصل إلى عشرين ألف درهم أو الحكم بالحبس.
- وأما في جريمة الاعتداء المفضي إلى إجهاض حبلى المعتبرة طرفاً مشدداً ( المادة 339/3) عقوبات اتحادي ، فإنه يتم تشديد العقوبة ابتداء لإفضاء الاعتداء إلى الإجهاض ، فيجوز الوصول بالحبس إلى مدة سنتين ، والغرامة إلى عشرين ألف درهم أو الحكم بالحبس . ثم يتم إضافة التشديد المقرر عند توافر ظرف التشديد محل الدراسة ، وبذلك يجوز للمحكمة الوصول بالحبس إلى مدة أربع سنوات والغرامة إلى أربعين ألف درهم أو الحكم بالحبس .

الفصل الثالث
الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم

نصت على جرائم الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم المادة 343 عقوبات اتحادي بقولها " يعاقب بالحبس مدة لاتزيد على سنة وبالغرامة التي لاتجاوز عشرة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين ، من تسبب بخطئه في المساس بسلامة جسم غيره . وتكون العقوبة الحبس مدة لاتزيد على سنتين والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا نشأ عن الجريمة عاهة مستديمة أو إذا وقعت الجريمة نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان الجاني تحت تأثير سكر أو تخدير عند وقوع الحادث أو امتنع عن مساعدة المجني عليه أو عن طلب المساعدة له مع استطاعته ذلك .
وتكون العقوبة الحبس والغرامة إذا نشأت عن الجريمة المساس بسلامة أكثر من ثلاثة أشخاص فإذا توافر ظرف آخر من الظروف الواردة في الفقرة السابقة تكون العقوبة الحبس مدة لاتقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنين والغرامة ( ) .
وتقتضي دراسة الجرائم الواردة في المادة المذكورة تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين ، نتناول في المبحث الأول أركان جرائم الاعتداء غير العمدي، على أن نخصص المبحث الثاني لعقوبات الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم .

المبحث الأول
أركان جرائم الاعتداء غير العمدي

تشترك جريمة الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم مع جريمة الاعتداء العمدي في الركنين المادي والمفترض (محل الاعتداء) ويختلفان في الركن المعنوي ، فهو يتخذ صورة القصد الجنائي في جريمة الإيذاء البدني العمدي، بينما يتخذ صورة الخطأ في جريمة الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم.

أولاً : الشرط المفترض : محل الاعتداء - إحالة :
لما كان محل الحماية القانونية في جريمة الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم هو حق الإنسان في سلامته الجسدية، فإن محل الاعتداء في هذه الجريمة هو جسم الإنسان الحي.
وقد سبق لنا دراسته بالتفصيل اللازم بصدد جرائم الاعتداء العمدي على سلامة الجسم، لذلك نحيل إلى هذا الموضع منعاً للتكرار .

ثانياً : الركن المادي :
يتحقق هذا الركن بفعل الاعتداء الذي يترتب عليه مساس بسلامة جسم المجني عليه، وارتباط هذه النتيجة بالفعل سببياً . ولذلك يقوم هذا الركن على عناصر ثلاثة هي : فعل الاعتداء على سلامة الجسم ، ونتيجة الاعتداء ، وعلاقة السببية .

أ- فعل الاعتداء على سلامة الجسم :
لم يحدد المشرع الاتحادي صوراً محددة لفعل الاعتداء على سلامة الجسم في المادة 343 عقوبات اتحادي ، وإنما أورد عبارة " تسبب .. في المساس بسلامة جسم غيره ......" .
ولما جاءت هذه الصياغة عامة فهي تتسع لتشمل الضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة ، وغير ذلك من صور المساس بالسلامة البدنية . ولذلك تقوم هذه الجريمة في حق من يرفع عصاه فيصيب إنساناً بجروح دون قصد ، أو من يلوح بيده دون احتياط فيضرب شخصاً كان بجواره ، والأم التي تترك أدوية في متناول طفلها ، فيتعاطى بعضاً منها فيصاب بمرض ، والطبيب الذي يخطئ في وصف الدواء المناسب لحالة المريض فيتسبب في تدهور صحته وزيادة حدة مرضه .

