السبت، 2 أكتوبر، 2010

جرائم الاعتداء على الأموال( السرقة – النصب – إعطاء شيك بدون رصيد – الاحتيال) وفق القانون الإماراتي

القسم الثاني


جرائم الاعتداء على الأموال

( السرقة – النصب – إعطاء شيك بدون رصيد – الاحتيال)












الباب الأول
جريمة السرقة

- تمهيد وتقسيم؛
يقوم البنيان القانوني لجريمة السرقة على شرط مسبق ( مفترض) في الجريمة يتعلق بمحل تلك الجريمة وهو أن يرد على مال منقول مملوك للغير ( وهذا هو موضوع الفصل الأول )، ثم أركان تلك الجريمة وتتمثل في وجود ركن مادي وركن معنوي ( في فصل ثان ). وسوف نقمم دراستنا لجريمة السرقة ببيان عقوبتها ( الفصل الثالث) .
- السرقة الحدية والسرقة التعزيرية:
نتناول في هذا الباب أحكام السرقة التعزيرية، أما السرقة الحدية فإن مجالها هو فرع آخر من العلوم الشرعية وهو القانون الجنائي الإسلامي. ونذكر في هذا الخصوص أن السرقة الحدية من اختصاص القضاء الشرعي وليس من اختصاص القضاء الاتحادي الذي يتخرج طلاب كلية القانون للعمل به، من هنا كان اهتمامنا بدراسة السرقة التعزيرية دون السرقة الحدية.
ويلاحظ أن محكمة الجنايات الشرعية تنظر السرقة إذا كانت حدية، فإذا لم يتوافر لها شروط السرقة الحدية قضت بعدم اختصاصها بنظرها وأحالتها لمحكمة الجنح الاتحادية( ). وتفقد السرقة صفة الحد إذا تخلف الشرط المسبق لها بأن كان المال غير متقوم أو أنه لم يبلغ النصاب أو كان مالا شائعا أو مالا عاما، أو إذا تخلف الركن المادي وهو الاختلاس خفية أو لم يكن الاختلاس من حرز أو لم تتوافر نية التملك. وقد يتوافر شرط الجريمة وأركانها ومع ذلك يدرأ الحد، إذا لم يتوافر الدليل الشرعي في إثباتها وهو وجود شاهدين عدول أو إقرار المتهم. أو إذا أقر المتهم ولكنه عدل عن إقراره في أي مرحلة من مراحل الدعوى، بل وحتى تنفيذ العقوبة.
الفصل الأول
الشرط المسبق في جريمة السرقة

يشكل المال المنقول المملوك للغير شرطا مسبقا في جريمة السرقة لا تقوم إلاّ بتوافره. فلا سرقة إلاّ إذا توافر في محلها تلك الشروط على ما سيلي بيانه .
- شروط محل السرقة :
يحمي تجريم السرقة المال المنقول المملوك للغير . فالشيء محل السرقة هو :
مال
منقول
مملوك للغير

المبحث الأول
الشرط الأول – أن يكون مالا
يلزم – حتى يكون شيئا ما مالا – أن يكون له قيمة. وحيث إن جريمة السرقة تقع على الأشياء المادية ، فإنه يلزم أيضا أن يكون المال محل السرقة ذا وجود مادي .
1 – المال ذو الوجود المادي :
تقضي القاعدة العامة بأن جريمة السرقة لا تقع على الأموال المعنوية كالأفكار والآراء والاختراعات( ). فإذا نقل مؤلف صفحات من كتاب مؤلف آخر دون إشارة إلى المصدر ، فإن ما يقع منه هو اعتداء على حق المؤلف وليس جريمة سرقة ، حتى ولو وصل الأمر به إلى أنه نقل الكتاب بأكمله ووضع عليه اسمه بدل اسم المؤلف الحقيقي. فجريمة السرقة لا تتصور إلاّ على الأموال ذات الوجود المادي .
- لا سرقة للمنافع :
يختلف المنقول عن المنفعة . ومن نتائج هذا الاختلاف أن جريمة السرقة ترد على المنقول دون المنفعة أو الخدمة التي يستفيد منها شخص دون دفع مقابلها . فمن يركب قطارا أو سيارة نقل الأشخاص" اتوبيس " دون أن يدفع الأجرة، لا يرتكب جريمة السرقة . كما لا يرتكب هذه الجريمة من يقيم في فندق أو يستقل سيارة أجرة أو يتناول الغذاء في مطعم أو يصفف شعره عند الحلاق دون أن يدفع لهم الأجر المتفق عليه، فما حصل عليه هو من قبيل الخدمة وإن كان ذلك يقترن بتسليم مواد غذائية في حالة تناول المأكولات بالمطاعم، إلاّ أن هذا التسليم كان برضاء صاحب المطعم، ومن هنا فإنه من الصعب وصف ذلك بالسرقة.
وقد حدا ذلك بالمشرع إلى سد هذه الثغرة، فأدخل المادة 395 عقوبات اتحادي لعقاب كل من " تناول طعاما أو شرابا في محل مُعد لذلك ولو كان مقيما فيه، وكذلك كل من شغل غرفة أو أكثر من فندق أو نحوه أو استأجر عربة معدة للإيجار وامتنع بغير مبرر عن دفع ما استحق عليه أو فر دون الوفاء به "( ). ويظهر من صياغة نص هذه المادة أنها لا تحمي أصحاب محلات الحلاقة. ولا يجوز القياس في مواد التجريم بسبب مبدأ الشرعية.
وقد ظهرت مشكلة قانونية إزاء ظاهرة اجتماعية تفشت في الآونة الأخيرة عندما بدأ بعض الشباب في الاستيلاء على سيارات ملاكي مؤقتا للتنزه بها ثم تركها في أي مكان يصادفهم بعد ذلك ، فهم يستفيدون من منفعة هذه السيارات، دون أن يتوافر في حقهم نية تملك السيارة. لمواجهة هذه المشكلة اتجهت بعض أحكام القضاء الفرنسي إلى أن جريمة السرقة تتوافر رغم ذلك، على أساس سرقة بنزين السيارة الذي يستهلكه الفاعل. غير أن القضاء الفرنسي أصبح يتجه حاليا إلى أن السرقة تقع على السيارة نفسها على الرغم من توافر نية ردها، إذ إن الاختلاس المكون للسرقة يقوم عند ظهور الفاعل على الشيء بمظهر المالك، لا يهم بعد ذلك التخلي عن السيارة أو إعادتها إلى صاحبها( ).
وقد حسم المشرع الاتحادي الإماراتي هذا الأمر عندما نص في المادة (394) عقوبات على أنه " يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبالغرامة التي لا تجاوز عشرة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استعمل سيارة أو دراجة بخارية أو ما في حكمهما بغير إذن أو موافقة مالكها أو صاحب الحق في استعمالها " .
وقد سبق أن أثار ظهور الكهرباء مشكلة قانونية في فرنسا من ناحية اعتبارها منقولا يصلح محلا للسرقة، وقد طرح الأمر أمام القضاء الفرنسي لتفسير مفهوم المنقول في جريمة السرقة والذي ورد ذكره في نص قانون العقوبات الفرنسي الذي يرجع إلى سنة 1880 ، بينما يرجع ظهور الكهرباء إلى ما بعد ذلك بكثير .
وقد اعتبرت المحاكم الفرنسية الكهرباء مالا منقولا تقع السرقة باختلاسه منذ عام 1901( )، ثم أيدت محكمة النقض الفرنسية هذا الاتجاه منذ عام 1912( ). ويسير القضاء في مصر على هذا النهج في إضفاء صفة المنقول على التيار الكهربائي. هذا التيار ليس إذن من قبيل المنفعة. فليس شرطا في المنقول أن يكون مرئيا بالعين المجردة، ولكن أصبح يُكتفى بآثاره لدلالة عليه. وأصبح القضاء في مصر يستقر على قابلية التيار الكهربائي للسرقة، إذا حصل عليه المشترك دون عداد أو خارج العداد الموجود فعلا. وفي هذا تقول محكمة النقض المصرية " إن وصف المال المنقول لا يقتصر على ما كان جسما متحيزا قابلا للوزن طبقا للنظريات الطبيعية، بل هو، طبقا لأحكام القانون المدني، كل شيء ذي قيمة ممكن تملكه، وحيازته ونقله. وهذه الخصائص متوافرة في الكهرباء"( ). وعلى هذا فلا يشترط في المنقول أن يكون مجسما، بل يكفي أن يكون قابلا للانتقال والتملك.
وقد حسم المشرع الاتحادي الإماراتي مشكلة إجراء مكالمات تليفونية بدون موافقة صاحب الخط التليفوني بتجريمها بنص خاص، حسما للاختلاف في تفسير صفة المنقول. في ذلك تنص المادة (391) عقوبات اتحادي على أنه " يُعاقب بالحبس أو بالغرامة كل من اختلس بأية صورة الخدمة الهاتفية أو خدمة أخرى من خدمات الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو غيرها من الخدمات الحكومية الأخرى أو قام بغير وجه حق باستغلال أو استعمال أو بتحويل أو تفريغ أية خدمة من هذه الخدمات أو أي تيار أو خلافه مما يستعمل لتوصيل أو نقل هذه الخدمات " .
- لا سرقة للمعلومات :
وتثور صعوبة قانونية حول مدى تصور سرقة المعلومات. وقد فجر هذا التساؤل حكم محكمة النقض الفرنسية في 8 يناير سنة 1979المعروف بحكم Logabax الذي أنزل وصف السرقة على ما قام به عامل بإحدى الشركات من تصوير أحد مستندات الشركة وتمسكه بهذه الصورة في دعوى أقامها ضد قرار فصل كان قد صدر ضده( ). وقد استندت المحكمة في حكمها إلى أن العامل ظهر على المستند بمظهر المالك في الفترة التي قام فيها بتصوير المستند، وهذا دون رضاء من صاحبه.
وقد ترددت أحكام القضاء الفرنسي في القول بأن العامل تحصل على المعلومات التي يحتويها المستند وفي نفس الوقت وقعت في صعوبة قانونية بسبب أن العامل لم يسرق المستند نفسه ،إذ إنه تركه في مكانه دون أن يختلسه. فما قام به المتهم هو أنه تحصل على محتوى المستند أي المعلومات التي يحتويها. غير أن هذا لا يخفي حقيقة أن محكمة النقض الفرنسية أرادت عقاب هذا العامل الذي تحصل على معلومات تخص هذا الغير وتمسك بها في مواجهته. ولكنها لم تصل حتى الان إلى القول بأن السرقة تقع على المعلومات نفسها منفصلة على الدعامة التي تحتويها( ).
ومع ذلك فإن موقف محكمة النقض الفرنسية في حكمها عام 1979 جاء بعد حكم آخر لها في 7 نوفمبر سنة 1974 قضت فيه بوقوع جريمة إخفاء أشياء مسروقة من شخص تحصل على معلومات عن سر الصناعة في إحدى الشركات، ثم قام باستغلال هذه المعلومات لمصلحته في الإنتاج، الأمر الذي يكشف ترددا في اعتبار المعلومات محلا للسرقة( ).
وقد زادت الحاجة إلى الإجابة على هذه التساؤلات بسبب الزيادة في استخدام الآلات الحاسبة ( الكمبيوتر ) من جانب الشركات لاختزان وتنظيم المعلومات اللازمة لسيرها، هذا بالإضافة إلى تلقي وإرسال أوامر الشراء والبيع والدخول في المزايدات والمناقصات وتحديد أثمان الدخول في الصفقات( ). وفي نفس الوقت زادت وسائل التجسس على هذه الآلات بحيث يمكن للشركات المنافسة متابعة هذه المعلومات المختلفة أولا بأول والاستفادة منها لصالحها. فهل هذه الوسائل غير القانونية ينطبق عليها وصف السرقة؟
يتجه رأي في الفقه إلى عدم انطباق الوصف التقليدي في السرقة على هذه المظاهر لسببين : الأول – إن المعلومات ليس لها وجود مادي. الثاني – إن تلقي هذه المعلومات بوسائل التجسس المختلفة لا ينطبق عليها وصف الاختلاس ( ) .
ولحل هذا الخلاف يرى بعض الفقه – بحق - أن الأمر يستدعي تدخلا من المشرع في هذه الموضوعات التقنية الجديدة التي يصعب انصياعها لنص قديم أو غير ملائم لمعطيات التطور، وذلك بإدخال نصوص جديدة تعاقب على التداخل في أنظمة الكمبيوتر بدون وجه حق، أي أن السرقة لا تقع في حالة نسخ معلومات يحتويها كمبيوتر الغير، ولكن تقع جريمة بنص خاص( ).
2 – المال ذو قيمة :
لا تحمي السرقة إلاّ الأموال ذات القيمة. فإذا وقعت السرقة على أموال معدومة القيمة تماما ، فلا جريمة تقع إذ لا مصلحة يحميها المشرع هنا بالتجريم.
ومع ذلك فإن السرقة تتوافر إذا كان المال تافها أي قليل القيمة جدا، لأن قيمة الشيء ليست عنصرا من عناصر جريمة السرقة( ). لذا قُضي بأن المال الذي يحميه تجريم السرقة هو " كل مال له قيمة مالية ويمكن تملكه وحيازته ونقله بصرف النظر عن ضآلة قيمته، مادام ليس مجردا من كل قيمة، لأن تفاهة الشيء المسروق لا تأثير لها مادام في نظر القانون مالا"( ). وقد صدر هذا الحكم الأخير بخصوص سرقة طوابع دمغة مستعملة، وهو ما يصلح في نظر المحكمة أن يكون مالا له بعض القيمة باعتبار أنه يمكن استعمالها وبيعها والانتفاع بها بعد إزالة ما عليها من آثار.
ومن التطبيقات القضائية في هذا الخصوص ما قُضي به من وقوع جريمة السرقة إذا كان الشيء المسروق شيكات غير موقع عليها، استنادا إلى أنها وإن كانت قليلة القيمة، فهي ليست مجردة من كل قيمة( ). كما قضت محكمة التمييز بدبي بوقوع جريمة السرقة على الشيكات ولو لم يتمكن الفاعل من صرف قيمتها( ).
ويترتب على عدم اشتراط قيمة معينة في المال محل السرقة أن الحكم الذي يدين المتهم عن السرقة لا يشوبه القصور في التسبيب إن هو لم يبين قيمة الشيء محل السرقة ( ) . فقيمة الشيء المسروق ليست ركنا في جريمة السرقة( ).
وإذا كان للشيء قيمة ، حتى ولو كانت قيمة تافهة ، فإنه لا يشترط أن تكون هذه القيمة مالية . فتقع جريمة السرقة إذا كان للمال قيمة عاطفية كالخطابات المتبادلة بين الناس واللوحات ذات القيمة التاريخية وكذلك التماثيل والآثار وغير ذلك. فكل ذلك يصلح لأن يكون محلا للسرقة.
أما إذا انعدمت قيمة الشيء فلا سرقة. فقد قُضي بأنه " لا يعد سرقة ولا خيانة أمانة اختلاس تقرير مرفوع من أعضاء لجان حزب إلى مدير إدارة إحدى اللجان فيه إذا ثبت أن هذا التقرير ليس بورقة جدية ذات حرمة ولا يمكن اعتبارها متاعا للحزب يحرص عليه وأنها أنشئت لغرض خاص لا ارتباط له بأعمال الحزب، وإنما هو أثر خدعة وأداة غش ألبست ثوب ورقة لها شأن( ).
ومعنى ذلك فإنه إذا تشكك المجني عليه أن شخصا معينا يسرق مستندات تخصه ، فقام بكتابة ورقة لا تحمل معلومات ذات قيمة وإنما حررها ليقوم بضبط الفاعل متلبسا بالسرقة ، فإن هذه الورقة لا تقع باختلاسها جريمة السرقة طالما كانت معدومة القيمة ، اللهم إلاّ من قيمتها كورقة بيضاء .