ب - نتيجة الاعتداء :
يتعين أن يؤدي خطأ الجاني إلى نتيجة إجرامية هي ذاتها التي تترتب على فعل الاعتداء العمدي ، وقوامها ذلك الأذى الذي يلحق بجسم المجن .ي عليه فالمساس بسلامة جسم المجني عليه بتحقيق الأذى الذي يصيب جسمه، هي النتيجة التي يتطلبها القانون سواء كان فعل الاعتداء عمداً أو خطأ .
فإذا انتفت هذه النتيجة فلا يسأل المتهم عن الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم، وإن ثبت ارتكابه خطأ على درجة من الجسامة كان بإمكانه تحقيقها. كما لا يسأل عن شروع فيها ، لأن الشروع غير متصور في الجرائم غير العمدية لانتفاء ركن من أركانه وهو اتجاه الإرادة إلى تحقيق النتيجة الإجرامية.
وإذا أفضى خطأ المتهم إلى وفاة المجني عليه متأثراً بالإصابات التي لحقت به، يسأل المتهم عن جريمة القتل غير العمدي إذ توافرت علاقة السببية بين الخطأ الذي اقترفه والوفاة التي تحققت ( ) . فإذا انتفت علاقة السببية بين خطأ المتهم ووفاة المجني عليه بفعل تدخل عوامل غير مألوفة وشاذة، فإن المتهم يسأل عن جريمة الاعتداء غير العمدي على سلامة جسم المجني عليه ، فيكون مسؤولا عن الإصابات التي حققها بفعله قبل تدخل العامل الشاذ، ولا تنسب إليه الوفاة لأنه لم يتسبب في إحداثها .
ومن ذلك قيام شخص بقيادة سيارته بسرعة كبيرة، فيصدم شخصاً ويلحق به إصابات بليغة، فينقل إلى المستشفى لتلقي العلاج المناسب، فيرتكب الطبيب خطأ جسيماً ، يسأل المتهم في هذه الصورة عن الأيذاء غير العمدي، وتنسب الوفاة لخطأ الطبيب .
ج - علاقة السببية :
تعد علاقة السببية بين خطأ المتهم وإصابة المجني عليه في سلامة جسمه عنصر في الركن المادي لجرائم الاعتداء غير العمدي ، يترتب على تخلفها انتفاء المسؤولية عن هذه الجرائم .
وتتحد علاقة السببية في جرائم الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم بمعيار السببية الملائمة الذي تبناه المشرع الاتحادي في المادة 32/1 عقوبات اتحادي. فإذا ساهمت مع خطأ المتهم في إحداث النتيجة عوامل مألوفة ومتوقعة يظل فعل الجاني هو سبب النتيجة فيسأل عنها . أما إذا تضافرت مع فعله عوامل شاذة وليس بمقدور الشخص المعتاد توقعها ، فإن علاقة السببية بين فعل المتهم والأذى المتحقق تنقطع ، وتعزي الإصابة إلى العامل غير المألوف .

ثالثاً : الركن المعنوي-إحالة
يتخذ الركن المعنوي في جرائم الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم صورة الخطأ وقد عبر المشرع الاتحادي على ذلك في المادة 343 بقوله " من تسبب بخطئه في المساس بسلامة جسم غيره .... " ، وهذا الركن هو ذاته الذي يتطلبه القانون في القتل غير العمدي ، حيث ورد في المادة 342 عقوبات اتحادي " يعاقب ...... من تسبب بخطئه في موت شخص " لذلك نحيل إلى هذا الموضع .
ويتمثل الفارق الوحيد بين الخطأ في هذين النوعين من الجرائم غير العمدية فيما ينصرف إليه توقع المتهم الذي يخل بواجبات الحيطة والحذر عند ارتكابه السلوك المشوب بالخطأ، ففي جريمة الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم لا يتوقع المتهم المساس بسلامة جسم المجني عليه, أو يتوقع إمكان إصابة المجني عليه بالأذى البدني غير أنه لا يتخذ من الاحتياطات ما يكفي للحيلولة دون تحققه.
أما في جريمة القتل غير العمدي فإن المتهم لا يتوقع الوفاة كأثر لسلوكه في الوقت الذي كان باستطاعته توقعها، أو يتوقعها ولايتخذ الاحتياطات الكافية لمنع تحققها .
وتكمن أهمية هذا الفارق في أنه يحدد نطاق مسؤولية المتهم الذي يرتكب سلوكاً يخالف فيه واجبات الحيطة والحذر، وتتربت عليه الوفاة أو إصابة المجني عليه بالأذى البدني، حيث يسأل في الحالة الأولى عن قتل غير عمدي، وفي الصورة الثانية عن اعتداء غير عمدي على سلامة الجسم( ) .
ويخضع تقدير توافر الخطأ أو انتفائه لتقدير قاضي الموضوع في ضوء فهم واقع الدعوة وتقدير الأدلة والترجيح بينها. وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه "وحيث أن الطاعن ينعي على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة التسبب خطأ في إيذاء المجني عليه وإتلاف دراجته قد شابه القصور والخطأ في الاستدلال ...
وحيث أن هذا النعي مردود ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن تقدير الخطأ المستوجب لمسؤولية مرتكبه وتحصيل فهم الواقع في الدعوى وتحقيق عناصرها وتقدير الأدلة والترجيح بينها مما تستقل به محكمة الموضوع بما لها من سلطة تقديرية ولا معقب عليها في ذلك طالما لم تعتمد على واقعة بغير سند وحسبها أن تبين الحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليلها وأن تقيم قضاءها على أسباب سائغة تكفي لحمله ولها معينها في الأوراق " ( ).

المبحث الثاني
عقوبات جرائم الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم

إذا توافرت أركان الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم على النحو المتقدم بيانه تعين مساءلة المتهم وتوقيع العقاب الذي حدده القانون عليه . وقد رصد المشرع الاتحادي عقوبة لهذا الاعتداء في صورته البسيطة، كما نص على عدد من الظروف التي تشدد هذه العقوبة.

أولاً : عقوبة الاعتداء غير العمدي في صورته البسيطة :
حدد المشرع الاتحادي بمقتضى المادة 343 عقوبات اتحادي عقوبة جريمة الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم في صورتها البسيطة ، فجعلها الحبس الذي لا يزيد على سنة والغرامة التي لا تتجاوز عشرة آلاف درهم أو إحدى هاتين العقوبتين. وبذلك أجاز القانون للقاضي في حدود استخدام سلطته التقديرية الجمع بين عقوبتي الحبس والغرامة، أو الحكم بإحداهما إما الحبس أو الغرامة بحسب ما تقتضيه الظروف التي أحاطت بالجريمة .
كما يلاحظ أن نص المادة 343 عقوبات اتحادي حدد الحد الأقصى لعقوبتي الحبس والغرامة، ومن ثم يكون حدهما الأدنى الذي يجوز النزول إليه هو الحد الأدنى العام للحبس وهو شهر، والغرامة وهو ما يزيد على ألف درهم.
وتجدر الإشارة هنا إلى عدم تناسب عقوبة الإيذاء غير العمدي مع جسامة النتيجة التي يجرمها القانون ، خاصة إذا لجأ القاضي إلى الحكم بالحد الأدنى للحبس وحده أو للغرامة وحدها ، لأن الاكتفاء بإحدى العقوبتين يجيزه النص المذكور.

ثانياً : الظروف المشددة للعقوبة :
نص المشرع الاتحادي على عدد من الظروف التي تشدد عقوبة الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم ، هذه الظروف تتعلق إما بجسامة الخطأ ، وإما بجسامة النتيجة ، وإما بجسامة الخطأ والنتيجة معاً .