المبحث الثاني
الشرط الثاني : أن يكون منقولا

أ ) تجريم السرقة لحماية المنقولات دون العقارات :
يقصد المشرع من وراء تجريم السرقة إلى حماية المنقولات فقط دون العقارات. وذلك يرجع إلى أن العقارات غير متصور سرقتها، لأنها ثابتة غير متحركة، أي لا تخضع للاختلاس. بيد أن المشرع قد وفر حمايته الجنائية للعقارات من صور أخرى للاعتداء مثل انتهاك حرمة ملك الغير (مادة 434 عقوبات اتحادي ) .
ومفهوم أن المنقول قد يكون نقودا أو أشياء أخرى كالأوراق والسندات. وقد يكون من الشيكات .
- مفهوم المنقول في القانون الجنائي والقانون المدني :
على الرغم من أن تجريم السرقة لا يحمي إلاّ المنقولات، فإن أحكام القضاء الجنائي تفسر تعبير المنقول بحيث يشمل كل ما يمكن فصله من العقارات. وفي ذلك تقول محكمة النقض "المناط في اعتبار المال منقولا قابلا للسرقة هو مجرد قابليته للنقل من مكان إلى آخر ومن يد إلى أخرى ولو لم يكن بذاته منقولا في حكم القانون المدني، كالعقارات بطبيعتها بالنسبة للأجزاء حتى يمكن انتزاعها منها " ( ) .
وعلى ذلك فإن تعبير المنقول في مفهوم جريمة السرقة يشمل الآتي:
1 – المنقول بالمعنى المعرف به في القانون المدني ، وهو كل ما يمكن نقله دون تلف .
2 – المنقول بحسب المآل وهو عقار ولكن سوف يتم فصله كالمحصولات وأنقاض المنزل قبل هدمه .
3- العقار بالتخصيص وهو منقول ولكنه خُصص لخدمة العقار، كما في حالة آلة الري المثبتة لخدمة أرض زراعية .
4- أجزاء العقار بعد فصلها منه ، مثال ذلك الباب أو الشباك في المنزل. هذه الأجزاء تصلح محلا للسرقة إذا قام الفاعل بفصلها واختلاسها( )( ).
وهكذا فإن مفهوم المنقول في جريمة السرقة يختلف عما هو مقرر في القانون المدني نظرا لاختلاف الغاية من التمييز بين العقارات والمنقولات بين القانون المدني والقانون الجنائي. فعلى حين يرمي القانون الجنائي إلى حماية الملكية، يهتم القانون المدني بأسباب نقل الملكية . فهي تكون في العقارات بالتسجيل.أما في المنقولات فإن الملكية تنتقل بمجرد التعاقد. كما أن تفسير العقد يحتاج أحيانا إلى التمييز بين العقار وبين المنقول، كما لو لم يتم تحديد مصير المنقولات المخصصة لخدمته، هل يشملها عقد بيع هذا العقار أم لا.
فإذا كان العقار أرضا زراعية فإنه لا يصلح أن يكون محلا للسرقة، غير أن هذا لا يحول دون وقوع جريمة السرقة ممن يأخذ كمية من التربة المكونة لأرض زراعية مملوكة للغير دون رضائه كما تقع السرقة ممن يأخذ هذه الأتربة من الأرض الزراعية المجاورة له ليضيفها إلى أرضه. ولا يختلف الوضع لو كان الاعتداء على الطريق العام المجاور لأرض المتهم. وتطبيقا لذلك قُضي بأن من يختلس أتربة من الطرق العمومية أو الأشجار التي تُغرس فيها يُعد سارقا( ). هذا الوصف لا يحول دون تقديم المتهم للمحاكمة بتهمة نقل الحدود الطبوغرافية ، وهي الجنحة التي تعاقب عليها المادة ( 428 ) وواضح أن هناك تعددا حقيقيا للجريمتين مع ارتباط لا يقبل التجزئة في هذا الفرض.
المبحث الثالث
الشرط الثالث – أن يكون مملوكا للغير
القاعدة – لا سرقة من مالك :
يُشترط لوقوع السرقة أن يكون المال محل السرقة مملوكا للغير. ويستوي بعد ذلك أن يكون هذا الغير شخصا طبيعيا أو معنويا، مع ملاحظة أن هذا الشخص المعنوي إذا كان هو الدولة فإن المال يصبح مالا عاما سواء أكان هذا المال منتميا إلى الدومين الخاص أم إلى الدومين العام للدولة. ويمكن أن تقع جريمة السرقة على المال العام إذا كان الفاعل غير موظف.فإذا كان موظفا عاما، فإن جريمة اختلاس الأموال الأميرية أو جريمة الاستيلاء على المال العام هي التي تقع بحسب ما إذا كان المال في حيازة الموظف أو في غير حيازته.
وتقضي القاعدة العامة بأن جريمة السرقة لا تقع من المالك الذي يسترد مالا مملوكا له كان في حيازة شخص آخر كأن يكون المالك قد أجر سيارة أو ماكينة ري وقام باستردادها قبل انتهاء مدة الإيجار. والسبب في ذلك هو أن جريمة السرقة تقع اعتداء على الملكية ، الأمر الذي لا يتوافر في هذه الحالة .
وإذا كانت ملكية الغير للمنقول شرطا مسبقا في الجريمة، فإنه إذا دفع المتهم أثناء محاكمته بأنه يمتلك المنقول محل السرقة، فإنه يتعين وقف سير الدعوى الجنائية حتى يفصل القاضي نفسه في ملكية هذا المنقول. فلا يقوم القاضي بإحالة النزاع المدني إلى المحكمة المدنية، بل يتعرض له قاضي الموضوع فاصلا في النزاع المدني المتعلق بملكية المنقول ( ) متبعا في ذلك قواعد القانون المدني( ) . وفي ذلك تنص المادة 152 أ. ج. اتحادي على أن " تتبع المحاكم الجزائية في المسائل غير الجزائية التي تفصل فيها تبعا للدعوى الجزائية طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص".
فإذا انتهت المحكمة إلى أن الشيء ملك للمتهم، فإن عليها أن تحكم بالبراءة لانتفاء التهمة. فالواقعة لا تُعد سرقة عندئذ . لكن هذا لا يمنع من توجيه التهمة إلى المالك عن انتهاك حرمة ملك الغير إذا كان قد دخل عقارا للحصول على المنقول الذي يخصه والذي كان في حيازة شخص آخر ( ويلاحظ أن المادة 434 عقوبات اتحادي التي لاتستلزم أن يكون الدخول بقصد ارتكاب جريمة ، وانما يكفي أن يكون المكان مسكونا أو معدا للسكنى أو أحد ملحقاته خلافا لإرادة صاحب الشأن ).
وإذا كانت قواعد القانون المدني واجبة التطبيق أمام القاضي الجنائي، فإن مقتضى ذلك أن تنتقل الملكية بمجرد التعاقد إذا كان المنقول معينا بالذات. وفي حالة ما إذا كان المنقول معينا بالنوع، فإنه يتعين عندئذ أن يكون مفرزا حتى تنتقل الملكية( ). غير أن انتقال الملكية بمجرد التعاقد ليست قاعدة من النظام العام، فيجوز للطرفين أن يتفقا على مخالفتها بأن تعلق الملكية على شرط واقف أو على شرط فاسخ في حالة الثمن المؤجل كله أو على أقساط( ). على العكس من ذلك تقضي القاعدة بأن الملكية تنتقل حتى ولو كان الثمن مقسطا أو مؤجلا ، طالما أن الطرفين لم يتفقا على تعليقها. عندئذ يرتكب البائع الذي استرد السلعة دون رضاء المشتري، لأنه لم يحصل على ثمنها( ).
كما تقضي قواعد القانون المدني بانتقال الملكية للمشتري في حالة البيع المعلق على شرط فاسخ إلاّ إذا تحقق هذا الشرط فتعود ملكية هذا المنقول ثانية إلى البائع. وفي حالة البيع المعلق على شرط واقف يحتفظ البائع بملكية المنقول حتى يتحقق الشرط ، عندئذ تنتقل الملكية إلى المشتري ولا تأثير في الحالتين للحيازة على انتقال الملكية أو عدم انتقالها. فقد يتسلم المشتري المنقول ومع ذلك فإن الملكية تكون للبائع نظرا لعدم تحقق الشرط الواقف أو لتحقق الشرط الفاسخ.
ومع ذلك فقد قُضي بأن الأثر الرجعي للفسخ في القانون المدني ، في قضية بيع سيارة بالتقسيط كانت الملكية فيه معلقة على شرط فاسخ وهو عدم دفع بقية الأقساط ، حيلة قانونية تنتمي إلى القانون المدني ولا يعتد بها القاضي الجنائي. وبالتالي فلم يقر القاضي الجنائي سلطة البائع في استرداد المنقول دون رضاء الحائز ( ). أما بالنسبة لتعليق الملكية على شرط واقف فإن لا شيء يجعل القضاء الجنائي لا يعتد به.
ويلاحظ أن محكمة الموضوع منوط بها تكييف العقد تكييفا صحيحا بغض النظر عن الوصف الذي أسبغه المتعاقدان عليه، فلها أن تعتبر أن عقد الإيجار إن هو في الحقيقة إلاّ عقد بيع مؤجل أو مقسط الثمن وأن ما أسماه الطرفان عقد إيجار لتحقيق الحماية الجنائية من خيانة الأمانة ليس في حقيقته إلاّ عقد بيع. وبالتالي فإن تجريم خيانة الأمانة لا يسري في شأنه، كما أن محل العقد يصبح ملكا للمشتري ولا يجوز للبائع استرداده .
وعلى أية حال فإنه إذا كان النزاع على الملكية جديا واستولى شخص على المنقول معتقدا ملكيته له، فإن ذلك من شأنه أن ينفي القصد الجنائي، حتى وإن انتهت المحكمة إلى أن ملكية المنقول ليست له(¬ ).
2 – الاستثناء : وقوع السرقة من مالك
ترد على قاعدة لا سرقة من مالك بعض الاستثناءات التي أوردها المشرع والتي يُسأل فيها المالك عن سرقة ممتلكاته الخاصة به في حالتين:
الحالة الأولى : اختلاس الأشياء المرهونة :
تعاقب المادة (206 / 1) عقوبات اتحادي مالك الأشياء المرهونة إذا قام باختلاسها أي بالاستيلاء عليها دون موافقة الدائن المرتهن. ومن الجلي أن الأمر يتعلق بالرهن الحيازي أي الرهن الذي يرد على منقولات وتنتقل فيه الحيازة مؤقتا من يد المدين الراهن إلى حيازة الدائن الدائن المرتهن. في ذلك تنص المادة (406) عقوبات على أنه " يعاقب بالعقوبة المقررة في المادة السابقة كل من اختلس أو شرع في اختلاس منقول كان قد رهنه ضمانا لدين عليه أو على آخر ".
الحالة الثانية – اختلاس الأشياء المحجوز عليها :
تعاقب المادة ( 206/ 2) عقوبات اتحادي مالك الأشياء المحجوز عليها إذا قام باختلاسها، مادام أنه قد عُين حارسا عليها. ومن الواضح أن تلك الجريمة من الجرائم التي تقع ضد المصلحة العامة. فتنص المادة (406/ 2) على أنه " ويعاقب بالعقوبة ذاتها المالك المعين حارسا على منقولاته المحجوز عليها قضائيا أو إداريا إذا اختلس شيئا منها ".
3 – حكم الأشياء المتنازع على ملكيتها
إذا كان المنقول متنازعا عليه بين شخصين يدعي كل منهما أنه ملكا له، وكان النزاع جديا، أي كانت هناك أسباب معقولة تجعل كل منهما يطالب بحقه في هذا المنقول، وقام أحدهما باختلاسه من حيازة الآخر قبل صدور حكم قضائي يحسم مشكلة الملكية بينهما : فهل يعد هذا من قبيل السرقة ؟
الواقع أن الأمر ليس كذلك لأن جريمة السرقة تفترض أن يكون المنقول مملوكا للغير. وهذا يعني أن تكون هذه الملكية ثابتة على وجه يقيني للمجني عليه. كما أن السرقة جريمة عمدية تتطلب القصد الجنائي، الأمر الذي لا يتوافر إذا كان الفاعل يعتقد أن المال ملكا له .
4 – حكم الأشياء الشائعة :
الأموال الشائعة هي الأموال التي يمتلكها أكثر من شخص دون إفراز، كما في حالة الميراث قبل القسمة. فإذا استولى أحد الملاك على الشيوع على المال دون رضاء الآخرين، فإن جريمة السرقة تقع منه لأنه يستولي بذلك على مال مملوك للغير. وتطبيقا لك قُضي بأن الماء الذي ترفعه آلة بخارية مملوكة على الشيوع يصبح أيضا ذا ملكية مشتركة. فإذا استولى عليه أحد الملاك دون سائرهم ، فإنه يرتكب جريمة سرقة( ).
ويذهب رأي في الفقه إلى أنه لو تمت القسمة بعد فعل الاستيلاء وأصبح المنقول من نصيب الفاعل، فإن هذا ينفي فعل الاختلاس لثبوت ملكية الفاعل للمنقول وقت الاستيلاء، عملا بالأثر الرجعي للقسمة( ). غير أن الرأي الراجح في الفقه يتجه إلى عدم الاعتداد بالأثر الرجعي للقسمة اللاحقة واعتبارها حيلة قانونية تنتمي إلى القانون المدني( ).وحيث إن للقانون الجنائي ذاتية خاصة به وأن تجريم السرقة يرمي إلى حماية الملكية، وحيث إن الشيء المملوك على الشيوع ليس ملكا خالصا لأحد الشركاء، فإن فعل الاستيلاء منه يرد على منقول مملوك للغير وتقع به جريمة السرقة( ).
5 – لا سرقة لمال غير مملوك للغير
يلزم أ ن يرد الاختلاس على مال مملوك للغير حتى تقوم جريمة السرقة. لكن لا يشترط التعرف على صاحب المنقول متى استبان للمحكمة أن المنقول مملوك للغير. كما أن الخطأ في ذكر اسم صاحب هذا المنقول لا يعيب الحكم ولا يستوجب نقضه ( ).
ولكن هناك حالات تثور فيها شكوك حول ثبوت ملكية الغير للشيء محل الاختلاس ، ولك في الحالات التالية :
(أ) الأشياء المباحة :
الشيء المباح هو ما لا يمتلكه أحد، كالماء والأسماك في الأنهار وكالرمال في الصحراء. فإذا ما تملك أحد الناس بعضا من هذا، فإنه يصبح مالا مملوكا للغير وتقع باختلاسه جريمة السرقة. فاختلاس أسماك دخلت شباك أحد الصيادين يُعد سرقة حتى قبل رفعها من الماء. أما في صورتها الأولى فإنها أموال مباحة للجميع وليس في الاستيلاء عليها سرقة ، وإن كانت الدولة تتطلب أحيانا رخصة لاصطياد الأسماك والطيور في أماكن معينة. فالحصول على الأسماك والطيور بدون سبق الحصول على رخصة لا يعد اختلاسا مكونا لجريمة السرقة ولكن يُعد مخالفة للقوانين واللوائح التي اشترطت هذه الرخصة.
ويجب التفرقة بين الأموال المباحة والأموال المملوكة للدولة مثل الأشجار على الطرق العامة. فمن يقطع هذه الأشجار ويختلسها يُعد مرتكبا لجريمة السرقة علاوة على جنحة إتلاف الأشجار المملوكة للدولة. وكذلك يُعد سارقا من يختلس أتربة من الطريق العام. كما تعتبر الآثار ملكا للدولة، فهي ليست من الأشياء المباحة حتى ولو لم يكن قد تم اكتشافها. فإذا عثر شخص على شيء من هذه الآثار مدفونا في الأرض وأخذه بنية الاحتفاظ به، فإنه يرتكب جريمة السرقة ( ).
كذلك فإن الماء الذي تضخه هيئة المياه إلى المنازل ليس من الأموال المباحة، بل هو مال عام مثله في ذلك مثل الكهرباء. وتقع باختلاسه جريمة السرقة كأن يحصل عليه الفاعل دون عداد أو خارج العداد أو بإيقاف العداد.
وعلى العكس من ذلك فإن ملكية الدولة للمناجم والمحاجر هي ملكية سياسية وليست ملكية خاضعة للقانون المدني. وبالتالي فإنه لا يعد سارقا من قام باستخراج رمال أو منتجات أخرى من هذه المحاجر دون أن يحصل على الترخيص اللازم . ولكن قد تقع جريمة بنص خاص في هذه الحالة إذا وجد هذا النص، وهي جريمة مزاولة هذا النشاط بدون ترخيص. أما إذا حددت جهة عامة منطقة عمل معينة باعتبارها ملكا لها، فإن جريمة السرقة تقع باختلاس شيء منها .
(ب) الأشياء المتروكة :
الشيء المتروك هو الشيء الذي يستغني صاحبه عنه بإسقاط حيازته له بنية إنهاء ما كان له من ملكية عليه. فيصبح بذلك المال المتروك مالا مباحا يجوز لأي شخص تملكه ولا يُعد ذلك من قبيل السرقة . وتطبيقا لذلك حكم بأنه إذا تراهن شخصان على إلقاء نقود في البحر، فألقى كل منهما ورقة بعشرة جنيهات، فإنه يُعد متنازلا عنها بمحض إرادته، فإذا أخذها شخص آخر، فإنه لا يعد سارقا( ). وبالمثل فإن القمامة بالشوارع هي من المتروكات حتى ولو تعاقد المجلس البلدي مع بعض الأفراد على جمعها وبيعها. فيلزم وضع اليد عليها حتى تعتبر ملك المجلس البلدي أو ملك المتعهد( ). غير أنه قُضي بوقوع جريمة السرقة ممن قام بالاستيلاء على إيصال في سلة المهملات بعد أن مزقه صاحبه وألقاه فيها. وقد انتقد الفقه هذا القضاء على أساس أن المالك قد تخلى عنه( ) .
وقد قُضي بأنه " لا يكفي لاعتبار الشيء متروكا أن يسكت المالك عن المطالبة به أو أن يقعد عن السعي لاسترداده ، بل لا بد من أن يكون تخليه واضحا من عمل إيجابي يقوم به مقرونا بقصد النزول عنه "( ). غير أننا لا نوافق هذا الاتجاه ، وينبغي أن يُترك لقاضي الموضوع سلطة تقدير توافر أو عدم توافر نية التخلي عن ملكية الشيء. وبناء عليه فإننا نرى أنه إذا أسفر حادث سيارة عن تحطمها كلية وتركها صاحبها في العراء مدة طويلة، فإن هذا السلوك السلبي من جانبه يدل على تخليه عن ملكية هذه السيارة ، فلا تقع السرقة ممن قام بسرقة أجزاء منها.
وبالتالي فإن الدفع بأن الشيء من المتروكات دفع جوهري ويتعين على المحكمة إيراده والرد عليه، فإذا تمسك المتهم بأن الشيء محل الاختلاس هو من المتروكات ( الدشت ) ولم يعد لها مالك بعد أن تخلت عنها الحكومة، ثم أدانته المحكمة بسرقتها دون أن تتعرض لهذا الدفع وترد عليه، فإن حكمها بذلك يكون معيبا لإخلاله بالحق في الدفاع ( ). ذلك أن دفاع المتهم قد تعلق بشرط في الجريمة هو ملكية الشيء المنقول .
(جـ) الأشياء المفقودة :
لا تعتبر الأشياء المفقودة أشياء متروكة، ذلك أن قصد التخلي عنها غير قائم. ومن ثمّ فإنها تبقى مملوكة لصاحبها. بل إن قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية التي يقررها القانون المدني لا تسري على الأشياء الضائعة. فالمادة (1326/ 1 ) من القانون المدني الاتحادي تنص على أنه " 1 – استثناء من أحكام المادة السابقة يجوز لمالك المنقول والسند لحامله إذا كان قد فقد أو سرق منه أو غصب ان يسترده ممن حازه بحسن نية خلال ثلاث سنوات من تاريخ فقده أو سرقته أو غصبه وتسري على الرد أحكام المنقول المغصوب .2 – فإذا كان من يوجد الشيء المسروق أو الضائع أو المغصوب في حيازته قد اشتراه بحسن نية في سوق أو مزاد علني أو اشتراه ممن يتجر في مثله، فإن له أن يطلب ممن يسترد هذا الشيء أن يعجل له الثمن الذي دفعه".
وقد تدخل المشرع في خصوص الأشياء الضائعة وأورد بخصوصها نصا خاصا يعاقب على التقاطها بسوء نية بوصف ذلك خيانة أمانة. فتنص المادة (405) عقوبات اتحادي على أنه " يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بالغرامة التي لا تجاوز عشرين ألف درهم كل من استولى بنية التملك على مال ضائع مملوك لغيره أو على مال وقع في حيازته خطأ أو بقوة قاهرة مع علمه بذلك " .ويختلف حكم الأشياء الضائعة بحسب فروض ثلاثة :
الفرض الأول : العثور على الشيء الضائع والتقاطه بنية تملكه
الفرض الثاني : العثور على الشيء الضائع والتقاطه بدون نية تملكه أولا ثم توافر هذه النية فيما بعد .
الفرض الثالث : العثور على الشيء الضائع والتقاطه بدون نية تملكه وعدم رده بسبب النسيان أو الإهمال .
في الفرض الأول حسم القانون الاتحادي حكم هذه الحالة حيث جعل منها جريمة ملحقة بجريمة خيانة الأمانة ؛ فقد ورد التجريم بخصوصها في المادة (405) عقوبات اتحادي بعد المادة (404) وكلاهما تحت عنوان " الفصل الثالث ) خيانة الامانة وما يتصل بها ".
أما في الفرض الثاني فإننا نرى أن الامر لا يخرج عن وصف خيانة الأمانة، استنادا إلى أن من يحوز الشيء الذي التقطه يلتزم بالمحافظة عليه وتسليمه للسلطات، فهذا نوع من الأمانة القانونية، مادام أن الملتقط يعتبره القانون أمينا على الشيء منذ أن عثر عليه ، فمن باب أولى يعتبر أمينا عليه بعد أن عثر عليه .
أما في الفرض الثالث حيث لم يتوافر لدى الملتقط نية التملك وإنما أهمل في الإبلاغ عنه، فإن الأمر لا يشكل جريمة حيث إن الجريمة من نوع الجريمة العمدية.
هذه القواعد العامة التي كان يمكن أن تنطبق لولا أن المشرع تدخل بنص خاص للتجريم عن التقاط الأشياء الضائعة وقد خالف في هذا النص بعض القواعد العامة واتفق مع بعضها الآخر .
د) المال الخارج عن التعامل :
يخرج المال من دائرة التعامل في حالتين تُثار فيهما صعوبة القول بتوافر محل السرقة ، وهما :
1- المال الخارج عن دائرة التعامل بطبيعته :
يخرج الشيء بطبيعته عن التداول إذا لم يكن من المتصور أن يكون محلا للحيازة كالهواء وأشعة الشمس، فهي من الأشياء غير القابلة للتملك أصلا.
ولا يصلح الإنسان محلا للسرقة، لأن السرقة ترد على شيء والإنسان ليس كذلك. فإذا أجبر شخص على الانتقال من مكان إلى آخر، فإن هذا الفعل يقع تحت طائلة التجريم بوصف الخطف وليس بوصف السرقة أو بوصف القبض بدون أمر من الحكام المختصين( مادة 344عقوبات إماراتي).
وتثُار هنا مشكلة تداول الأعضاء البشرية في صورة التبرع بكلية شخص أو بيعها إلى آخر. يُلاحظ أن أجزاء الإنسان أيضا ليست محلا للتداول، فالإنسان قيمة وليس شيئا، وكذلك فإن أعضاء جسمه لا تدخل في التعامل أيضا. أما ما يحدث من التبرع بكلية شخص إلى آخر مقابل مبلغ من المال، فإنه يقع تحت طائلة العقاب تحت وصف الجرح المفضي إلى عاهة مستديمة ( مادة 338عقوبات اتحادي ). والوضع يختلف بالنسبة لنقل الدم، حيث جرى العرف على جواز التعامل فيه ببيعه وشرائه، والعرف يصلح أن يكون سببا للإباحة. غير أن إجبار شخص على التبرع بالدم يقع تحت طائلة التجريم بوصفه نوعا من الإيذاء ( الضرب ).
ويبقى أن القيام بالأعمال الطبية على جسم الإنسان يبيح العمليات والتشخيص والعلاج، فممارسة الأعمال الطبية سبب من أسباب الإباحة( ).
ويُلاحظ أنه إذا تمّ فصل عضو نافع من أعضاء جسم الإنسان لإعادة زرعه أو للاحتفاظ به في المعامل لإجراء التجارب عليه أو الاستعانة به في شرح الدروس للطلبة، فإن هذه الأجزاء تعتبر شيئا وبالتالي فإنها تصبح محلا للسرقة.
أما بالنسبة لرفات الإنسان الميت، فإنه لا يسري على الاستيلاء عليها وصف السرقة ، ذلك أنها غير مملوكة لأحد. فمن ينبش أحد القبور ويستولي على جمجمة المتوفى أو جزءا من هيكله العظمي ليبيعها لطلبة كلية الطب يسري في حقه تجريم من نوع خاص وضعته المادة 316 عقوبات اتحادي والتي تنص على عقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة والغرامة التي لا تجاوز عشرة آلاف درهم أو إحدى هاتين العقوبتين لكل من انتهك حرمة مكان معد لدفن الموتى أو لحفظ رفاتهم أو انتهك حرمة جثة أو رفات آدمي أو دنسها مع علمه بدلالة فعله .
2- المال الخارج عن دائرة التعامل بحكم القانون :
لا يحول دون وقوع جريمة السرقة أن يكون المال محظورا حيازته كما هو الحال في المخدرات التي تُعد حيازتها جريمة. وعلى العكس من ذلك فإنها تصلح محلا للسرقة. فإذا قام أحد الأشخاص باختلاس قطعة من المخدرات من شخص آخر، فإن وصف السرقة بالإضافة إلى حيازة هذه المادة المخدرة ينطبقان مع تعدد حقيقي للجرائم.
وما يسري على حيازة المخدرات يسري أيضا على حيازة الأشياء المسروقة أو المتحصلة من جناية أو جنحة، " فسرقة هذه الأشياء يعاقب عليها على الرغم من أن حيازتها أيضا غير مشروعة .
- بيان المال محل السرقة في حكم الإدانة :
إذا كان من المتعين أن يحدد الحكم المال محل السرقة ، فإنه لا يشترط أن يحدد مقدار قيمته على وجه الدقة. كما أنه لا يعيب الحكم أن يكون مالك المنقول مجهولا لم يتم التعرف عليه، طالما أن فاعل الاختلاس ليس هو مالك هذا المنقول( ). والخطأ في ذكر اسم المالك لا يشوب الحكم بالعيب ولا يستوجب النقض لهذا السبب( ).

الفصل الثاني
أركان جريمة السرقة

تتكون جريمة السرقة من ركن مادي ومن ركن معنوي على ما سيلي بيانه.



المبحث الأول
الركن المادي في جريمة السرقة
يتكون الركن المادي في جريمة السرقة من نشاط ونتيجة. ولا تثير علاقة السببية مشكلات قانونية. لذا فإننا سوف نعالج النشاط في السرقة والذي يتمثل في الاختلاس، كما سنعالج النتيجة وهي انتقال المال محل السرقة إلى حيازة الفاعل .


المطلب الأول
الاختلاس في جريمة السرقة
نعالج في هذا المطلب مفهوم الاختلاس( في الفرع الأول ) وعدم رضاء المجني عليه( في الفرع الثاني ).


الفرع الأول
مفهوم الاختلاس
- المقصود بالاختلاس:
لم تحدد المادة 382 عقوبات اتحادي المقصود بالاختلاس، وإنما اكتفت بعقاب" كل من اختلس مالا منقولا مملوكا لغيره ". وقد شهد تحديد مفهوم الاختلاس تعديلا جوهريا، تحت تأثير التغيرات التي طرأت على صور التعامل اليومي في المنقولات.
فقد نادت النظرية التقليدية بأن الاختلاس هو نقل الشيء من مكانه ثم كانت نظرية جارسون في الحيازة التي اهتدى بها القضاء والفقه ردحا من الزمن، وأخيرا ظهرت بوادر لنظرية جديدة في الاختلاس تحدد مفهومه بأنه الظهور على الشيء بمظهر المالك .
- تطور مفهوم الاختلاس:
تطور مفهوم الاختلاس في السرقة بين مفهوم تقليدي وبين نظرية قال بها الفقيه الفرنسي جارسون وأخرى اتجه إليها القضاء حديثا في أوربا وتتلخص في الظهور على الشيء بمظهر المالك ، وذلك على الوجه التالي ؛
النظرية التقليدية : الاختلاس نقل لمنقول من مكانه
إذا كانت السرقة اعتداء على الملكية والحيازة، فإن الصورة التقليدية لهذا الاعتداء هي نقل الشيء من يد أو من منزل المجني عليه إلى يد الفاعل. ولهذا السبب فإنه يشترط في السرقة الحدية في الشريعة الإسلامية أن يكون المال موجودا في حرز( ).
ويتحقق نشاط الفاعل بنقل الشيء المسروق، أي بتصرف مادي مع توافر نية التملك. فإذا كان الشيء أصلا تحت سيطرة الفاعل، فإن الاختلاس لا يقع عندئذ.
يترتب على هذا التحديد لمفهوم الاختلاس أنه إذا نقل الفاعل الشيء ولم يكن لديه نية التملك، ثم توافرت بعد ذلك هذه النية، فإن الاختلاس لا يقوم نظرا لعدم تعاصر الركن المادي والركن المعنوي.
غير أنه سرعان ما اتضح عيب النظرية التقليدية، إذ يتواجد أحيانا الشيء في يد غير المالك، بل في منزله فيقوم بالاستيلاء عليه مع أنه ليس له إلاّ اليد العارضة. ويُعزى ذلك إلى تطور مقتضيات التعامل اليومي، حيث انتشرت ظاهرة التعامل الفوري في المنقولات وكذلك محلات السوبرماركت. وكان ذلك سببا في ظهور نظرية جارسون في الحيازة .
- نظرية جارسون في الحيازة:
لتلافي عيوب النظرية التقليدية التي تشترط أن يحدث نقل مادي للمنقول، دعا الفقيه جارسون إلى أن الاختلاس هو استيلاء الفاعل على حيازة المجني عليه بالإضافة إلى استيلائه على ملكيته .
ولإيضاح فكرته أقام جارسون التفرقة بين الحيازة من ناحية وبين اليد العارضة من ناحية أخرى. فالحيازة عنده هي إما أن تكون حيازة كاملة أو حيازة ناقصة. فإذا كان المتهم له الحيازة الكاملة للمنقول، فإنه يمتلكه وبالتالي لا يمكن أن يصدر الاختلاس منه. أما إذا كان المتهم له حيازة ناقصة على المنقول، فما يقوم به من تملك الشيء يشكل جريمة خيانة أمانة وليس سرقة .
وعلى ذلك فإن الحيازة بنوعيها تشتمل على عنصر مادي وعنصر معنوي. ففي حالة الحيازة الكاملة يتوافر العنصر المادي والعنصر المعنوي لنفس الشخص المالك، أما في حالة الحيازة الناقصة فإن العنصر المعنوي دون العنصر المادي هو الذي يتوافر في حق المالك . أما العنصر المادي فهو لشخص آخر هو الأمين على المنقول، كالمستأجر مثلا لسيارة، حيث إن له العنصر المادي دون العنصر المعنوي. فمالك هذه السيارة هو الذي له أصلا هذا العنصر ويتكون من نية تملك هذا المنقول.
أما اليد العارضة فهي اتصال عارض للمتهم على الشيء بحيث يمارسه تحت سيطرة الفاعل الذي لم يتخل عن العنصر المعنوي للحيازة ولا حتى على العنصر المادي لها. ومن أمثلة ذلك أن يقوم المشتري بفحص المنقول أمام البائع ليقرر ما إذا كان سيشتريه أم لا. فإذا لم يسمح البائع للمشتري أن يذهب بالمنقول، فإن ذلك يدل على أنه يريد أن يحتفظ أيضا بالعنصر المادي للحيازة. وما للمشتري عندئذ إلاّ اليد العارضة. فإذا فرّ بالمنقول، فإنه يُعد مختلسا له أي سارقا.
فيمكن تعريف الاختلاس وفقا لهذه النظرية بأنه اعتداء واقع ممن ليست له حيازة المنقول على ملكية وحيازة صاحب الحق في ذلك. فالفاعل قد لا يكون له اتصال بالمال وقد يكون له يد عارضة عليه فقط .
فلا سرقة إذا توافر الاعتداء على الملكية دون الاعتداء على الحيازة، كما لو استأجر شخص سيارة من آخر ورفض إعادتها إلى صاحبها بعد ذلك. وفي هذا تختلف جريمة السرقة عن جريمة خيانة الأمانة، كما لا تقع السرقة إذا تضمن الفعل اعتداء على الحيازة دون الملكية، كما لو استرد المالك مالا منقولا كان قد أجره لغيره قبل انتهاء مدة الإيجار. لذلك أورد المشرع نصا خاصا للعقاب على سرقة الأشياء المرهونة ( مادة 406/ 1 عقوبات اتحادي واختلاس الأشياء المحجوزة عليها ( مادة 406/ 2 عقوبات ) لأن نص السرقة لم يكن يشملها أصلا. وقد ثارت مشكلة الاستيلاء على الأشياء المفقودة وهل يعتبر التقاطها اختلاسا بالمعنى المعرف به في السرقة. وقد حسم المشرع الاتحادي هذا الأمر فأورد نصا جعل هذا الفعل من الجرائم الملحقة بخيانة الأمانة ( مادة 405 عقوبات اتحادي ).
- النظرية الحديثة : الظهور بمظهر المالك
بدأت إرهاصات ظهور نظرية جديدة في الاختلاس مع أحكام للقضاء الفرنسي تضمنت تفسيرا جديدا لإدخال المنقول في حيازة الفاعل والذي لا تقع الجريمة إلاّ به. فقد اعتبر القضاء الفرنسي أن من يستولي على الصحف والنشرات ويقوم بتمزيقها في الحال يرتكب جريمة السرقة( ). فبدلا من اعتبار ذلك من قبيل الإتلاف العمدي، فضل القضاء اعتبار ذلك مشكلا لجريمة سرقة، على أساس أن الفاعل عندما يقوم بهذا العمل فإنه يظهر بمظهر المالك على المنقول. ولا شك أن التحطيم والإتلاف مظهر من مظاهر الملكية كالتي يمارسها الفاعل على المنقول. فمن مظاهر الملكية الحق في التصرف، سواء أكان ذلك التصرف تصرفا ماديا أم تصرفا قانونية ( بالبيع مثلا ). غير أن ذلك التفسير يؤدي إلى طمس معالم التفرقة بين جريمة الإتلاف وبين جريمة السرقة، بحيث يؤدي إلى اختفاء جريمة الإتلاف، إذا اعتبرنا الإتلاف سرقة في جميع الحالات.
ثم كان تفشي ظاهرة الاستيلاء على السيارات الخاصة بشكل مؤقت من بعض الشباب للتنزه بها وتركها بعد ذلك. فاتجه القضاء إلى اعتبار أن هناك اختلاسا لبنزين السيارة، ولكن الأمر استقر في فرنسا على اعتبار أن السرقة ترد على السيارة نفسها، بسبب الظهور عليها بمظهر المالك، ولو أن ذلك كان بصفة مؤقتة. وقد حسم المشرع الإماراتي هذه المشكلة عندما أورد نصا خاصا لتجريم استعمال سيارة الغير دون رضاء منه . فتنص المادة (394) عقوبات اتحادي على أنه " يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبالغرامة التي لا تجاوز عشرة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استعمل سيارة أو دراجة بخارية أو ما في حكمهما بغير إذن أو موافقة مالكها أو صاحب الحق في استعمالها " .
ثم تأكد ذلك الاتجاه في تحديد مفهوم الاختلاس في حكم لمحكمة النقض الفرنسية اعتبرت فيه مختلسا العامل الذي قام بتصوير مستند ملك لرب العمل الذي يعمل عنده وتمسك بهذه الصورة في دعوى أقامها ضده. وقد استند الحكم إلى أن المتهم لم يستول على الأصل لنفسه إلاّ أنه عندما قام بتصويره قد ظهر عليه بمظهر المالك ومن ثمّ فإنه اختلسه وإن كان ذلك بصفة مؤقتة.
هذا الاتجاه الحديث هو الذي يمكن الاستعانة به للقول بسرقة المعلومات من الكمبيوتر. هذا الظاهرة الجديدة تتمثل في الاتصال بالأجهزة الآلية للشركات والجهات المختلفة والتي تختزن كل ما يهمها من أسرار العمل والصناعة وكذلك شروط دخولها للمزادات أو المناقصات. فتتجه أحكام للقضاء الفرنسي إلى وقوع جريمة السرقة عند استعمال هذه الأجهزة والقيام بنسخ معلومات موجودة فيها( ).
وقد أثار استخدام التقنيات الحديثة في التجارة الإلكترونية أي التجارة عبر شبكة الإنترنت مشكلات قانونية تتعلق باعتراض أرقام بطاقات ائتمان خاصة بالغير واستخدامها في سحب مبالغ مالية من حساباتهم : هل تقع جريمة معينة بهذا السلوك ؟ ما هي تلك الجريمة ؟ نعتقد أن التقاط تلك الأرقام لا يشكل جريمة حيث لا يتعلق الأمر بمال محسوس، كما أن ذلك لا يعد اختلاسا. ونعتقد أن هذا السلوك يسري عليه وصف النصب إذا استخدم الفاعل هذا الرقم في الاحتيال على أجهزة البنك وسحب تلك المبالغ باعتبار أن ذلك يشكل وسيلة احتيالية تتمثل في ادعاء صفة كاذبة وهي أنه صاحب الحساب. بيد أنه نظرا لاحتمال اختلاف الرأي حول هذا التكييف القانوني فإنه من المناسب أن يتدخل المشرع بتجريم هذا السلوك بنص خاص.
- لا عبرة بالوسيلة :
لا أهمية للوسيلة التي استعان بها الفاعل في ارتكاب السرقة. فقد يقوم بنفسه بهذا الفعل. وقد يستعين بواسطة بريئة، كما لو طلب عميل بالمطعم من أحد العاملين به عند خروجه أن يناوله معطفا معينا على أنه هو صاحبه. ومن ذلك أيضا أن يعثر شخص على شيء مفقود وفي نفس اللحظة يدعي آخر كذبا أنه يملكه ويتسلمه تحت هذا الزعم. وقد يستعين الفاعل بحيوان لإحضار المنقول تمهيدا للاستيلاء عليه .
غير أنه يتعين إقامة التفرقة بين وضعين ؛ الأول يعثر فيه شخص على شيء مفقود ويحوزه فترة من الزمن حتى يدعي شخص آخر أنه هو صاحبه، وبين الوضع الثاني حيث يدعي هذا الغير انه صاحب المنقول لحظة التقاطه. ففي الحالة الثانية يعتبر أن الفاعل قد التقط المنقول باستعمال واسطة بريئة. وهذا ما أكدته محكمة النقض المصرية. وفي الحالة الأولى تنشأ حيازة لمن يعثر على المنقول. فإذا ادعى شخص آخر كذبا أنه له فناوله إياه، فإن جريمة السرقة لا تقوم، ذلك أن الاختلاس ينتفي بالتسليم حتى ولو كان هذا التسليم وليد غلط . والتسليم النافي في الفرض الأول على عكس الفرض الثاني هو ما يصدر ممن له صفة على المال. هذه الصفة تتحقق ممن يملكه أو ممن يحوزه. ومن هنا فإن التسليم في الفرض الثاني غير ناف للاختلاس في السرقة، لأن ملتقط المنقول لم تتحقق له الحيازة قبل أن يلتقط منه شخص آخر المنقول .

- السرقة من جرائم الضرر :
السرقة من جرائم الضرر لأنها تقع بخروج المنقول من ملكية وحيازة صاحبه إلى ملكية وحيازة الفاعل. هذا الضرر عادة ما يكون ماديا. وقد يكون أيضا ضررا معنويا، كما في حالة سرقة الخطاب وغيره من الأشياء التي لها قيمة معنوية أو عاطفية. ومن ذلك ما قُضي به من وقوع السرقة ممن يقوم بتوصيل الكهرباء دون ترخيص بذلك من شركة الكهرباء، ومع ذلك يقوم بربط التيار بعداد صحيح يضعه بنفسه. فعلى الرغم من أن هناك عدادا وأن لا ضررا ماديا يقع على شركة الكهرباء، فإن ذلك يمثل ضررا معنويا يتمثل في إلزام شركة الكهرباء على التعاقد ( ).
- تمام السرقة بإخراج الشيء من حيازة المجني عليه وإدخاله حيازة أخرى:
لا سرقة بدون أن يتم إخراج المال من حيازة المجني عليه، أي من نطاق سيطرته عليه. وبناء على ذلك قُضي بأنه إذا نقل المتهم كمية من القمح من مخازن محطة السكة الحديد إلى مكان آخر في دائرة المحطة بعيدا عن الرقابة، ثم حضر ليلا وهو يحمل سلاحا ومعه آخرون وحملوا القمح إلى خارج المحطة حيث ضبطوا به، فإن هذه الواقعة تكون جناية السرقة فيما يتعلق بما قاموا به أخيرا. أما ما قاموا به من تحريك المنقول من مكان إلى آخر فإنه لا يمثل اختلاسا تتم به السرقة ( ).
وبالمثل فإنه لا سرقة بدون إدخال الشيء في حيازة الفاعل. فإذا اكتفى الفاعل بأن أخرج المنقول من حيازة المجني عليه دون أن يدخله في حيازته فإن السرقة لا تقوم. ومثال ذلك من يقوم بإتلاف المنقول وهو داخل حيازة المجني عليه أي دون أن يتمللكه. ومن ذلك أيضا أن يفتح شخص نافذة القفص للطائر فيغادره.
وإذا كانت السرقة من جرائم الضرر، فإن الشروع من جرائم الخطر إذا توقف نشاط الفاعل عند إخراج المنقول من حيازة صاحبه دون إدخاله في حيازة شخص آخر، أو إذا قام بنشاط يشكل بدءا في التنفيذ وفقا للمعيار الشخصي في الشروع الذي يأخذ به القضاء في مصر.
- تمام السرقة لا يقتضي الابتعاد بالشيء بالمسروق :
الاختلاس نقل لحيازة وملكية الشيء من حيازة وملكية المجني عليه إلى حيازة وملكية الفاعل، فليس من الضروري أن يبتعد الفاعل بالشيء المسروق. فقد ينتقل الشيء إلى حيازة وملكية الفاعل مع أنه لم يبرح المكان الذي وقعت فيه السرقة إذا كان تواجد الفاعل في هذا المكان مشروعا على نحو ما سوف نفصله في حديثنا عن تمام السرقة لاحقا.


الفرع الثاني
عدم رضاء المجني عليه
تمهيد :
الاختلاس نشاط يتمثل في استيلاء الفاعل على الشيء المسروق دون رضاء المجني عليه. وأحيانا يتم الاختلاس دون علم المجني عليه أي يتم خلسة. فالمعول عليه في وقوع الاختلاس هو عدم الرضاء وليس أخذ الشيء خلسة.
وعلى ذلك فإننا سوف نوضح تأثير الرضاء على هذا الاستيلاء الذي قد يتم بدون رضاء وقد يتم بالرضاء.
أولا – الاستيلاء على الشيء بدون رضاء صاحبه :
كل استيلاء على شيء مملوك للغير بدون رضاء يُعد اختلاسا. وقد يتخذ ذلك صورتين:
الصورة الأولى : الاختلاس خفية :
إذا تم الاستيلاء على مال مملوك للغير دون علم صاحبه أي خفية، فإن الفعل يُعد سرقة لعدم توافر رضائه.
الصورة الثانية : الاستيلاء مع علم المجني عليه وعدم قبوله
في هذه الحالة يقوم الفاعل بالاستيلاء على منقول مملوك للغير مع علم صاحبه ، سواء تمّ ذلك أمامه أو من وراء ظهره، ولكن دون رضاء منه.
ولا يقوم شك في الصورة الثانية على عدم رضاء صاحب المنقول إذا عبّر صراحة عن ذلك قبل استيلاء الفاعل على هذا المنقول، من ذلك السرقة بالإكراه التي تتم باستعانة المتهم بالإكراه المادي أو بالتهديد بالسلاح لإجبار المتهم على التخلي عن المنقول. ويُعد خطف المنقول من يد صاحبه مكونا للاختلاس في السرقة. تطبيقا لذلك قُضي بأنه إذا كان المتعاقدان " قد وقعا على عقد بيع أو أودع العقد مؤقتا لسبب ما لدى أمين ثم استولى عليه البائع بأن خطفه من المودع لديه، فإنه يُعد مرتكبا لجريمة السرقة، لأن هذا الإيداع ليس من شأنه في حد ذاته أن يزيل عن المشتري ماله من حق الملكية على العقد. وإذن فلا يجدي البائع احتجاجه بأن هذا العقد لا يدخل في ملك لمشتري إلاّ بعد قيامه بدفع المبلغ المتفق عليه، كما هو شرط الإيداع"( ).
أما إذا حدث الاستيلاء على المنقول أمام صاحبه بدون استعمال للقوة أو التهديد بها ولم يعبر المجني عليه عن اعتراضه وعدم موافقته واعتقد الفاعل أن صاحب المنقول يوافق على إعطائه للفاعل، فإن غلطا يقوم في شرط من شروط التجريم ( وهو عدم الرضاء ). هذا الغلط ينفي القصد الجنائي وفقا للقواعد العامة لقانون العقوبات وتنتفي بالتالي الجريمة إذا تخلف القصد، لأنها جريمة عمدية.
ثانيا – صور الاستيلاء على المنقول برضاء صاحبه :
القاعدة أن رضاء المجني عليه ليس سببا من أسباب الإباحة. هذا القول ينطبق على جرائم الأموال شأنها في ذلك شأن غيرها من الجرائم. وينطبق هذا بصفة خاصة على الرضاء اللاحق على وقوع الجريمة. فإذا وقعت جريمة السرقة، فإن تنازل صاحب المال عن حقه لا يحول دون وقوع الجريمة.
لكن الاختلاف بين جرائم الأموال وجرائم الأشخاص من ناحية فعالية رضاء المجني عليه يظهر في الفترة السابقة على وقوع الجريمة. فرضاء المجني عليه في جرائم الأشخاص بالفعل قبل وقوعه لا يحول دون قيام الجريمة، بينما يختلف الأمر بالنسبة للأموال، حيث يملك صاحب المال أن يتخلى عن ملكية المال للفاعل. فعدم الرضاء عنصر في جرائم الأموال( ). وهذا يحول دون وقوع جريمة السرقة أو النصب أو خيانة الأمانة أو الإتلاف.أما الحريق فإن التنازل عن الملكية للفاعل لا يحول دون وقوع الجريمة إذا كان الحريق عمديا لمكان مسكون أو معد للسكنى، لأنه لا يشترط في هذه الجريمة أن يكون المال مملوكا للغير.
وعلى هذا فإن فعالية الرضاء السابق للمجني عليه في جرائم الأموال ليس مرده أن الرضاء سبب من أسباب الإباحة، بل إن الرضاء هنا يعني تخلف شرط من شروط التجريم وهو أن المال مملوك للغير.
- التسليم وأثره على الاختلاس :
يحدث التسلم عادة بالمناولة من صاحبه إلى آخر. وقد يحدث بوضع المبيع تحت تصرف المشتري في عقد البيع، بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به دون عوائق، ولو لم يستول عليه استيلاء ماديا. ومن الطبيعي أن تختلف طريقة التسليم بحسب طبيعة الشيء المسلم. فنقل مبلغ من حساب إلى حساب آخر في البنك يُعد صورة من صور التسليم .
وقد يبدو لأول مرة أنه طالما سلم الشخص ماله إلى آخر، فإن جريمة السرقة لا يمكن أن تقع إذا قام هذا الأخير بالاستيلاء على المال. هذا القول لا يصدق في كافة الأحول، ويتعين التمييز بين نوعين من التسليم .
- التسليم الذي ينفي الاختلاس في السرقة :
يحول التسليم دون وقوع الاختلاس في السرقة إذا كان بناء على رضاء صحيح . وقد يحدث نفس الأثر إذا تم بناء على رضاء معيب .
- التسليم بناء على رضاء صحيح :
شروط صحة الرضاء الذي ينفي الاختلاس :
يشترط لصحة الرضاء الذي ينفي الاختلاس توافر عدة شروط :


1 – أن يصدر عن ذي صفة :
لكي ينتج التسليم أثره يتعين أن يصدر عن صاحب حق الملكية أو ممن له حيازة على المنقول. أما من له يد عارضة عليه، فلا يُعتد بالتسليم الصادر عنه. وفي هذا الصدد أقمنا التفرقة في حالة العثور على شيء مفقود بين من يدعي ملكية المنقول المفقود عندما يعثر عليه شخص آخر في الحال وبين من عثر على المنقول فترة قبل أن يدعي آخر أنه صاحبه. في الحالة الأولى لا تنشأ لمن عثر على المنقول إلاّ يد عارضة ولا يعتد بالتسليم الواقع منه. أما في الحالة الثانية ، فإن التسليم يُعتد به لأن حيازة نشأت له( ).
2 – أن يكون رضاء صريحا حقيقيا :
لا يعتد بالرضاء غير الصحيح من ناحية أثره الناقل. تطبيقا لذلك قُضي بأنه إذا كان المجني عليه قد تغافل عن المتهم بقصد إيقاعه وضبطه، فإن ذلك لا يعد صادرا عن رضاء صحيح. فالاختلاس يقع حاصلا بعلم المحني عليه في هذه الحالة. وعدم الرضاء لا عدم العلم هو الذي يهم في جريمة السرقة( ).
3– أن يكون صادرا عن شخص مميز :
إذا كان من صدر عنه التسليم غير مميز أو مجنونا فإنه لا يُعتد بالتسليم الواقع من جانبه ، لأن الرضاء منعدم عندئذ( ) .
أما إذا كان الشخص مميزا ولكنه قاصر، فإن التسليم الواقع منه يُعتد به وإن كان رضاءه غير صحيح ، طالما أنه موجود وقائم. وهذا يظهر الفارق بين الحماية التي يقررها القانون المدني، حيث يجيز إبطال العقد وبين الحماية التي يقررها القانون الجنائي بتجريمه للسرقة التي تمثل اعتداء على الملكية والحيازة.
4 – أن يكون الشخص عالما بالشيء المسلم :
لا يُعتد بتسلم شيء إذا لم يكن من سلمه يعلم بحقيقة وجود هذا الشيء، كما لو كان منسيا داخل شيء آخر. فقد قُضي بأنه إذا قام العميل في سوبر ماركت بإفراغ محتوى " كرتونة " معدة لتعبئة أشياء معينة أغلى ثمنا وقدمها إلى الخزينة على أنها تحتوي على المنقولات قليلة الثمن، فإن ما قامت به البائعة من تسليم له لا يعتد به ولا ينفي الاختلاس في السرقة( ). أما إذا قام العميل بنزع الثمن من على هذه الكرتونة ووضع ثمنا أقل ارتفاعا وقدمها إلى البائعة على هذا الأساس، فإن الأمر يتعلق بنصب وليس بسرقة( ).
أما إذا سلم صاحب المنقول إياه دون أن يكون عالما بقيمته، فإن التسليم يُعتد به لنفي الاختلاس، لأن إرادة التسليم قائمة. أما ما تخلف فهو العلم بقيمة هذا المنقول. فمن يوافق على بيع قطعة على أساس أنها غير أثرية ثم يتضح العكس بعد ذلك، فإن هذا لا يعتد به كسرقة .
- صور التسليم بناء على رضاء صحيح :
يحول التسليم دون وقوع الجريمة إذا كان ناقلا للحيازة الكاملة أو الناقصة. ويتحقق هذا الأثر حتى ولو كان التسليم معيبا.
- التسليم الناقل للحيازة الكاملة :
يتحقق هذا الغرض عندما يتخلى صاحب المنقول عن ملكيته لشخص ثان، فيأخذه. فلا اختلاس، فالحيازة الكاملة يقصد بها السيطرة المادية لشخص على شيء بنية تملكه، أي أنها تنطوي على عنصرين ؛ عنصر مادي وهو السيطرة المادية وعنصر معنوي وهو نية التملك . فإذا تخلى المالك عن الحيازة الكاملة بعنصريها إلى شخص آخر، فإن هذا الأخير لا يصدر منه سرقة إذا احتفظ بالشيء ورفض أن يرده إلى صاحبه الأول. فمن يعطي شخصا منقولا على سبيل الهبة ثم أراد استرداده من الموهب له، فإن هذا الأخير لا يرتكب الاختلاس في السرقة إذا احتفظ بالهبة ورفض أن يردها.
ومن مظاهر هذا التسليم الناقل للحيازة الكاملة ما تقوم به المطاعم من تقديم الوجبات الغذائية لروادها. فمن يتناول وجبة منها ويرفض دفع الثمن لا يرتكب الاختلاس في السرقة، حتى ولو كان ينوي أصلا أن يمتنع عن دفع ثمنها أو أن يفر هاربا. والسبب في ذلك يرجع إلى أن التسليم كان بقصد تمكين مرتاد المطعم من تناوله واستهلاكه. أما عدم دفع الثمن، فهو أصلا مخالفة لعقد مدني، ولذلك فإنه لا يشكل الاختلاس في السرقة. لذا يجرمه قانون العقوبات الاتحادي بنص خاص( مادة 395 عقوبات اتحادي).
ويُعد ناقلا للحيازة الكاملة أي للملكية تسلم المشتري للبضاعة على أن يقوم بدفع الثمن لاحقا أو بالتقسيط. فالملكية تنتقل هنا حتى قبل دفع الثمن. وبالتالي إذا تصرف المشتري في الشيء أو استهلكه قبل دفع الثمن، فإنه لا يُعد مختلسا له. فعدم دفع الثمن يُعد إخلالا بالتزام تعاقدي يندرج في دائرة القانون المدني. ويمكن أن يترتب عليه جزاء مدني مثل فسخ العقد، دون توافر شروط المسئولية الجنائية .
كما أن موافقة الدائن على إقراض مدينه يُعد ناقلا للحيازة الكاملة لقيمة هذا القرض له، فلا مجال لانطباق وصف السرقة على سلوك المدين الذي صدر منه غش. بل إن الأمر يمكن أن يشكل جريمة نصب في حالة اقتران تصرف المدين بوسائل احتيالية. أما في غير ذلك من حالات، فإن ذلك لا يولد سوى مسئولية مدنية.
- التسليم الناقل للحيازة الناقصة :
يُقصد بالحيازة الناقصة ممارسة العنصر المادي للحيازة دون العنصر المعنوي، أي السيطرة المادية على الشيء بشكل مستقل عن المالك. فهي ليست مجرد حيازة عارضة أي اتصال الشخص بالشيء تحت سمع وبصر صاحبه، بل إن الحائز يستقل بالشيء ويمارس عليه حقوق الاستعمال والانتفاع، دون أن يصل به الأمر إلى حد التملك. فالحيازة الناقصة تتجاوز الحيازة العارضة من ناحية سلطات الحائز في الاستئثار بالمنقول. ولكنها لا تصل إلى الحيازة الكاملة، لأن الحائز إنما يحوز الشيء بالنيابة عن ملكه. ومن أمثلة الحيازة الناقصة تلق الحائز الشخص للشيء بوصفه مستأجرا أو دائنا مرتهنا.
فإذا حاز الشخص الشيء حيازة ناقصة كمن يتسلم سيارة على سبيل الإيجار ثم يرفض ردها أي يبدل حيازته من حيازة ناقصة بوصفه نائبا عن مالكها إلى حيازة كاملة بحيث أصبح يعتبرها ملكا له، لا يعد مرتكبا لجريمة السرقة، بل لخيانة الأمانة. والسبب في ذلك يرجع إلى أن السرقة ليست اعتداء على الملكية فقط، بل هي اعتداء على الحيازة أيضا. هذا الاعتداء على الحيازة لا يتوافر إذا ما كان الفاعل يحوز المنقول حيازة ناقصة لأن له السيطرة المادية المستقلة عليه أصلا.
- التسليم بناء على رضاء معيب :
يُقصد بالتسليم المعيب تسليم الشيء بشكل ناقل للحيازة الكاملة أو الناقصة ولكت تحت تأثير الغلط أو التدليس من جانب الغير .
- التسليم بسبب الغلط :
يثور التساؤل هنا : هل ينتفي الاختلاس في السرقة بكل تسليم ناقل للحيازة الكاملة أو الناقصة ، حتى ولو كان صادرا عن غلط ؟
تقضي القاعدة العامة بأن الغلط عيب من عيوب الإرادة إذا كان هذا الغلط جوهريا، بحيث يصبح العقد قابلا للإبطال. وهذا هو الجزاء المدني للغلط. بيد أن الجزاء المدني مستقل عن الجزاء الجنائي، إذ القاعدة أن التسليم بناء على غلط يحول دون وقوع السرقة إذا احتفظ المستلم بالمنقول ورفض رده. فعدم صحة الرضاء لا يخفي حقيقة أن الرضاء قائم وموجود( ).
فطالما أن الشخص الذي صدر عنه التسليم مميز وعاقل، فإن الرضاء قائم وإن شابه عيب من عيوب الصحة. أما إذا كان غير مميز أو مجنونا، فإن الأمر يتعلق بأخطر من مجرد الغلط، إذ نصبح أمام حالة انعدام الإرادة أصلا.
وبالإضافة إلى توافر الإرادة، يلزم أن يصدر التسليم في حالة الغلط عن شخص له حيازة على المنقول، حتى يُعتد بالتسليم الصادر منه. فقد قُضي بأنه إذا عثر شخص على منقول مفقود وادعى آخر أنه له، فإن جريمة السرقة تقع طالما أن الادعاء بالملكية من الغير لم يكن في لحظة العثور على الشيء، أي طالما نشأت حيازة لمن قام بالتسليم بناء على غلط أوقعه فيه طرف آخر( ).
وقد يقع الغلط الذي ينفي الاختلاس في السرقة على شخص المستلم، وقد يقع على الشيء محل التسليم ذاته. ومن أمثلة الغلط في شخص المستلم أن يعطي شخص آخر منقولا معتقدا على غير الحقيقة أنه هو المشتري. ومن أمثلة الغلط في الشيء محل التسليم أن يرد شخص إلى آخر مبلغ خمسة جنيهات، فيخطئ في ذلك ويرد إليه عشر جنيهات. ففي كل هذه الأمثلة لا يُعد تسلم المنقول من الطرف الثاني بقصد تملكه اختلاسا مكونا للسرقة، لأن التسليم ينفي هذا الاختلاس، حتى ولو كان تسليما بناء على الغلط .
- التسليم بسبب الغش والتدليس :
يُقصد بالغش إيقاع الطرف الآخر في الغلط وإقناعه تحت تأثير ذلك بتسليم المنقول إلى الغير. وقد يقتصر الغش أو التدليس على مجرد الكذب على المتعاقد وإيقاعه بالتالي تحت تأثير الغلط. وقد يصل الأمر إلى درجة ممارسة وسائل احتيالية على الطرف الثاني، كما لو استعمل أوراقا مزورة لإقناع المتعاقد الآخر بتسلم المنقول. في هذه الحالة الأخيرة يُنسب إلى الفاعل جريمة النصب. غير أن القاعدة العامة تقضي بأن التسليم بناء على غش ينفي الاختلاس في السرقة طالما أن إرادة تسليم الشيء قائمة، لا يحول دون ذلك أن تكون غير صحيحة لأنها وقعت تحت تأثير غش( ).
ومن أمثلة التسليم الذي يتم تحت تأثير الكذب ما قُضي به من أنه لا يعد اختلاسا في السرقة ما صدر من المتهم الذي قدم للبائع في الظلام ورقة مالية أجنبية غير صالحة للاستعمال وأوهمه بأنها عملة وطنية بمبلغ معين وأخذ منه الباقي بعد تسلم الشيء المشترى ( ). كما قضُي بأنه إذا فقدت نعجة من قطيع من الحيوانات أو عثر عليها شخص آخر وجاء إليه من ادعى أنه المالك فأعطاه إياها، فإن التسليم بناء على الكذب لا يُعد اختلاسا في السرقة، على الرغم من أنه أخذ ما ليس له ( ) .
وإذا لم يكن وصف السرقة يسري على التسليم تحت تأثير الغش، فإن هذا السلوك يمكن أن يعاقب عليه بوصف النصب إذا وصل الغش إلى درجة الوسائل الاحتيالية، كما لو اصطحب المتهم شخصا آخر ليؤكد أنه هو المالك. فتدخل مزاعم المتهم من شأنه أن يصل بهذا الكذب إلى درجة الوسائل الاحتيالية التي يتطلبها تجريم النصب .
وقد يصدر الغش من شخص في مواجهة آلة، بحيث تعطيه تلك الآلة سلعة أو نقودا أو خدمات بطريقة غير قانونية. فيُثار هنا التساؤل عن التسليم الذي يحدث من هذه الآلة إلى الشخص الذي أوقعها في غلط ، كما لو أدخل فيها قطعا معدنية مكان النقود. هذا ما سنقوم بدراسته عند التعرض لموضوع التسليم من الأجهزة الآلية.

- التسليم الذي لا ينفي الاختلاس في السرقة :
لا يحول التسليم دون قيام الاختلاس في السرقة في حالتين :
الأولى : تسليم اليد العارضة ، والثانية ، التسليم داخل حرز مغلق .
الحالة الأولى : تسليم اليد العارضة
- المقصود به :
يُقصد بتسليم اليد العارضة أن يحوز الشخص منقولا تحت سمع وبصر صاحبه. هذا الأخير لا يُسمح له أن يمارس حيازة مستقلة على الشيء. فغرض مالك المنقول عادة هو اطلاع الغير على البضاعة أو على أحد المحررات. فإذا رفض هذا الغير أن يرد المنقول إلى صاحبه، فإنه يُعد سارقا .
تطبيقا لذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا بأن تسليم المال المختلس إلى الجاني لعاينته تحت إشراف مالكه وقيام الجاني بمغافلة صاحبه وفراره به يتوافر به ركن الاختلاس في السرقة( ).
ومن أمثلة تسليم اليد العارضة ما قُضي به من أنه إذا طلب المدين إلى دائنه إحضار سند الدين للاطلاع عليه والتأشير على ظهره بالمبلغ الذي سيدفعه وإعادته إليه بعد لك، ولكن هذا الأخير بدلا من أن يرده احتفظ به لنفسه، فإنه يرتكب الاختلاس المكوّن للسرقة( ). كما حُكم بأنه يرتكب جريمة السرقة المتهمة التي دخلت منزل المجني عليها وأخبرتها أنها تعرف في أمور الحمل وطلبت إليها أن تخلع كردانها وحلقها ووضعتهما في إناء به ماء أضافت إليه بعد ذلك دقيقا وعجنته وكلفتها بالخروج لإحضار بعضا آخر من الدقيق وحذرتها من العبث بالعجينة حتى تعود في الصباح. فما استبطأتها المجني عليها بحثت عن المصوغات فلم تجدها( ).
ومن صور تسليم اليد العارضة ما يُسمى بالتسليم الاضطراري في البيع والشراء. ويُقصد به تسليم المنقول إلى المشتري لفحصه تحت سمع وبصر البائع قبل أن يقرر شراءه. فإذا ما أخفى المشتري الشيء أو هرب به، فإنه يُعد مرتكبا للاختلاس المكوّن لجريمة السرقة، ذلك أن تسليم البضاعة هنا لا يخرجها من حيازة البائع . فكأن الشيء لم يُنقل إلى يد المشتري إلاّ بصفة عارضة.
- تحول اليد العارضة إلى حيازة حقيقية :
تقضي القاعدة العامة بأنه إذا بقي المنقول تحت سمع وبصر صاحبه، فإن الحيازة تبقى له ولا يكون لمن يتناوله من الغير إلاّ يدا عارضة. أما إذا سمح المالك أو الحائز للغير بالابتعاد بالمنقول عن المجلس، فإن حيازة حقيقية تنشأ لهذا الأخير. إلى وجهة النظر هذه اتجه القضاء المصري الذي حكم بأن الاختلاس في السرقة لا يقع من المتهم الذي تسلم مبلغا من النقود وسندا للتوقيع عليه بما يفيد ذلك التسليم، إذا سمح صاحب السند للمتهم ومعه المبلغ إلى خارج المجلس. فالحيازة هنا لم تصبح مجرد يد عارضة. وبالتالي فإنه إذا ما فضل عدم الرجوع بالمبلغ وأنكر أخذه أو رفض رد المبلغ، فإنه مع ذلك لا يعد سارقا، إذ القانون لا يحمي المال الذي يفرط صاحبه في حيازته على هذا النحو( ). كما قُضي بأنه إذا كان المجني عليه قد سلم المتهم خمسة جنيهات لإحضار مقابلها ورقة صحيحة من مكان بعيد فذهب ولم يعد واختلس المبلغ لنفسه، فإن هذه الواقعة تكون جريمة خيانة أمانة لا سرقة ( ).
غير أن القضاء الفرنسي تبنى وجهة نظر مختلفة عندما عوّل على نية صاحب المنقول وليس على وجود أو عدم وجود المنقول في المجلس أي أن القضاء أصبح لا يعول بصفة أساسية على البعد المكاني للمنقول بالنسبة لصاحبه وإنما على نية صاحب المنقول في عدم التخلي إلاّ عن يده العارضة عليه. تطبيقا لذلك قضي بأن جريمة السرقة تنسب إلى المتهم إلذي حصل على بضاعة من صاحبها ليقوم بوزنها في محل قريب ولكنه استولى عليها لنفسه( ). كما قُضي بوقوع الجريمة ممن أخذ آلة من صاحبها ليقوم بتجربتها لمدة لحظات معدودة ولكنه استولى عليها لنفسه( ). فالابتعاد عن مجلس صاحب المنقول لم ينشئ للغير حيازة على المنقول. فكأن صاحب المنقول لم يتخل للغير عن حيازة المنقول. بل إنه أراد أن يحتفظ بها وألا يترك لهذا الغير سوى يد عارضة على هذا المنقول. وبهذا أصبحت نية المالك هي معيار التفرقة في القضاء الفرنسي بين اليد العارضة والحيازة ، حيث تولد الأولى سرقة إذا اختلس الغير المنقول، بينما لا تولد الحيازة الناقصة سوى خيانة للأمانة( ).
- صور اليد العارضة :
ونقيم التفرقة في خصوص تسليم اليد العارضة بين صورتين :
الصورة الأولى : التسليم من فرد إلى فرد آخر :
في هذه الصورة يتسلم شخص من آخر شيئا تحت سمع وبصر صاحبه. كما لو تسلم سندا للاطلاع عليه ولكنه رفض أن يرده. هذا الفعل يمثل جريمة السرقة، طالما أن إعطاء صاحب السند لم يولد لمن تناوله سوى يد عارضة( ).
استنادا إلى نفس المنطلق قضى بأن جريمة السرقة لا تقع إذا سلم المتهم موظف البنك ( التسليف الزراعي ) ترخيصا معدا لصرف الدقيق، لكي يقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، على أن يقوم برده بعد الانتهاء منها( ). وانتفاء الاختلاس في السرقة مبنى هنا على أن المتهم كان مسموحا له بالخروج بعيدا عن سمع وبصر صاحب السند، بحيث لم تقتصر حيازته على مجرد الحيازة العارضة، بل أصبحت له حيازة ناقصة وبالتالي أصبح في حكم الوكيل الذي يمكن أن ينطبق على سلوكه وصف خيانة الأمانة وليس وصف السرقة.
ومن صور اليد العارضة في التعامل بين الأفراد بعضهم وبعض البيع بشرط واجب النفاذ في الحال. فإذا ما ناول صاحب المنقول هذا المنقول إلى المشتري ليدفع الثمن أو أن يترك المنقول، فإننا عندئذ نصبح أمام بيع بشرط واجب النفاذ في الحال وهو دفع الثمن. فلا يجوز التمسك بقاعدة أن الملكية تنتقل بمجرد التعاقد وقبل دفع الثمن. فهذا النوع من البيع معلق على شرط واجب النفاذ في الحال وهو دفع الثمن بحيث تعلق الملكية أيضا على شرط واقف وهو ما تسمح به قواعد القانون المدني نفسها( ).
الصورة الثانية : تسلم العامل لسيارة الشركة
إذا كان قضاء النقض في مصر يتجه إلى اشتراط أن تكون الحيازة تحت سمع وبصر صاحب المنقول حتى لا يكون لمستلم المنقول إلاّ يدا عارضة، فإنه اعتبر شارعا في سرقة سائق سيارة نقل بشركة الغاز حاول إفراغها خلسة في طلمبة أحد باعة البنزين دون علم الشركة. وقد استند الحكم إلى أن البنزين في صهريج السيارة لم يخرج من حيازة الشركة وبالتالي فإن يد السائق عليه يد عارضة فقط وليس له حيازة عليه ولو حيازة ناقصة( ).
ولا يختلف الأمر إذا كانت مهمة السائق هي توصيل بضاعة للشركة من مكان لآخر وقام السائق بالاستيلاء على بعض هذه البضاعة، طالما أن مندوبا عن الشركة قد تسلم هذه البضاعة وكان من المقرر أن يصطحب السائق إلى حيث يقوم بتوريدها. فما يصدر عن السائق هو الاختلاس في السرقة، بينما ما يصدر من مندوب الشركة هو الاختلاس في خيانة الأمانة. والفارق يكمن في أن السائق ليس أمينا على البضاعة التي ينقلها، هذا على خلاف أمين التوريدات. هنا يظهر الاعتداد بمعيار نية المجني عليه وهو المعيار الذي استلهم منه القضاء الفرنسي أحكاما عديدة له .
- تسليم المنقول داخل حرز مغلق:
قد يقوم شخص بتسليم آخر حقيبة مغلقة أو مظروفا مغلقا وبداخله منقول ذي قيمة أو مستندات ولا يسلمه مفتاح الحقيبة، كما أنه لم يسمح له بفض المظروف أو فتح الحقيبة. وفي حالة ثانية يقوم صاحب المنقول بتسليمه بقصد التخلي عن ملكيته لشخص آخر ولكنه ينسى شيئا آخر بداخله. فالحل يختلف في الفرضين :
الفرض الأول : تسليم الشيء الخارجي مغلقا
في هذا الفرض يقوم صاحب المنقول بتسليمه لشخص آخر على سبيل الأمانة كما لو أوكل إلى شخص مهمة المحافظة على حقيبة مقفولة، بها منقولات ولم يعطه مفتاحها وقام هذا الأخير بفتح تلك الحقيبة وسرقة موجوداتها. في هذا الفرض لم يتم تسليم ما بداخل الحقيبة. ولذلك ذهب قضاء النقض إلى وقوع جريمة السرقة ممن يقوم بفتح الحقيبة أو الخطاب واختلاس شيء مما هو بداخلها، استنادا إلى أن " تسليم المظروف مغلقا أو الحقيبة مقفلة بموجب عقد من عقود الائتمان لا يدل بذاته حتما على أن المستلم قد أؤتمن على ما هو بداخل المظروف أو على ما هو بداخل الحقيبة، لأن تغليف المظروف وما يقتضيه من حظر فتحه على المستلم أو إقفال الحقيبة مع الاحتفاظ بمفتاحها يُستفاد منه أن صاحبها لم يشأ أن يأتمن المستلم على المنقول الداخلي. ولهذا فإن اختلاس المظروف بعد فضه يصح أن نعتبره سرقة. بناء عليه قُضي بوقوع جريمة السرقة من عامل البريد الذي يفتح مكتوبين مسجلين ويختلس من كل منهما جنيها ( ).
الفرض الثاني: تسليم الشيء الخارجي
في هذا الفرض يقوم المالك بتسليم منقول على سبيل الحيازة الكاملة، كمن يهدي آخر بدلة ويعثر الموهوب له على مبلغ من النقود أو شيكا بداخله. ويثور التساؤل هنا حول استيلاء الموهوب له على هذا المنقول بنية التملك ، هل هو سرقة أم لا ؟
اختلف الفقه في هذا الموضوع بين آراء ثلاثة :
الرأي الأول : يعتبر هذا السلوك سرقة، استنادا إلى أن التسليم الذي ينفي الاختلاس كان واردا على البدلة دون ما بداخلها. وبالتالي فإن هذه النقود لم يتم تسليمها إلى الموهوب له. ويُعد الاستيلاء عليها اختلاسا مكونا لجريمة السرقة( ).
واتجه رأي ثالث إلى اعتبار هذا الشيء المنسي داخل منقول آخر من الأشياء المفقودة ، وهو ما يعتبره قانون العقوبات الإماراتي في حكم خيانة الأمانة( ).
ولا يصح انتقاد هذا التشبيه بين الشيء المنسي والشيء المفقود بحجة أن الأخير لا يُعرف صاحبه، على خلاف الشيء المنسي. غير أن ذلك مردود عليه بأن الشيء المفقود قد يُعرف صاحبه ولا يؤثر ذلك على الالتزام بالرد. ويعزز هذا الرأي أن المادة 405 عقوبات اتحادي نفسها لم تشترط أن يكون صاحب الشيء المفقود غير معروف، ذلك أن صياغة المادة عامة وشاملة : " كل من استولى بنية التملك على مال ضائع مملوك لغيره أو على مال وقع في حيازته خطأ أو بقوة قاهرة ... ".




المطلب الثاني
النتيجة في جريمة السرقة
- السرقة جريمة ضرر :
جريمة السرقة جريمة ضرر وليست جريمة خطر، ومن ثمّ فإن هذه الجريمة لا تقع تامة إلاّ بحدوث النتيجة المادية في تلك الجريمة. هذه النتيجة هي خروج الشيء المسروق من ملكية وحيازة صاحب الحق فيه إلى ملكية وحيازة الجاني.
- لحظة تمام جريمة السرقة :
تقع السرقة تامة من اللحظة التي تتوافر فيها أركانها مكتملة من ركن مادي وركن معنوي. ولتحديد لحظة تمام الجريمة أهمية بالغة. فمن ناحية يستحق الفاعل عقوبة الجريمة إذا تمت ولا يستحق إلاّ عقوبة الشروع إذا وقفت عند حد الشروع. هذا مع افتراض أن القانون يعاقب على الشروع وهو ما يتوافر في حالة السرقة. ومن لحظة تمام الجريمة يبدأ احتساب مدة التقادم ، كما أنه لا يجوز الدفاع الشرعي بعد تمام الجريمة.
وتعتبر جريمة السرقة قد تمت من اللحظة التي يصبح فيها الشيء تحت تصرف المتهم، بحيث يمكن القول بأن هذا المنقول قد خرج من حيازة المجني عليه إلى حيازة المتهم. وفي هذا قضت محكمة النقض بأنه " لا سرقة تتم إلاّ بالاستيلاء على الشيء المسروق استيلاء تاما يخرجه من حيازة صاحبه ويجعله في قبضة السارق وتحت تصرفه "( ). وبناء على ذلك قُضي بأنه إذا نقل المتهم كمية من القمح من مخازن محطة السكة الحديد إلى مكان آخر في دائرة المحطة بعيدا عن الرقابة ثم حضر ليلا وهو يحمل سلاحا ومعه آخرون وحملوا القمح إلى خارج المحطة حيث ضبطوا به، فإن هذه الواقعة تكون جناية السرقة فيما يتعلق بما قاموا به أخيرا. أما ما قاموا به من تحريك المنقول من مكان إلى آخر، فإنه لا يمثل اختلاسا تتم به السرقة( ).
وبالمثل فإن السرقة لا تتم بدون إدخال الشيء في حيازة الفاعل. فإذا اكتفى الفاعل بأن أخرج المنقول من حيازة المجني عليه دون أن يدخله في حيازته، فإن السرقة لا تقوم. ومثال ذلك من يقوم بإتلاف المنقول وهو داخل حيازة المجني عليه أي دون أن يمتلكه. من ذلك أيضا أن يفتح شخص نافذة القفص للطائر فيغادره .
وعلى هذا فإن جريمة السرقة تتم إذا تحققت الحيازة الهادئة بما تتضمنها من سيطرة المتهم على الشيء المسروق. وليس من اللازم لوقوع السرقة تامة أن يغادر المتهم المكان الذي سرق منه على ما سيلي بيانه :
- هل تمام السرقة يقتضي الابتعاد بالمال المسروق:
للإجابة على هذا التساؤل، يتعين إقامة التفرقة بين طريقة دخول المكان، على الوجه التالي :
أ ) الدخول غير المشروع إلى المكان :
إذا دخل المتهم منزلا دون إذن صاحبه وسرق منقولات منه وفي أثناء مغادرته مكان الجريمة شاهده الجيران وتتبعوه بالصياح وهو يجري حتى لحقوا به، فإن جريمة السرقة لا تكون قد تمت ويسأل الفاعل عن شروع في سرقة.
ب ) الدخول المشروع إلى المكان :
إذا دخل المتهم المكان بإذن من صاحبه، فإن جريمة السرقة يمكن أن تقوم على الرغم من أن الجاني لم يغادر المكان. من ذلك أن محكمة النقض قضت بأنه إذا كانت الواقعة هي أن صراف المديرية تسلم بعض رزم الأوراق المالية من البنك الأهلي ووضعها على منضدة بجواره وشغل بتسلم باقي الأوراق فاغتنم المتهم هذه الفرصة وسرق رزمة منها وأخفاها تحت ثيابه ولما افتضحت السرقة ألقاها خلف عمود يبعد عن محل وقوفه، حيث وجدها أحد عمال البنك، فإن هذه الواقعة تعتبر سرقة تامة( ).
- السرقة جريمة وقتية:
السرقة جريمة وقتية تتحقق فيها النتيجة كما تقول محكمة النقض " بالاستيلاء على الشيء المسروق استيلاء تاما يخرجه عن حيازة صاحبه ويجعله في قبضة السارق وتحت تصرفه "( )، أي بإخراج الشيء من حيازة صاحبه إلى حيازة السارق .
ومعنى هذا أن جريمة السرقة جريمة وقتية. والعبرة في تحقق الجريمة بتحقق نتيجتها ؟ فهي التي تحدد مكان وقوع الجريمة وزمان وقوعها. والمعروف أن لذلك أهميته في تحديد عقوبة الجريمة : هل هي عقوبة الجريمة التامة أو عقوبة الشروع ؟ وتكمن الأهمية أيضا في تحديد بدء سريان التقادم وتحديد الاختصاص المكاني.
ويُلاحظ أيضا أن تحديد النتيجة هو الذي يبين ما يدخل في تكوين الجريمة وما يعتبر من آثارها. فإذا تمت الجريمة وقد أخرج الفاعل الشيء المسروق من حيازة صاحبه وأصبح يسيطر عليه بحيازة هادئة بأن أخفاه في مكان يعرفه هو وحده، فإنه لا يرتكب سرقة جديدة إذا عاد في اليوم التالي ليأخذ الشيء المسروق. فالسرقة لا تتكرر عند محاولة نقل الشيء المسروق أو جزء منه من مكان إلى مكان آخر. فإذا كان الحكم المطعون فيه قد أدان الطاعن بوصف السرقة عن واقعة تمت في الليلة التالية للسرقة عندما حاول نقل الشيء المسروق بعد أن سبق أن أخفاه، فإن الحكم يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يتعين نقضه والإحالة( ). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التوبة الإيجابية تصبح غير فعالة إذا تمت بعد وقوع الجريمة. فمن يرد الشيء المسروق بعد أن سرقه بالفعل وتحققت حيازته الهادئة عليه لا يعتبر سلوكه هذا عدولا اختياريا ينفي الجريمة والشروع فيها، بل هو من قبيل التوبة الإيجابية التي لا تحول دون وقوع الجريمة، وإنما يأخذها القاضي عادة في تقدير العقوبة. ومن ناحية ثالثة ، فإنه عندما تنتهي جريمة السرقة ويقوم الفاعل فيها بإخفاء الشيء المسروق، فإنه لا يُسأل عن هذه الجريمة لأن الأمر يتعلق بتعدد للجرائم مع ارتباط لا يقبل التجزئة. غير أنه إذا تقادمت جريمة السرقة، فإنه لا شيء يحول دون مساءلة الفاعل عن جريمة إخفاء أشياء مسروق إذا ظل محتفظا بهذه الأشياء. والمعروف أن هذه الجريمة مستمرة، وبالتالي فإن تقادم الدعوى عنها لا يبدأ إلاّ بعد التخلي عن الأشياء المسروقة. ومعنى ذلك أن الدعوى الجنائية عن السرقة قد تتقادم في حين يمكن إقامة الدعوى الجنائية عن إخفاء الأشياء المسروقة فقط .
وإذا وقعت السرقة تامة فإنه لا عبرة برد الجاني للمال بعد سرقه. بناء عليه قضت محكمة التمييز بدبي بوقوع السرقة تامة بمجرد أخذ الجاني للمال ممن كان في حيازته بغير رضاه بغض النظر عن استبقائه له بعد ذلك وإعادته لمن كان حائزا له( ).
وإذا كان الأصل في جريمة السرقة أنها وقتية بطبيعتها وليست جريمة مستمرة، فإن النشاط فيها قد يتجدد مع الوقت، بسبب ظروف الدعوى. فإذا كان الأمر يتعلق بسرقة تيار كهربائي، فإن الواقعة تتجدد مع استمرار الحصول على التيار بدون ترخيص( )، وهذا يجعل الجريمة من الجرائم المتتابعة في رأينا وليس من الجرائم المستمرة .
- الشروع في سرقة :
للتمييز بين جريمة السرقة تامة وجريمة الشروع في سرقة أهمية من ناحية تحديد العقوبة واجبة التطبيق؛ فهي في حالة الشروع في السرقة نصف المدة المقررة للجريمة التامة ( مادة 392 عقوبات اتحادي ). كما أن العدول الاختياري يحول دون وقوع جريمة الشروع إذا تم بعد البدء في التنفيذ وقبل تمام الجريمة، أي أنه يبقى غير ذي أثر إذا حدث بعد وقوع الجريمة.
وحيث إن القواعد العامة تقضي بأن الشروع في الجنح غير معاقب عليه إلاّ بنص صريح في القانون، على خلاف الحال في الجنايات التي يعاقب على الشروع فيها دائما، فإنه يلزم نص بذلك للعقاب على الشروع في جنح السرقة، وهو ما فعلته المادة 321 عقوبات.
ولما كانت النظرية السائدة في تحديد مفهوم البدء في التنفيذ فقها وقضاء هي النظرية الشخصية وليس النظرية المادية، فإنه لا يشترط لكي يُسأل المتهم عن شروع في سرقة أن يضع يده على الشيء محل الجريمة، بل يكفي أن يكون قد اتخذ من الأنشطة ما يجعل ارتكاب الجريمة حالا ومباشرة. فمن ضبط وهو يقوم بثقب جدار منزل أو بتسوره يُعد ولا شك شارعا في سرقة إذا كان قصده هو السرقة. وبناء على ذلك فقد قُضي بأن من فتح منزلا لسرقة ماشية ودخل الحوش الموجود فيه الماشية وتم ضبطه في هذه الحالة، فإنه يُعد مسئولا عن شروع في سرقة ( ). كما أن من فتح باب سيارة بقصد السرقة، فإنه يُعد شارعا ( ) .
بل أكثر من ذلك فإن المعيار الشخصي يقضي بأنه إذا ضُبط شخص على سلم منزل مسكون متجها إلى السطح للسرقة منه ومعه أدوات تُستعمل في فتح الأبواب وكسرها، فإنه يُعد شارعا في سرقة، لأن الأفعال التي صدرت من الطاعن قد تعدت الأعمال التحضيرية إلى الأعمال التي تؤدي حالا ومباشرة إلى ارتكاب جريمة السرقة ( ) .
وفي الشروع لا يقوم المتهم بنقل الشيء المسروق خارج حيازة صاحبه، لأنه لو أتمم هذا الفعل لأصبحت السرقة تامة. تطبيقا لذلك قُضي بأنه يُعد شارعا في سرقة العامل بورشة السكك الحديدية الذي قام بنقل سبائك تخص المصلحة من مكان معين إلى مكان آخر داخل الورشة بقصد سرقتها( ). وقُضي أيضا بوقوع الشروع في السرقة من الطاعن الذي كسر قفل باب مخزن المستشفى العام وأخذ بعض البطاطين منه وحملها إلى العنبر الذي يشتغل ممرضا به حيث أخفى بعضها فوق أسرة المرضى والبعض الآخر تحت فراش تلك الأسرة( ). كما قُضي أيضا بأنه إذا نقل المتهم كمية من القمح من مخازن محطة السكة الحديد إلى مكان آخر في دائرة المحطة بعيدا عن الرقابة ثم حضر ليلا وهو يحمل سلاحا ومعه آخرون وحملوا القمح إلى خارج المحطة حتى ضبطوا به، فإن الواقعة تكون جناية سرقة بالنسبة للمتهم ولزملائه، لأن القمح لم يكن عند نقله من المتهم بمفرده له قد خرج من حوزة السكة الحديد( ).
بل إن الشروع يقوم حتى في حالة عدم وجود المنقول في مكانه. فمن يضع يده في جيب غيره لسرقة ما يمكن أن يوجد به من نقود ولكنه وجده خاليا، يرتكب جريمة الشروع في سرقة لأن عدم وجود محل الجريمة في مكانه يجعل الجريمة مستحيلة استحالة نسبية لا استحالة مطلقة( ).


المبحث الثاني
الركن المعنوي للسرقة
- السرقة جريمة عمدية :
يعني ذلك ضرورة توافر القصد الجنائي. فلا تقوم الجريمة عند توافر الخطأ غير العمدي كأن يأخذ المتهم منقولا وهو يعتقد أنه ملك له. فالاختلاس كنشاط في الجريمة لا يقوم في هذه الحالة.
غير أن القصد الجنائي في السرقة ليس فقط القصد الجنائي العام، بل يُضاف إليه قصد جنائي من نوع خاص.
- القصد الجنائي العام:
يُقصد بالقصد الجنائي العام العلم والإرادة. فيجب أن يحيط علم الجاني بكافة أركان الجريمة وشرطها المفترض ( المسبق ). فإذا لم يكن عالما أنه يستولي على منقول مملوك للغير،كما لو أخطأ فأخذ حقيبة الغير بدلا من حقيبته المجاورة لها( ). وقد يخطئ الفاعل فيعتقد أن صاحب الشيء يوافق على فعله أو أن هذا المنقول هو أصلا ملك له. وقد يكون هذا الاعتقاد مبنيا على خطأ في القانون المدني، كما لو استرد البائع الشيء المبيع من المشتري الذي لم يدفع الثمن وهو معتقد أن عدم دفع الثمن يحول دون انتقال ملكية المنقول، لجهله أن الملكية تنتقل بمجرد العقد وقبل دفع الثمن وفقا لقواعد القانون المدني، وتقضي لقاعدة العامة بأنه يجوز الاعتذار بجهل قانون آخر غير قانون العقوبات ( ).
- القصد الجنائي الخاص:
لا يكتفى في جريمة السرقة بوجود القصد الجنائي العام، بل يشترط أيضا توافر قصد جنائي خاص بأن ينوي الفاعل تملك المنقول عندما استولى عليه. فالاستيلاء نوعان: استيلاء بنية التملك واستيلاء بدون نية التملك. فالقصد الجنائي الخاص يرمي إلى أبعد من قصد يتجه إلى النشاط في السرقة وهو الاستيلاء أي أخذ المال المنقول .
ويُلاحظ أن نص المادة 382 عقوبات اتحادي جاء خلوا من ذكر القصد الجنائي الخاص عندما أورد عبارة " باختلاس مال منقول مملوك لغير الجاني "، ومع ذلك فإن الفقه والقضاء يتطلبان أن يكون الفاعل منتويا تملك ما استولى عليه. فلا تقع السرقة إذا أخذ شخص كتاب لغيره ليقرأه ويعيده بعد ذلك.
ويترتب على اشتراط القصد الجنائي الخاص في السرقة أن السرقة لا تقع من الخادم الذي يتظاهر بالاشتراك مع اللصوص في سرقة منزل سيده لضبطهم متلبسين ( ).
- نية التملك مؤقتا :
أثارت ظاهرة الاستيلاء على السيارات فترة معينة للتنزه بها والتخلي عنها بعد ذلك مشكلة قانونية من ناحية توافر أو عدم توافر نية التملك. فمن الواضح أن الفاعل لا يأخذها بنية تملكها نهائيا ولكن للتنزه بها فقط( ). ومن ثمّ فإنه كان يصعب وصفها بالسرقة. وقد تدخل المشرع الاماراتي وحسم المشكلة وجرم مثل هذا السلوك بوصفه جريمة معاقب عليها بنص خاص من الجرائم الملحقة بالسرقة( مادة 394 عقوبات ).
وتوافر نية الرد يفيد عادة عدم توافر نية التملك وبالتالي انتفاء الركن المعنوي للجريمة . تطليقا لذلك قُضي بأنه من حاول انتزاع طبنجة من كونستابل البوليس بقصد حرمانه منها مؤقتا حتى يعجز عن مطاردته والقبض عليه لا يرتكب السرقة( ). ولا تقوم الجريمة إذا جرد المتهم شخصا من سلاحه لا بنية تملكه ولكن خشية الاعتداء عليه به حتى ولو أخفى السلاح بعدئذ وأنكر حيازته دفعا للتهمة( ).
أما إذا استولى الدائن على مال لمدينه ضمانا لدين له عليه، فإن ذلك يثير مشكلة قانونية حول اعتبار ذلك بمثابة سرقة، مع العلم بأن الفاعل يعترف بملكية الغير لهذا المنقول .
وقد اتجه القضاء في مصر إلى عدم وقوع السرقة ممن استولى على شيء ضمانا لدين له ليرغمه على الوفاء به( )، مثله في ذلك مثل من انتزع الطبنجة من الكونستابل لإعاقته عن اللحاق به والقبض عليه ( ) .
وعلى العكس من ذلك صدرت أحكام تشير إلى وقوع جريمة السرقة في حالات مماثلة. فقد قُضي بأنه " إذا علل المدين احتفاظه بالسند على الرغم من إرادة الدائن بأنه لم يقصد تملك السند، بل قصد بالاستيلاء عليه تهديد الدائن لحمله على أن يخصم له كذا جنيها بدعوى أنه غش في البيع الذي كان من نتيجته تحرير هذا السند، فإن هذا التعليل لا يخليه من المسئولية الجنائية، لأن طلبه هو تحكم منه في الدائن لا يستند إلى أي أساس واستبقاؤه السند ومساومته على الحصول على هذا المبلغ الذي لا حق له فيه يُعد اختلاسا بنية سلب المال المختلس وهي النية الواجب توافرها قانونا في جريمة السرقة ( ).
ويتجه القضاء الفرنسي إلى وقوع السرقة، استنادا إلى الظهور على الشيء بمظهر
المالك ولو مؤقتا ( ).فقد قُضي بوقوع السرقة من المدين الذي ينتزع – ضمانا لدينه – مالا من المدين دون رضائه ( ). كما قُضي بأنه يرتكب السرقة العامل في متحف الذي استولى على بعض المعروضات فيه لكي يظهر أن وسائل حماية المتحف كانت قاصرة في الحيلولة دون سرقة المعروضات ( ).
هذا الاتجاه على الرغم من بعض التحفظات التي ترد عليه والتي مردها أن الفاعل يعترف بملكية الغير للمنقول أخذ يتأكد في الوقت الحاضر، حيث بدأت في الظهور مواد معينة غير مجسمة مثل المعلومات التي يمكن الاستفادة منها كلية في وقت قصير من الزمن. ولذلك فإن فكرة الظهور بمظهر المالك ولو مؤقتا على الشيء أصبحت مرشحة لكي تحل محل نظرية جارسون في الحيازة في حالات ليست بالقليلة مثل تصوير المستندات ونسخ المعلومات المخزنة في الكمبيوتر .
ومع ذلك فإننا نرى أن هناك فروضا ليست بالقليلة يمكن، بدلا من الاستعانة بتجريم السرقة أن نستعين فيها بالتجريم الوارد بالمادة 326 عقوبات والتي تعاقب كل من حصل بالتهديد على إعطائه مبلغا من المال أو أي شيء آخر بالحبس. ويُلاحظ أن نفس المادة تعاقب على الشروع في ذلك بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين، وهو ما يمكن أن يسري على سلوك الدائن قبل أن يحصل على ضمان من مدينه .

- تعاصر القصد الجنائي مع الاختلاس :
تقضي القواعد العامة بضرورة التلازم بين الركن المادي والركن المعنوي أي بين الاختلاس وبين نية التملك. ومعنى هذا فإنه إذا أخذ شخص شيئا بطريق الخطأ ولكنه عندما اكتشف هذا الخطأ فضل الاحتفاظ به وعدم رده توافرت فيه نية التملك في لحظة لاحقة، من ثمّ لا تقوم السرقة لعدم معاصرة القصد الجنائي للنشاط ( ).
وحقيقة الأمر أن النشاط نفسه لم يتوافر في الفرض السابق، إذ إن الاختلاس نفسه غير قائم. فما يوجد هنا هو الأخذ ثم الاحتفاظ بالشيء وليس الاختلاس. ولكن يلاحظ هنا أن المنقول يظل مملوكا للغير. فإذا تصرف فيه هذا الشخص فإنه يرتكب جريمة النصب ووسيلته التصرف في ملك الغير.
وقد أثار التقاط الشيء المفقود بعض الصعوبات القانونية فيما يتعلق بمعاصرة القصد الجنائي للنشاط في حالة ما إذا التقط شخص هذا الشيء منتويا رده إلى صاحبه أو إبلاغ الشرطة أو الجهة الإدارية، لكن نفسه حدثته بعد ذلك أن يحتفظ به لنفسه. فلا يتوافر التعاصر بين النشاط والقصد الجنائي. ويمكن أن نطرح السؤال أكثر دقة ، كالآتي : متى يتوافر الاختلاس؟ هل يقوم عند توافر نية التملك بعد التقاط الشيء ؟
نرى في هذا الفرض أن الأمر يتعلق بجريمة خيانة أمانة استنادا إلى أن المشرع الإماراتي اعتبر التقاط هذه الأشياء بنية تملكها جريمة خيانة أمانة، أي أن الملتقط أمين بنص القانون .

- بيان القصد الجنائي في حكم الإدانة :
تطرد أحكام القضاء على أن " التحدث عن نية السرقة استقلالا ليس شرطا لازما لصحة الحكم بالإدانة في جريمة السرقة ما دامت الواقعة التي أثبتها الحكم تفيد تعمد اقتراف الفعل المكون للجريمة عن علم وإدراك "( ). فطالما أن هذه النية ليست محل نزاع وجدال من جانب المتهم، فإن أخذ منقول مملوك للغير مع العلم بأنه مملوك للغير يفيد توافر نية التملك بالضرورة.
أما إذا جادل المتهم وادعى أنه لم يقصد تملك المنقول المملوك للغير، فإن على المحكمة أن تتعرض لدفاعه إيرادا وردا وإلاّ اعتبر حكمها مخلا بالحق في الدفاع وأصبح متعينا نقضه( ).
فإذا ادعى المدعي أنه لم يقصد السرقة وإنما الانتفاع بالشيء بعض الوقت ورده ثانية إلى صاحبه كان واجبا على المحكمة أن تحقق دفاعه. فهي إما أن تقتنع به وتحكم ببراءته، أو لا تقتنع به إذا اطمأنت إلى أن المتهم كان ينوي تملك هذه الأشياء فتحكم عليه بالإدانة( ). وعلى أية حال لا يجوز للمحكمة أن تتجاهل دفاع المتهم فلا ترد عليه إذا كان دفاعا جوهريا يتعلق بتوافر شروط التجريم أو العقاب. وهي إن فعلت يكون حكمها مشوبا بالقصور مستوجبا النقض( ) .
تطبيقا لما سبق قضت محكمة تمييز دبي بأن التحدث عن نية التملك شرط لازم لصحة الحكم بالإدانة في جريمة السرقة متى كانت النينة محل شك في الواقعة المطروحة أو كان الجاني يجادل في قيامها لديه ( ).

الفصل الثالث
العقاب عن السرقة غير المشددة
والسرقة المشددة

يختلف العقاب المقرر للسرقة بحسب ما إذا كانت السرقة غير مصحوبة بظروف مشددة أو كانت من النوع المشدد مثل السرقة بالليل أو من دور العبادة أو عند اجتماع عدة ظروف معينة أو في حالة السرقة بالإكراه .
- عقوبة السرقة غير المشددة :
وتعاقب المادة 390 عقوبات اتحادي على السرقة غير المشددة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر أو بالغرامة. أما السرقات المشددة فإن عقوبتها تختلف بحسب ظرف التشديد.وتلك هي العقوبة التعزيرية. أما العقوبة الحدية، فإنها لا تعرف الظروف المشددة أو المخففة . كما أن التوبة ليس من شأنها إسقاط الحد، وذلك على خلاف حد الحرابة لورود النص على تأثير التوبة في الحرابة – ولو تضمنت الحرابة أخذ أموال الناس - قبل القدرة على المحارب تشجيعا له على التوبة وتسليم نفسه قطعا لدابر الفتنة وترويع المجتمع. ومن ثمّ فإن المحكمة رفضت القول بأن دخول السارق في الإسلام وتوبته هي من قبيل الأعذار التي تدرأ الحد ( ).
- العقاب عن السرقات المشددة :
يشدد المشرع عقوبة السرقة في بعض الحالات لاقترانها بسبب من أسباب التشديد. هذه الأسباب يمكن تقسيمها إلى طائفتين : ظروف مشددة للعقوبة دون أن تؤثر على طبيعة السرقة ( أي مع بقاء السرقة جنحة )، وأركان تشدد من عقوبة السرقة ومن طبيعتها ( أي تحول إلى جناية ).


المبحث الأول
الظروف المشددة للعقوبة فقط
يمكن تقسيم الظروف المشددة للعقوبة إلى التالي :
أولا -ظروف تتعلق بزمن ارتكاب الجريمة
ثانيا -ظروف تتعلق بمكان ارتكاب الجريمة
ثالثا -ظروف تتعلق بوسيلة ارتكاب الجريمة
ثالثا – ظروف تتعلق بمحل السرقة
أولا -الظروف المتعلقة بزمن ارتكاب السرقة :
أورد المشرع الاتحادي ظرف الليل مشددا لعقوبة السرقة بنصه في المادة (388) عقوبات على أنه " يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على سبع سنوات إذا وقعت السرقة في أي من الحالتين الآتيتين : 1- ليلا ..." .
والعلة من التجريم هو أن الفاعل يستغل ظرف الظلام لكي يسهل له القيام بالسرقة. وواضح أن هذا السبب ربما يرجع إلى وقت لم تكن الإضاءة بالكهرباء منتشرة على النحو الحالي. ومع ذلك يبقى أن تلك الإضاءة غير متوافرة في جميع الأماكن بالليل، وبالتالي ارتأى المشرع الإبقاء على هذا الظرف الذي يتوافر إذن في جميع الأماكن دون تمييز حتى ولو كانت مضاءة بالكهرباء. ولعل الليل يشكل مهجعا أيضا للناس فيه يخلدون إلى النوم ويقل عدد المارة ويساعد الفاعل على السرقة من هذه الناحية أيضا.
ويقصد بالليل المعنى المعرف به فلكيا أي المدة بين غروب الشمس وشروقها، وإن كان الوقت غير مظلم في الفترة بعد الغروب مباشرة وكذلك قبل الشروق مباشرة. وقد اكدت محكمة التمييز بدبي على هذا المفهوم في قضائها( ).
ثانيا – الظروف المتعلقة بمكان ارتكاب الجريمة :
أوردت المادة (389) عقوبات ظروفا مشددا تتمثل في التالي :
- عندما تقع السرقة في أحد الأمكنة المعدة للعبادة
- عندما تقع السرقة في أحد الأمكنة المسكونة أو المعدة للسكنى أو في أحد ملحقاتها
- عندما تقع السرقة في أحد وسائل النقل أو في محطة أو في ميناء أو مطار. في هذه الحالات تصبح عقوبة السرقة الحبس مدة لا تقل عن سنة، ولا يلزم أن تجتمع كل هذه الظروف سويا أو أن يجتمع مع أحدها ظرفا آخر.
ثالثا – الظروف المتعلقة بوسيلة ارتكاب الجريمة :
تضمنت المادة (389) عقوبات ظرفا مشددا لعقوبة السرقة يتعلق بوسيلة ارتكاب السرقة إذا تمت هذه الجريمة " بطريق التسور أو الكسر من الخارج أو باسعمال مفاتيح مصطنعة أو صحيحة بغير موافقة صاحبها".ويتحقق نفس التشديد إذا تمت السرقة " من شخص انتحل صفة عامة أو كاذبة أو ادعى أنه قائم أو مكلف بخدمة عامة " أو استعان المتهم بشخص آخر معه في ارتكاب السرقة أي إذا وقعت من " شخصين فأكثر ". وتصبح العقوبة عندئذ الحبس مدة لا تقل عن سنة.
وإذا وقعت السرقة من شخص يحمل سلاحا، فإن السرقة يُعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على سبع سنوات. ويفترض ذلك أن السرقة لم تقع بالإكراه أي أن المتهم لم يستعمل السلاح في إرهاب المجني عليه، فيكفي أن يكون حاملا لذلك السلاح ولو كان خفية أي لم يظهره للمجني عليه .
رابعا- الظروف المتعلقة بمحل السرقة :
تقرر المادة (389) عقوبات ظرفا مشددا للعقوبة إذا وقعت السرقة على:
- مال مملوك لإحدى الجهات التي ورد ذكرها في المادة (5) من قانون العقوبات الاتحادي ، أي الأموال العامة وما في حكمها ،
- ماشية أو دابة من دواب الركوب أو الحمل
- على جريح من جرحى الحرب في أثناء الحرب
ويترتب على توافر أي من تلك الظروف أن يتم تشديد العقوبة إلى أن تصبح الحبس مدة لا تقل عن سنة.
وتُشدد العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات إذا وقعت السرقة على مهمات أو أدوات مستعملة أو معدة للاستعمال في المواصلات السلكية أو اللاسلكية التي تنشؤها الحكومة أو ترخص في إنشائها لمنفعة عامة ( مادة 387/2 عقوبات اتحادي ).


المبحث الثاني
الأسباب المشددة لطبيعة الجريمة والعقوبة
أورد المشرع عدة حالات تتحول فيها السرقة إلى جناية ، فالأمر إذن يتعلق بركن جديد في الجريمة وليس بمجرد ظرف مشدد للعقوبة فقط. من تلك الحالات ما يلي بيانه :

المطلب الأول
السرقة الواقعة من العاملين
يتميز قانون العقوبات الاتحادي من بين قوانين العقوبات العربية بهذا التشديد حيث جعل السرقة الواقعة من العاملين إضرارا بمتبوعهم وتلك التي تقع من أحد العاملين في مكان العمل من الجنايات. فتنص المادة 388/2 ع.أ. على أنه " ويُعاقب بالسجن مدة لا تقل خمس سنوات ولا تزيد على سبع سنوات إذا وقعت السرقة من أحد العاملين في المكان الذي يعمل به أو إضرارا بمتبوعه ".
وواضح من النص أن هناك حالتين يعالجهما النص :
الحالة الأولى : السرقة الواقعة من التابع على أموال متبوعه :
يلزم لتوافر سبب التشديد هنا توافر شرطين :
الشرط الأول : وقوع جريمة السرقة ، فلا يتوافر التشديد لو أن الجريمة التي وقعت هي جريمة خيانة الأمانة أو الاحتيال. فلو أن رب العمل كلف العامل بنقل بضاعة من المخزن إلى المحل، فاختلسها ،فإن الجريمة هي جنحة خيانة أمانة وليست جناية سرقة.
الشرط الثاني : أن تقع السرقة من التابع على أموال متبوعه. فإذا لم يكن الفاعل تابعا للمجني عليه، بل كان يقوم بعمل مؤقت نظير عطاء أو مكافأة، فإن وصف الجناية لا يتحقق ، بل وصف الجنحة، على ما قضت به محكمة تمييز دبي( ).
ولا يلزم – لتوافر وصف الجناية - أن يقع تلك السرقة في مكان العمل أي في الشركة أو المصنع أو المنزل الذي يعمل به التابع أو الخادم، بل إن التشديد يتوافر ولو وقعت الجريمة في خارج مكان العمل. تطبيقا لذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا بأنه " لا يشترط في هذه الحالة أن تقع السرقة في مكان عمل العامل وإنما يكفي لقيام الجريمة في هذه الحالة أن يكون المال المسروق مملوكا للمتبوع سواء كان في المكان الذي يعمل به العامل أو في مكان آخر"( ).
ويلاحظ أن هناك طائفة من العاملين لدى الأشخاص المعنوية كالمستخدمين في البنوك، ويثار التساؤل عن انطباق النص عليهم. نرى في الواقع أن مراد الشارع طائفة من العاملين لدى أرباب الأعمال وليس العاملين لدى الشركات. فإذا كانت شركة مملوكة لشخص رب العمل، فإن التجريم يسري – في رأينا – عندئذ. ونستند في رأينا إلى استعمال النص لتعبير التابع والمتبوع والتي تبرز العلاقة الشخصية والتي هي سبب الثقة بين الأفراد.
الحالة الثانية : السرقة الواقعة من العاملين في محل العمل
يتفق هذا الفرض مع الفرض السابق في أن الفاعل في كلتا الحالتين هو أحد العاملين أو الموظفين أو المستخدمين، أي كل من تربطه علاقة عمل أيا كانت. ولكن هذه الحالة تختلف عن الحالة الأولى في أن المجني عليه ليس هو المتبوع للفاعل، فتقع الجريمة في الحالة الثانية ولو كان المجني عليه هو زميل للفاعل في العمل .
تطبيقا لذلك قضت محكمة التمييز بدبي بأن جريمة السرقة من عاملين بأحد الفنادق لمنقولات من غرفة أحد النزلاء هو سرقة من المكان الذي يعملون به وأنها بالتالي من اختصاص محكمة الجنايات وفقا للمادة 388/3 عقوبات( ). كما قُضي بأن تلك الجناية تتوافر أركانها إذا كانت تلك المنقولات محل الجريمة تنتمي لغير الجهة التي يعمل بها هؤلاء العمال وأنها مودعة لديها على سبيل الأمانة( ).
فإذا وقعت السرقة من أحد العاملين التابعين لشركة من شركات النظافة في منزل أحد المتعاقدين من تلك الشركة التي تتولى نظافة مسكنه، فإن تلك السرقة يسري عليها وصف الجناية، ولو وقعت تلك السرقة على أموال تخص صاحب المسكن، مادام أن المكان الذي يؤدي فيه العمل يعتبر محلا للعمل. هذا المحل قد يكون متنقلا كما في حالة العامل الذي يقوم بأعمال الصيانة في البيوت.


المطلب الثاني
السرقة بالإكراه
جعل المشرع الاتحادي السرقة بالإكراه جناية عقوبتها السجن المؤقت بنصه في المادة (385) ع.أ. على أنه " يُعاقب بالسجن المؤقت من ارتكب جريمة سرقة إذا وقعت بطريق الإكراه أو التهديد باستعمال السلاح سواء كان الغرض من ذلك الحصول على المسروق أو الاحتفاظ به أو الفرار به ".
- الإكراه يحول السرقة إلى جنحة :
يشكل الإكراه ركنا خاصا من أركان جريمة السرقة بالإكراه، بالنظر إلى أنه يغير وصف الجريمة من الجنحة إلى الجناية. والحقيقة أن الإكراه ليس وحده الذي ينتج هذا الأثر. فهناك جناية السطو المسلح بالمادة 383 عقوبات اتحادي، والسرقة ليلا مع حمل السلاح ( مادة 386 عقوبات )، وجناية السرقة من أحد العاملين في المكان الذي يعمل به أو إضرارا بمتبوعه ( مادة 388/ 2 ع . أ . ) ، وجناية سرقة أسلحة أو ذخائر القوات المسلحة أو مهمات الاتصالات التليفونية ( مادة 387 ع. أ. ).

- المقصود بالسرقة بالإكراه :
لم تضع المادة 385 عقوبات تعريفا لجريمة السرقة بالإكراه واكتفت بالنص على أنه " يُعاقب بالسجن المؤقت كل من ارتكب جريمة سرقة إذا وقعت بطريق الإكراه أو التهديد باستعمال السلاح سواء كان الغرض من ذلك الحصول على المسروق أو الاحتفاظ به أو الفرار به ".
- أركان السرقة بالإكراه :
تشتمل السرقة بالإكراه على عنصرين :
أولا - السرقة ، وفي هذا لا تختلف السرقة بالإكراه عن غيرها من السرقات. فهي اختلاس مال منقول مملوك للغير . ثانيا - الإكراه ، وهذا ركن خاص إضافي يحول السرقة من الجنحة إلى الجناية .
- المقصود بالإكراه وشروطه :
- مفهوم الإكراه :
أشارت المادة 385 ع. أ. إلى الإكراه دون أن تحدد المقصود به .
غير أن أحكام القضاء عرفت الإكراه المقصود في المادة 314 عقوبات بأنه: " كل وسيلة قسرية تقع على الأشخاص لتعطيل قوة المقاومة أو إعدامها عندهم تسهيلا للسرقة "( ). وبناء عليه فقد سوت المحكمة بين الإكراه المادي الذي يتمثل في العنف الموجه إلى جسم الإنسان بقصد إضعاف مقاومته للتمكين من السرقة والتهديد باستعمال السلاح على أساس أنهما يتساويان في الأثر وهو إضعاف مقاومة المجني عليه.
والحقيقة أن ما يقوم به الفاعل من رفع السلاح في وجه المجني عليه هو من قبيل الإكراه المادي وليس إكراها معنويا. هذا الأخير يقوم إذا اكتفى الفاعل بتهديد المجني عليه أنه سيلحق الأذى به في المستقبل أو بأحد ذويه.
- صور الإكراه :
يتخذ الإكراه في السرقة عدة مظاهر :
1 – ممارسة العنف :
تكفي ممارسة العنف إزاء شخص لسرقته لوقوع السرقة بالإكراه إذا تمت السرقة. فإذا لم تتم فإن الجريمة هي شروع في السرقة بالإكراه.
ومن أمثلة هذا العنف أن يضرب الفاعل المجني عليه ليحصل منه على المنقول المراد سرقته أو أن يدفعه فيطرحه أرضا للوصول إلى هذا المال.
ولا يشترط درجة معينة من الجسامة في العنف. فلا يلزم تعريض حياة المجني عليه للخطر( ). وقد قُضي بتوافر الإكراه إذا تنبهت المجني عليها عند اختطاف حقيبة يدها فقاومت الجاني ولكنه تغلب عليها وأخذ الحقيبة وهرب( ). كما قُضي بوقوع السرقة بالإكراه إذا ذرّ الفاعل الرمال أو التراب في وجه المجني عليه( ).
ولا يتوافر الإكراه إذا غافل الفاعل المجني عليه أثناء انشغاله بعمل آخر واستولى على المنقول وفرّ هاربا .
وتثار صعوبة قانونية حول مدى اعتبار خطف المنقول من يد المجني عليه أو من كتفه إذا كانت حقيبة يعلقها في كتفه من قبيل الإكراه. الواقع أن الأمر متوقف على تقدير المحكمة للقول بتوافر أو عدم توافر ممارسة العنف على المجني عليه. فقد قُضي بعدم توافر الإكراه إذا فاجأ الفاعل المجني عليه وخطف منه الحقيبة بغتة( ). أما إذا كان الشيء المسروق هو قرط المجني عليها وجذبه الفاعل من أذنها فتقطع طرفها، فإن عنصر الإكراه يُعد قائما لأن عنفا أصاب جسم المجني عليها( ).
ب – التهديد بالعنف ( باستعمال السلاح) :
تقوم جناية السرقة بالإكراه، وفقا لقضاء النقض، إذا هدد الفاعل المجني عليه باستعمال السلاح. ولا يشترط أن يكون سلاحا بطبيعته. ويقوم الإكراه من باب أولى إذا أطلق الفاعل عيارات نارية تجاه المجني عليه لإرهابه ليتخلى عن المال المراد سرقته .
غير أنه يكفي أن يكون الفاعل حاملا سلاحا إذا لم يستخدمه .
جـ - سلب إرادة المجني عليه بالحيلة :
يقع الإكراه إذا تدخل الفاعل لسلب إرادة المجني عليه كما لو أعطاه حبوبا منومة أو جعله يشم رائحة مخدرة، وتمكن من سرقته بهذه الوسيلة( ).
غير أن الإكراه لا يتوافر إذا كان المجني عليه نائما بشكل طبيعي وقام الفاعل بسرقته( ). كما لا يتوافر الإكراه إذا غافل الفاعل المجني عليه أثناء انشغاله بعمل آخر واستولى على المنقول وفر هاربا .
- شروط الإكراه :
يشترط في الإكراه توافر عدة شروط ، هي :
1 – أن يكون موجها لشخص
2 – أن تلازم الإكراه مع السرقة
3 – أن يقع بقصد السرقة
الشرط الأول – أن يكون الإكراه موجها لشخص :
إذا مارس الفاعل في السرقة عنفا ضد الأشخاص، فإن ذلك لا يُعد من قبيل الإكراه في السرقة، كما لو كسر بابا أو دولابا أو صندوقا لفتحه والتوصل إلى الشيء المقصود سرقته. وبالمثل فإن ممارسة العنف إزاء حيوان لا يكفي للقول بتوافر الإكراه كمن يقتل كلبا للتخلص من نباحه في أثناء السرقة. غير أنه إذا كان ممارسة العنف على الأشياء وسيلة لإرهاب المجني عليه وإفهامه أنه سوف يؤذى في جسمه إذا قاوم السرقة، فإن ذلك يتوافر به الإكراه، كما لو أوقع الفاعل عنفا على دابة كان يمتطيها المجني عليه لإرهابه، فتخلى عنها وعن مال آخر معه( ).
ولا يشترط أن يكون الشخص الموجه إليه العنف هو المجني عليه. بل يمكن أن يكون شخصا آخر كما لو كان ابن المجني عليه أو جاره أو أحد من المارة وقد كان يحاول أن يمنع الفاعل من إتمام الجريمة( ). في هذه الحالة يشترط أن يكون شخص الغير عالما بأن الفاعل يرتكب جريمة سرقة. قد قُضي بأنه إذا تتبع شخص المتهم وهو يجري هاربا للقبض عليه لشك قام في نفسه أنه ربما ارتكب جريمة فقاومه المتهم واعتدى عليه فإن ذلك ليس هو الإكراه في السرقة( ). غير أننا لا ننضم إلى هذا القضاء الأخير، إذ إن العلم عنصر في الركن المعنوي للجريمة. هذا الركن يراعى تواجده لدى الفاعل وليس لدى المجني عليه. فلا عبرة في رأينا بالعلم لدى من وقع عليه الإكراه ما دام الفاعل مارس الإكراه عن علم وإرادة بقصد تمام السرقة.
وإذا كان من حق المجني عليه أن يدافع عن ماله دفاعا شرعيا ضد السرقة، فإنه إذا تدخل لاسترداد هذا المال حال سرقته، فإن ذلك لا يستبعد الإكراه إذا استعمل الفاعلون العنف معه. ولا يصح الاحتجاج بأن المجني عليه هو الذي تدخل بفعله. تطبيقا لذلك قُضي بأنه إذا كان المتهمان يسرقان بضاعة في سيارة ورآهما المجني عليه وهما يفران بالسيارة وبها المسروقات فتعلق بالسيارة نصفه العلوي داخلها والنصف الآخر خارجها ليجبرهما على التوقف، ولكنهما استمرا في القيادة، فإن ذلك يشكل الإكراه في السرقة( ).
الشرط الثاني – تلازم الإكراه مع السرقة :
يُعد الإكراه متلازما مع السرقة في حالتين :
أ – وقوع الإكراه لتسهيل السرقة
ب – وقوع الإكراه لفرار الفاعل بالمال المسروق، على أثر الاختلاس .
فإذا وقع الإكراه قبل البدء في تنفيذ الجريمة أو بعد تمام الجريمة ، فإنه لا يعول عليه ولا تصبح السرقة واقعة بالإكراه .
وإذا وقع الإكراه بعد البدء في تنفيذ السرقة وقبل تمامها كان ملازما لها.وبناء على ذلك قُضي بوقوع السرقة بالإكراه إذا هدد الفاعل زوجة المجني عليه بالسكين حتى لا تستغيث ( ) .
ويُلاحظ أن وقوع الإكراه في أثناء فرار الفاعل بالمال المسروق يُعد كافيا لوصف السرقة بالإكراه، طالما أن جريمة السرقة لا تتم إلاّ بالحيازة الهادئة للشيء محل السرقة. تطبيقا لذلك قضت محكمة تمييز دبي بأن الإكراه الذي تقع به جريمة السرقة بالإكراه يكفي فيه أن يكون عقب فعل الاختلاس متى كان قد تلاه مباشرة وكان الغرض منه الفرار بالشيء المختلس( ). وقُضي بأنه إذا كانت الواقعة هي أن المجني عليه كان بالسوق فرأى شخصا يحتك به وشعر بأن شخصا آخر وضع يده في جيبه وأخرج منها مبلغا من النقود، فهم بضبطه فأمسك به هذا الشخص الأخير ومنعه من ضبط السارق حتى تمكن من الهرب، فإن الإكراه توافر في الجريمة وكان ملازما لوقوعها( ). كما قُضي بأنه إذا طعن المتهم المجني عليه بمطواة عندما حاول القبض عليه لتعطيل مقاومته ليتمكن من الفرار بالقطن المسروق، فإن ذلك يتوافر به الإكراه في السرقة( ).
أما إذا ألقى المتهم بالشيء المسروق وفرّ هاربا وتتبعه المجني عليه أو أحد المارة للقبض عليه، فإن ما يقع من الإكراه من الفاعل لا يكون معاصرا للجريمة التامة أو الشروع فيها.
وإذا كان الإكراه لاحقا على تمام الجريمة كما لو قابل المجني عليه السارق بعد الجريمة ورأى معه الشيء المسروق فحاول استرداده منه فاعتدى عليه السارق لكي يحتفظ به، فإن الإكراه هنا لا يعد ملازما لسرقة التي تمت قبل ذلك .
الشرط الثالث – غرض السرقة :
يلزم أن يقوم ارتباط بين الإكراه والسرقة بأن يكون غرض الجاني وقت استعمال العنف تسهيل ارتكاب السرقة أو إتمامها. فلا تقوم علاقة الارتباط هذه إذا اعتدى الفاعل على المجني عليه بغرض إيذائه وضربه، ولما سقطت منه ساعة يد أخذها وهرب، لأن الضرب لم يكن وسيلة لارتكاب السرقة، بل كان هو الغرض الأصلي للفاعل. كما أن جريمة السرقة لا تقوم ممن انتزع ملابس المجني عليه كرها في الطريق العام بنية التشهير به وجعله أضحوكة بين الناس ،لعدم توافر القصد الجنائي( ).
- الطبيعة القانونية للإكراه في السرقة :
من شأن الإكراه أن يغير وصف السرقة من الجنحة إلى الجناية. فلا يقتصر الأمر على مجرد تشديد عقوبة السرقة كما هي الحال في ظرف الليل الذي يشدد عقوبة السرقة دون أن يجعل منها جناية ، فتظل جنحة.
فالإكراه في السرقة هو إذن ركن في جناية السرقة وليس طرفا فيها. وعلى ذلك فإنه يسري في حق الشريك في الجريمة حتى ولو لم يعلم بها( ). ويُسأل الفاعل مع غيره الذي لم يصدر منه إكراه، حتى ولو لم يكن عالما به – في رأينا – ذلك لأن كل فاعل هو شريك بالضرورة، ولا نرى محلا للقول باستبعاد مسئولية الفاعل مع غيره، إذا لم يكن عالما بظرف الإكراه بمقولة أنه يستمد إجرامه من نفسه وليس من الفاعل معه( ).
وتنبني مسئولية الشريك عن الإكراه – في رأينا – على أساس المسئولية عن النتائج المحتملة. فإذا كان الشريك يُسأل عن جريمة القتل التي ارتكبها الفاعل الأصلي في أثناء قيامه بالسرقة، فإنه يُسأل – من باب أولى – عن الإكراه إذا صدر من الفاعل الأصلي. وبالمثل فإن الفاعل مع غيره يُسأل عن النتائج الاحتمالية التي تصدر من الفاعل معه.
وجدير بالذكر أن من يصدر منه الإكراه يعتبر فاعلا أصليا في السرقة ولو لم يتصل بالمال المسروق( ).
- عقوبة السرقة بالإكراه :
تعاقب المادة 385 ع . أ. على السرقة بالإكراه بعقوبة السجن المؤقت.
- تشديد عقوبة السرقة بالإكراه :
تشدد عقوبة السرقة بالإكراه في حالة السطو المسلح بالإكراه، فتصبح العقوبة السجن المؤبد – وفقا للمادة 383 ع . أ. إذا اجتمع إلى جانب الإكراه أو التهديد باستعمال السلاح ظروف أخرى هي :
ظرف الليل
تعدد الفاعلين
على مكان مسكون أو معد للسكنى أو على أحد ملحقاته
وسيلة الدخول : الكسر أو التسور أو استعمال مفاتيح مصطنعة أو انتحال صفة عامة أو كاذبة أو ادعاء القيام أو التكليف بخدمة عامة أو غير ذلك من الوسائل غير المشروعة.

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

الموضوع جميل لكن يتكلم عن السرقه وظروفها واركانها والعقوبه لكن لايتكلم عن الاحتيال والنصب واعطاء شيك بدون رصيد

إرسال تعليق

تصميم القالب : مدونة الأحـرار