1- الظروف المشددة المتعلقة بجسامة الخطأ :
نصت على هذه الظروف المادة 343 عقوبات اتحادي ، وهي ذات الظروف التي تشدد عقوبة القتل غير العمدي ، أي وقوع الجريمة نتيجة إخلال الجاني إخلالاً جسيماً بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته ، أو وقوع الجاني بإرادته تحت تأثير المادة المسكرة أو المخدرة عند ارتكاب الخطأ الذي أفضى إلى النتيجة الإجرامية ، أو نكول الجاني عن مساعدة المجني عليه أو عن طلب المساعدة له مع استطاعته ذلك .
وقد سبق أن حددنا مدلول كل ظرف من الظروف الثلاثة بما لاداعي معـه للتكرار .
ويترتب علي توافر أحد هذه الظروف تشديد العقوبة إلى الحبس مدة لاتزيد على سنتين والغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين .
ويلاحظ أن التشديد في هذه الحالة تم برفع الحد الأقصى للحبس إلى سنتين، مع بقاء حده الحد الأدنى العام أي شهر، ولم ينص المشرع على حدي الغرامة مما يعني بقاءها أيضاً بحديها الأدنى والأقصى العامين .
2 – الظروف المشددة المتعلقة بجسامة النتيجة :
نص المشرع الاتحادي على ظرفين مشددين يتصلان بجسامة النتيجة، ويختلف أثر كل منهما في التشديد عن أثر الآخر .

أ - إفضاء الجريمة إلى عاهة مستديمة :
يلزم لتوافر هذا الظرف أن يفضي فعل الاعتداء غير العمدي على سلامة جسم المجني عليه إلى إصابته بعاهة مستديمة بذات المدلول السابق بيانه في جرائم الاعتداء العمدي على سلامة الجسم . ويترتب على هذا الظرف تشديد العقوبة بذات الكيفية التي تشدد بها ذا توافر أحد الظروف المتعلقة بجسامة الخطأ ، وتظل الغرامة أيضاً بحديها الأدنى والأقصى العامين، وقد أجاز النص الجمع بين العقوبتين أو الحكم بإحداهما فقط .
ويلاحظ عدم تناسب العقوبة مع جسامة النتيجة خاصة إذا اتجه القاضي إلي الحكم بالحد الأدنى للحبس أو بالغرامة منفردة .
ب - تعدد المجني عليهم :
اعتبر المشرع الاتحادي أن تعدد المجني عليهم يعد ظرفاً مشدداً لعقوبة جريمة الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم . ويتوافر هذا الظرف الذي نصت عليه المادة 343 في فقرتها الثانية إذا كان خطأ المتهم قد تسبب في إصابة أكثر من ثلاثة أشخاص أي أربعة أشخاص على الأقل ، ويتعين أن لا ينشأ عن الإصابة عاهة مستديمة لأحدهم ، فيترتب على ذلك توقيع عقوبة الحبس والغرامة، وتكون عقوبتا الحبس والغرامة بين حديهما العامين ويتمثل التشديد في وجوب الجمع بين العقوبتين( ).
3- تعدد الظروف المشددة :
يتطلب هذا الظرف أن يترتب على الاعتداء غير العمدي على سلامة الجسم إصابة أكثر من ثلاثة أشخاص ، بالإضافة إلى توافر أحد الظروف المشددة الأخرى التي نصت عليها الفقرة الأولى من المادة 343 عقوبات اتحادي ، كما لو كانت الجريمة قد وقعت نتيجة إخلال الجاني بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان متعاطياً مادة مسكرة أو مخدرة عند ارتكابه الخطأ الذي أفضى إلي النتيجة الإجرامية، أو كان قد نكل وقت الجريمة عن مساعدة المجني عليهم أو عن طلب المساعدة لهم مع استطاعته ذلك، أو كان قد أصيب أحد المجني عليهم أو أكثر بعاهة مستديمة.
وعندئذ تكون العقوبة الحبس الذي لا يقل عن ستة أشهر ولا يزيد على خمس سنوات والغرامة، ويتضح من ذلك أن اجتماع الظروف على النحو المتقدم يجعل من الجريمة على درجة كبيرة من الخطورة مما حذا بالمشرع إلى رفع الحدين الأدنى والأقصى لعقوبة الحبس.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار