الثلاثاء، 11 مايو، 2010

نظرية الظروف الطارئة وأثر اختلال التوازن الاقتصادي في تنفيذ العقود

نظرية الظروف الطارئة وأثر اختلال التوازن الاقتصادي في تنفيذ العقود

بحث مقدم من قبل
إحسان ستار خضير
رئيس محكمة استئناف ذي قار

جزء من متطلبات الترقية إلى الصنف الأول
من صنوف القضاة
بإشراف
الأستاذ مدحت المحمود
عضو محكمة التمييز
1418 هـ 1997 م
المـقـدمـة :

إن العقد, أي عقد, ينعقد إذا أرتبط الإيجاب بالقبول على نحو يثبت أثره في المعقود عليه, وعلى أن يتم ذلك الارتباط وفقاً للصيغ والأوضاع التي ينص عليها أو يتطلبها القانون, وبعبارة أخرى فأنه إذا توافرت للعقد أركانه مستوفية شروط صحتها وذلك بأن صدر من أهله مضافاً إلى محل قابل لحكمه ولم يشب إرادة العاقدين عيب يفسدها فقد انعقد العقد صحيحاً نافذاً وترتبت عليه آثاره.
والأصل في العقد الصحيح واللازم عدم استطاعة احد العاقدين الرجوع عنه بإرادته المنفردة, حيث يكون ملزماً لطرفيه ويجب عليهما الوفاء بالالتزامات المترتبة عليه. ولا يستطيع أي منهما أن ينفرد بنقضه أو تعديله إلا باتفاقهما على ذلك أو استناداً إلى نص في القانون فالالتزام الذي ينشئه العقد يساوي الالتزام الذي يفرضه القانون, وحيث لا يجوز الخلاص من التزام مفروض بقوة أو بحكم القانون, لذا لا يجوز للمتعاقد أن يتحلل من التزام نشأ عن عقد هو طرف فيه, فالعقد كما هو معروف شريعة المتعاقدين بمعنى أنه قانونهما الخاص الذي يتضمن التزامات كل من طرفيه, وعليهما تنفيذه بكل ما أشتمل عليه من بالإضافة إلى كل ما يعتبر من مستلزماته وبما يتماشى مع القانون أو العرف أو العدالة وطبقاً لطبيعة الالتزام موضوع ذلك العقد.
ومن المفروض أن تتوازن التزامات طرفي العقد من الناحية الاقتصادية في مرحلة تكوين العقد. فإذا ثبت حصول اختلال في تلك الالتزامات ضمن المرحلة المذكورة فإن معالجة مثل هذا الاختلال والآثار الناجمة أو الناشئة عنه أو بسببه وصولاً إلى إزالة الضرر الذي لحق بأحد المتعاقدين, تتم استناداً إلى الأحكام الخاصة بعقود الإذعان أو نظرية الاستغلال وبالقدر الذي يتصل بموضوع العقد وطبيعة الاختلال الناشيء.
أما إذا حصل اختلال في التوازن الاقتصادي في مرحلة لاحقة على تكوين العقد ونقصد بها مرحلة تنفيذ العقد وذلك بسبب حوادث استثنائية عامة وغير متوقعة, فأن معالجة مثل هذا الاختلال وبالتالي إزالة الضرر الناشيء عنه تتم استناداً إلى الأحكام الخاصة بنظرية الظروف الطارئة.
ونظرية الظروف الطارئة تفترض وجود عقد يتراخى وقت تنفيذه إلى أجل وعندما يحل أجل التنفيذ تتغير الظروف الاقتصادية التي كان توازن العقد يقوم عليها وقت تكوينه, تغيراً فجائياً لحادث لم يكن في الحسبان فيختل التوازن الاقتصادي للعقد اختلالاً خطيراً بحيث يصبح تنفيذ المدين للعقد يهدده بخسارة فادحة تخرج عن الحد المألوف. وطبقاً لهذه النظرية فإن التزام المدين لا ينقضي, لأن الحادث الطاريء ليس قوة قاهرة بل يتوجب إزالة الإرهاق الذي نشأ بسبب الحادث الطاريء أو تخفيفه إلى حد معقول.
ولأن أثر نظرية الظروف الطارئة يظهر في معظم العقود فقد حظيت باهتمام الفقهاء وشراح القانون ووجدت لها تطبيقات واسعة في أحكام القضاء.
وتبرز أهمية النظرية ومعالجاتها العادلة في المرحلة الراهنة على صعيد العراق, بشكل خاص, حيث أن العديد من العقود ذات الصلة بالأنشطة الاقتصادية المختلفة قد تأثرت أو تتأثر بالظروف التي نشأت بسبب الحصار الاقتصادي متعدد الأشكال المفروض عليه بموجب القرارات الجائرة والظالمة التي أصدرها مجلس الأمن الدولي اعتباراً من آب 1990 وحتى الوقت الحاضر. وقد أدت هذه الظروف وما نجم عنها من أوضاع إلى اختلال واضح في التوازن الاقتصادي لأطراف هذه العقود مما يهدد بالخسارة المادية الجسيمة لبعض من أطرافها, وتشهد ساحات القضاء العراقي تطبيقات لأحكام النظرية من المؤمل أن تتوسع مستقبلاً بفعل الظروف التي ذكرناها وبما يوفر إمكانية إعادة التوازن الاقتصادي بين حقوق والتزامات الطرفين المتعاقدين. وبسبب هذه الأهمية التي تحظى بها نظرية الظروف الطارئة وآفاق تطبيقها حالياً ومستقبلاً في العراق فقد أخترتها موضوعاً للبحث وعلى أساس الخطة الآتية :

الفصل الأول: وتناولت فيه نظرية الظروف الطارئة في العصور القديمة ويتكون من المباحث الآتية :
المبحث الأول : النظرية في القانون الروماني.
المبحث الثاني : النظرية في القانون الكنسي.
المبحث الثالث : النظرية في الفقه الإسلامي.

الفصل الثاني: وتضمن نظرية الظروف الطارئة في العصر الحديث ويتكون من المباحث الآتية:
المبحث الأول : النظرية في الفقه والقضاء.
المبحث الثاني : النظرية في القانون الإداري.
المبحث الثالث : النظرية في القانون المدني.

الفصل الثالث: وخصصته لنظرية الظروف الطارئة في القانون والقضاء العراقي وهو بثلاثة مباحث:
المبحث الأول : شروط تطبيق النظرية.
المبحث الثاني : آثار النظرية في تنفيذ الالتزامات.
المبحث الثالث : إزالة اختلال التوازن الاقتصادي في التزامات طرفي العقد.

خاتمة:

وقد انتهيت فيها إلى استعراض ما كتبت وما توصلت إليه من آراء ومقترحات نتيجة لذلك أرجو أن أكون قد وفقت في تسليط الضوء على موضوع من مواضيع القانون الحيوية, والله من وراء القصد.



الباحث

الفصـل الأول
نشأة نظرية الظروف الطارئة فـي
العصور القديمة

المبحث الأول
النظرية في القانون الرومانـي

إبتداءاً لا بد أن نحدد ماهية القانون الروماني وما هي بداياته فأية نظرية أو قاعدة قانونية لابد لفهمها من مراجعة ودراسة أصلها التاريخي وصولاً إلى معرفة بدايات نشوءها ومراحل تطورها فمن المعروف أن (القانون الروماني) يطلق على مجموعة القواعد والأحكام والنظم القانونية التي كانت مرعية في الدولة الرومانية وفي البلاد الخاضعة لها منذ تأسيس روما سنة 754 ق.م إلى وفاة الملك جوستنيان سنة 565 ب.م وبذلك يكون القانون الروماني قد وجد حظه في التطبيق خلال مدة بلغت ثلاثة عشر قرناً وفي مدينة صغيرة أولاً هي روما ثم أصبح بعد ذلك معمولاً به في أوسع إمبراطورية عرفها التاريخ (1).
والقانون الروماني برغم تعدد عهوده وتطوره بفعل التغيرات التي طرأت على المجتمع الروماني وما أفرزته من تنوع المعاملات فيه, فإنه بشكل عام لم يقر بنشوء الالتزامات إلا إذا أفرغت العقود في قالب شكلي كالكتابة أو القيام بعمل أو التفوه بألفاظ مقررة.
فالاتفاق المجرد لم يكن كافياً لترتيب آثار قانونية عليه وإنما كان يجب إفراغ مثل هذا الاتفاق في قالب معين يحدده القانون نفسه, فالقانون الروماني كان يرتب الآثار القانونية على مجرد إتمام التصرفات القانونية بالشكل الظاهري الذي يتطلبه(2).
وبناءاً على ذلك فأن الشكلية لا الإرادة هي التي كانت تولد الالتزام في أغلب مراحل تطور القانون الروماني.
والدعوى لكي تحمي اتفاقاً يجب أن يكون مثل هذا الاتفاق محاطاً بالأشكال الرسمية التي قررها القانون(3).
وقد أدى ذلك إلى أن تكون أحكام القانون الروماني في الجانب المدني واضحة وأكيدة ولا تدع مجالاً لمشيئة القاضي في تحديد مضمون القانون ولم تكن للقاضي سلطة على العقد أو المتعاقدين وليس أمامه إلا أن يقضي بما يطلبه الدائن حتى لو طلب شد وثاق المدين في المحراث ليحرث به الأرض وله في بعض الحالات حق طلب قتل مدينه وتقطيعه إرباً (4).
فكان يكفي للروماني أن يقيم الدليل الذي يسهل التأكد منه والخالي من اللبس والغموض ليمارس حقه أو يسترده فلكي يكون له الحق في مبلغ معين وعده به مدينه فيجب أن تكون مراسيم (الاشتراط الشفوي) العلنية والواضحة قد أجريت, ولكي يكون مالكاً للأرض من بيعت إليه فيجب أن تكون قد أجريت أمام الشهود المراسيم العلنية المسماة بعملية الأشهاد(5).
وكان من النتائج الطبيعية لسيادة الشكلية إن لا يعترف القانون الروماني بفكرة الغبن وهو الإجحاف المالي الذي يلحق المتعاقد بسبب عدم التعادل بين ما يعطيه وما يأخذه. فالقاعدة في القانون الروماني أن الغبن لا يعيب الرضا ولا يؤثر في صحة العقد وانعقاده ما دام هذا العقد هذا العقد قد أستوفى الشروط والأوضاع الشكلية التي قررها القانون, وحيث أن قيام العاقد بذلك دليل على انصراف إرادته الحرة إلى الالتزام بما عقده وهو عالم بالآثار التي تنجم عنه وبالتالي لا مجال للاحتجاج بالغبن الذي أصابه بسبب العقد وما على المتعاقد إلا أن ينفذ التزامه, ولذلك وحيث أن القانون الروماني لم يعترف بالغبن أثناء تكوين العقد فإنه من أولى أن لا يعترف بالغبن أثناء مرحلة تنفيذ العقد. وهكذا لم تجد نظرية الظروف الطارئة طريقها إلى القانون الروماني لكن الفلاسفة الرومان المتأثرين بالفلسفة اليونانية القديمة القائمة على فكرة الحق الطبيعي والعدالة دعوا إلى الأخذ بنظرية الظروف الطارئة في كتاباتهم ومنهم (شيشرون) و (سبيدنيك) فمن أقوال شيشرون: عندما يتغير الزمن يتغير الواجب. ومن أقوال سبيدنيك: ( أنا لا أعتبر حانثاً لعهدي, ولا يمكن اتهامي بعدم الوفاء إلا إذا بقيت الأمور على ما هي عليه وقت التزامي ثم لم أنفذه والتغير الذي يطرأ على أمر واحد يجعلني حراً في أن أناقش التزامي من جديد ويخلصني من كلامي الذي أعطيته ويجب أن يبقى كل شيء على حالته التي كان عليها في الوقت الذي تعهدت فيه لكي أستطيع المحافظة على كلامي).(6)
ويتضح من هذا القول أن العاقدين لا يسألان عن تنفيذ إلتزامهما إلا في مثل الظروف التي أبرم فيها العقد أما إذا تغيرت هذه الظروف فلهما أن يناقشا إلتزامهما ويعدلانه تبعاً للظروف الجديدة. وقد انتشرت هذه الأفكار في الفترة التي أطلق عليها أسم (الفترة العلمية)(7) والتي تزامنت مع الفتوحات الرومانية الواسعة التي أدت إلى نشوء ظروف أخلاقية وثقافية جديدة كانت عظيمة الأثر على تطور الأفكار الفقهية الرومانية وانعكاساتها الإيجابية على القانون الروماني نفسه, فالفقهاء الرومان, في تلك الفترة لم يعودوا يعتقدون بصبغة القدسية التي كانت تسبغ على شكليات القانون وذهبوا إلى أن الغاية النهائية للقانون هي منفعة الناس وإسعادهم وتوفير الرخاء لهم والمودة بينهم ولا حرج من أن تؤدي هذه الغاية إلى الخروج عن التقاليد القديمة وتحطيم سلسلة الشكليات المفروضة ولذلك دعوا إلى أن لا يسأل العاقدان عن تنفيذ التزامهما إلا في مثل الظروف التي أبرم فيها العقد وإذا حصل وأن تغيرت هذه الظروف فلهما عندئذ أن يعدلاه على ضوء وتبعاً للظروف المستجدة. وقد دفعت مفاهيم العدالة هذه الرومان إلى البحث عن الحقيقة والجوهر وسمحوا للإرادة أن تبرم عقوداً لم يكن القانون قد نص عليها ومن ثم أباح القاضي لنفسه أن يطبق نصوص القانون بشيء من الحرية والمرونة.(8)

المبحث الثاني
النظرية في القانون الكنسي

بعد أن انتشرت الديانة المسيحية في أوروبا في العصور الوسطى, فقد أدى هذا الانتشار إلى نتائج مهمة كان من أبرزها استتباب سلطة الكنيسة ليس على المستوى الديني فحسب ولكن على المستوى السياسي والقانوني أيضاً, وتعمق بناءاً على ذلك نفوذ الكنيسة في مجرى الأحداث, وظهرت الدعوة آنذاك إلى تحرير العقود من المراسيم والقوالب الشكلية إلى جانب الاتجاه جدياً إلى إزالة كل ما شأنه إلحاق الأذى بالمدين مثل القسوة والتعسف والظلم وصولاً إلى رفع الغبن عن كاهله بسبب التزامه التعاقدي.
ويعتبر فقهاء القانون الكنسي هم الذين رسموا النطاق المناسب لمشكلة الغبن وذلك لأنهم فهموا هذه المشكلة على حقيقتها منطلقين من مبادئ الدين المسيحي نفسه والذي من أساسياته أن العقد وقبل كل شيء التزام أخلاقي مصدره نية المتعاقدين وإرادتهما الحرة(9). فكل عقد اتفقت فيه إرادة المتعاقدين وتحققت فيه العدالة, يصبح شريعة لهما وملزماً وأن سبب الإلزام يقوم على أساس وجوب البر بالوعد والوفاء به.
والعقد كذلك رابطة أخوية تخضع لقانون الرحمة والعدل ومن موجباتها أن يكون الدائن رحيماً متسامحاً مع مدينه ولا يرهقه بما يزيد على طاقته ولا يستغل حاجته أو جهله لينال منه ما لا يستحق(10).
وحيث أن نظرية الظروف الطارئة تقوم على المبادئ التي أشرنا إليها لكونها تستند بالأساس على فكرة العدالة وإنصاف المتعاقد ورفع الغبن عنه بالعمل على إنقاذه من الخسارة المادية الجسيمة التي تلحق به من جراء الحادث الطارئ الذي لم يكن في حسبانه وتقديره, فأنه من الطبيعي أن تجد هذه النظرية صدى واسعاً ومكاناً رحباً في التشريعات ذات الأصل أو الصبغة الدينية في هذه الحقبة من الزمن. ومن ضمنها القانون الكنسي, والذي من بين مفاهيمه أن يكون في العقد تعادل بين التزامات المتعاقدين. وكان رجال الكنيسة يرتبون على الحوادث الطارئة أثراً قانونياً فهناك غبن يقع على المدين المرهق, والغبن لا يجوز سواء كان أثناء تكوين العقد أو استجد عند تنفيذه. إذ هو نوع من الربا المحرم(11). كما أنه إثراء دون حق على حساب المدين المرهق وعبر أحد فقهاء القانون الكنسي عن الروح التي يجب أن تسود معاملات الناس بقوله ((ضع نفسك دائماً في مكان من تعامله وضع من تعامله في مكانك وبذلك تستطيع أن تحكم في الأمر حكماً عادلاً فاجعل نفسك بائعاً إذا اشتريت ومشترياً إذا بعت وبذلك تبيع وتشتري بالعدل))(12).
وقامت الصياغة الفنية لنظرية الظروف الطارئة في القانون الكنسي على أساس تغير الظروف. والتي صاغها أصحاب مدرسة (بار تول) في القرن الثاني عشر(13), ومؤداها أن العقد يفترض فيه شرط ضمني وهو أن الظروف الاقتصادية التي عقد في ظلها تبقى عند تنفيذه ولا تتغير تغيراً جوهرياً فإذا ما تغيرت هذه الظروف وترتب على التغيير إرهاق أحد المتعاقدين وجب تعديل العقد لإزالة الإرهاق(14).
وقد أخذ الفقهاء الإيطاليون والألمان بهذه القاعدة حتى القرن الثامن عشر, وقد قضي عليها نهائياً في القرن التاسع عشر واختفت أمام مبدأ سلطان الإرادة, ثم ما لبث أن ظهرت من جديد في أوائل هذا القرن(15).

المبحث الثالث
النظرية في الفقه الإسلامي
من المعروف عن الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية فيها لم تعالج المسائل التفصيلية للأحكام الشرعية العملية باستثناء الأمور التي تتصف بالثبات والدوام كبعض قضايا الأسرة وأحكام الحدود(16).
لذلك وبغية رفع الضرر عن أحد المتعاقدين الناشئ بسبب تغير ظروف تنفيذ العقد بحيث أصبحت تختلف عن ظروف تكوينه فقد انطلق علماء الشريعة وفقهاء الإسلام صوب كل ناحية من كتاب الله تعالى وأحاديث النبي (ص) ينشدون منها طريقاً للحكم أو يلتمسون قاعدة شرعية ولذلك فإن الفقهاء المسلمين أوردوا بعض القيود على مبدأ العقد شريعة المتعاقدين مسترشدين ومستندين بما أقره الشرع الإسلامي في القرآن الكريم والسنة النبوية بضرورة المساواة بين المتعاقدين في الحقوق والالتزامات ورفع الضرر.
فقد جاء في سورة البقرة, بسم الله الرحمن الرحيم (... لا يكلف الله نفساً إلا وسعها...) و (... يريد الله بكم اليسر ولا يريد العسر...) وجاء في سورة الحج (... وما جعل عليكم في الدين من حرج...) صدق الله العلي العظيم, ومؤدى هذه الآيات الكريمة إن الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الضيق والإرهاق والضرر
كما جاء في الأحاديث الشريفة (لا ضرر ولا ضرار) و(إن بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بمَ تأخذ مال أخيك بغير حق).
ولما كان الثابت في مصادر التشريع الإسلامي كافة الإجماع على إزالة الضرر ورفع الضيق والحرج عن المتعاقد, وحيث أن الظروف الطارئة قد تؤدي إلى إرهاق المدين, فقد وجدت نظرية الظروف الطارئة تطبيقات لها في الفقه الإسلامي كحلول عملية لمسائل مختلفة وإن سميت بأسماء متنوعة كالفسخ والأعذار أو وضع الجوائح في بيع الثمار أو تعديل العقد في حالة تقلب قيمة النقود(17). وإن هذه التطبيقات بحثت في أبواب مختلفة من أبواب الفقه بحثاً دقيقاً استند فيه الفقهاء المسلمون إلى تطبيق مبادئ العدالة بأسمى معانيها مسترشدين بما أقره الشرع الإسلامي من المساواة بين العاقدين في الحقوق والالتزامات طوال مدة العقد وما أمر به الشرع من إزالة الضرر عن المدين إذا ما عجز عن المضي في موجب العقد بسبب الحادث الطارئ الذي لم يتوقعه عند إبرامه.
وقد استنبط الفقهاء المسلمون ضمن سعيهم هذا العديد من القواعد الفقهية وعملوا على تطبيقها لمعالجة الظروف الطارئة والأضرار الناجمة عنها ومن الأمثلة على هذه القواعد نذكر ما يلي:-

1. الضرورات تبيح المحضورات

وتتمثل الضرورة في إزالة الضرر عن المدين وأباحت هذه الضرورة المحظور الذي هو عدم تنفيذ الالتزام بسبب الظرف الطارئ(18).
2. درء المفاسد أولى من جلب المنافع

وتتمثل هذه القاعدة في دفع المفسدة عند تعارضها مع منفعة فإذا تعارضت منفعة دائن في إلزام المدين بتنفيذ التزامه مع مفسدة الضرر الذي يصيب المدين إذا نفذ التزامه مع حدوث الظرف الطارئ وجب دفع المفسدة وبالتالي دفع الضرر الناشئ عنها بالفسخ للغدر في عقد الإيجار مثلاً أو بالحط من الثمن بقدر التلف الذي سببته الجائمة في بيع الثمار(19).

3. الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف

وبمقتضى هذه القاعدة يختار أهون الضررين(20). ويلاحظ أن الفقه الإسلامي لم يضع نظرية عامة للظروف الطارئة, ذلك أن الفقه الإسلامي لم يكن معنياً بصياغة النظريات بقدر ما كان يتلمس الحلول العلمية والعملية لكل ما كان يطرح على بساط الوقائع من مسائل(21).
و لهذا السبب عالج الفقه الإسلامي نظرية الظروف الطارئة من خلال مسائلها المختلفة والجزئيات المتفرعة عنها ووضع الحلول العملية المناسبة لها ولكل حالة منها على وجه التحديد. وبعبارة أخرى يمكن القول أن الفقه الإسلامي قد سلك الأسلوب الموضوعي في المعالجة للمسائل الناجمة عن الظروف الطارئة مسألة مستلهماً مقتضيات العدالة ومبادئ الأخلاق ولذلك كان طابع الرفق بالناس هو الغالب, عند تنفيذ العقود.

الفصل الثاني
تطور نظرية الظروف الطارئة وتطبيقاتها
في العصر الحديث

المبحث الأول
في الفقه والقضاء

من أجل متابعة دراسة مراحل تطور نظرية الظروف الطارئة وتبيان الأفكار المختلفة بشأنها بغية تحديد الاتجاهات المتعارضة بشأنها بين مؤيد ومعارض سواء في الفقه أو القضاء في العصر الحديث وسنتناول هذا الموضوع كما يلي:-
أولاً: تطور النظرية في الفقه والقضاء الفرنسي
بعد ضعف نفوذ الكنيسة على كافة الأصعدة ومن ثم انتصار الثورة الفرنسية بدأت النزعة الفردية أو ما يطلق عليه المذهب الفردي بالانتعاش والتوسع, وكان من نتيجة ذلك سيادة مبدأ سلطان الإرادة الذي يدعو إلى منح الحرية التامة لإرادة الأفراد في تحديد الآثار التي تراها مناسبة وبعدم وجود حدود تحدها إلا حدود المصلحة العامة(22). فطبقاً لهذا المبدأ تعتبر الإرادة وحدها مصدراً للالتزامات التعاقدية حيث لا يلتزم أحد في عقد أو يكتسب منه حقاً إلا بإرادته الحرة, وعلى هذا فإن المتعاقد يلتزم بأي دين ينشأ من العقد مهما كان مرهقاً له. وينشأ عن هذا المفهوم نتيجة مهمة وهي أن التعادل أو التوازن المقصود في العقد ليس بين الشيئين المتبادلين وإنما بين الإرادتين الحرتين لكل من المتعاقدين(23). فإذا نشأ العقد نتيجة للتعبير عن هاتين الإرادتين, أصبح مثل هذا العقد شريعة للمتعاقدين لا يمكن نقضه أو تعديله إلا باتفاق إرادتيهما الحرتين أيضاً.
وقد عكست هذه المفاهيم ظلالها على التشريعات التي كانت قد صدرت في تلك المرحلة التاريخية ومن بينها القانون الفرنسي حيث أطلق هذا القانون حرية التعاقد واعتبرها رابطة لا تقبل الفسخ والتعديل إلا باتفاق المتعاقدين أو بمقتضى نص في القانون.
وأمام هذه القوة الملزمة للعقد التي أضفاها عليه القانون ذاته, لم يتمكن القضاء الفرنسي من أن يعدل في العقود أو يضيف إليها ما ليس فيها عندما تعرض عليه منازعات بشأنها, فليس أمامه إلا أن يقضي بما تضمنته العقود من التزامات وواجبات وما اشتملت من حقوق, وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع واضح لنظرية الظروف الطارئة, حيث أن سلطان الإرادة و نظرية الظروف الطارئة لا يلتقيان على صعيد واحد. فانتعاش أحدهما لابد أن يكون على حساب الآخر. والعكس صحيح. بحكم التعارض إلى حد التناقض بين أهداف ومرامي كل من نظرية الظروف الطارئة ومبدأ سلطان الإرادة.
أما بالنسبة للفقه الفرنسي فلم يتفق على رأي أو اتجاه موحد بشأن نظرية الظروف الطارئة ومدى الأخذ بها من عدمه, حيث حاول قسم من الفقهاء أيجاد السند القانوني للنظرية ضمن المبادئ العامة للتشريع الفرنسي ليمهدوا الطريق أمام القضاء للأخذ بها من خلال الأفكار التي أثارها ومنها إن النظرية تقوم على أساس المبدأ القاضي بأن العقود يجب تنفيذها بحسن نية وليس من حسن النية أن يتعسف الدائن بالمدين إذا كان التزام هذا المدين مرهقاً له لظروف طارئة لم تكن في حسبانه, كما ليس من العدل أن يحاسب المدين عن ظروف طارئة سببت ضرراً جسيماً لم يكن متوقعاً وقت العقد. وإن النظرية تستند إلى مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق ومبدأ الإثراء بلا سبب وقد رد خصوم النظرية على ذلك بقولهم إن حسن النية يقضي بأن ينفذ المتعاقدان ما اتفقا عليه وإن الدائن لم يثرَ بلا سبب بل إن هناك سبباً لإثرائه وهو العقد. بالإضافة إلى أن الدائن حين يطالب بحقه الذي تعاقد على أساسه ومن أجله لا يعتبر متعسفاً في طلبه هذا رغم الاختلاف في ظروف تنفيذ المدين لالتزامه(24).
ثانياً: موقف القضاء المصري من النظرية
لم يكن يأخذ القضاء المصري بنظرية الظروف الطارئة قبل النص عليها في القانون المدني النافذ حالياً. فقد كان القضاء المصري في ظل القانون القديم قد استقر على مبدأ يقضي بأن الالتزام لا ينقضي إلا إذا صار تنفيذه مستحيلاً أما إذا كان التنفيذ ممكن فإنه يجب القيام به حتى لو كان مرهقاً للمدين(25).
وقد اتجهت محكمة استئناف مصر إلى الأخذ بنظرية الظروف الطارئة في قضية عرضت عليها حيث قضت (... إنه وإن كان من المقرر احترام العقود باعتبارها قانون المتعاقدين وما دام لم يصبح تنفيذها مستحيلاً استحالة مطلقة لحادث قهري, إلا إنه يجب أن يكون ذلك مقيداً بروح الإنصاف ومقتضيات العدالة, فإذا طرأت عند التنفيذ ظروف لم تكن في حسبان المتعاقدين وقت التعاقد وكان من شأنها أن يؤثر على حقوق الطرفين وواجباتهما بحيث يختل توازنهما في العقد اختلالاً خطيراً, تجعل التنفيذ مرهقاً لدرجة لم يكن يتوقعها بحال من الأحوال فإنه يكون من الظلم احترام العقد في مثل هذه الظروف ومن العدل العمل على مساعدة المدين وإنقاذه من الخراب...)(26).
لكن هذا القرار لم يحظى بتصديق محكمة النقض المصرية التي كانت لا تقر تطبيق نظرية الظروف الطارئة بدون نص في القانون. وفي قرار آخر قضت محكمة استئناف أسيوط (... ليس للمحاكم في مصر أن تأخذ بنظرية الظروف الطارئة بل عليها أن تحكم بتنفيذ العقود كما هي, لا إدخال أي تعديل في شروط المتفق عليها بين الطرفين...)(27).
وقد استمر القضاء المصري على نهجه هذا حتى تم الأخذ بنظرية الظروف الطارئة في القانون المدني النافذ حيث نص عليها في المادة 147/2 منه. وذلك في عام 1948. حيث ورد في المادة المذكورة (( 1.العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقرها القانون. 2. ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة, جاز للقاضي تبعاً للظروف بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ويقع باطلاً كل اتفاق بخلاف ذلك)).



المبحث الثاني
في القانون الإداري

من المعروف أن القانون الإداري متعلق ومرتبط بالمصلحة العامة, ذلك أن الغاية منه ومن خلال العقود الناشئة بموجبه كعقود التوريد والأشغال العامة والنقل هي إسداء الخدمات العامة لأكبر عدد من الناس.
ولهذا فالقانون الإداري يوصف دائماً بأنه قانون قضائي وإن الطابع القضائي يلازم قاعدة القانون الإداري منذ ولادتها وحتى نهايتها. فالقضاء هو الذي يخلق القاعدة القانونية وهو الذي يفسرها وهو الذي يستبدل بها غيرها. والقضاء الإداري يختلف اختلافاً جوهرياً عن القضاء العادي فبينما تنحصر مهمة القضاء العادي في تطبيق القانون وتلمس نية المشرع وبالتالي تأمين مصلحة خاصة أو منفعة للطرفين المتعاقدين فإن القضاء الإداري ليس مجرد قضاء تطبيقي بل هو في الغالب قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ بين الإدارة في تسييرها للمرافق العامة وبين الأفراد وهي روابط تختلف بطبيعتها عن روابط القانون الخاص ومن ثم ابتدع القضاء الإداري نظرياته التي استقل بها في هذا الشأن(28).
وبناءاً على ذلك وفي ضوء هذا الفهم لطبيعة القانون الإداري وجدت نظرية الظروف الطارئة أرضاً خصبة لنموها في ظل القانون وبالتالي القضاء.
وكان القضاء الإداري في فرنسا سباقاً في الأخذ بنظرية الظروف الطارئة وطبقها أثناء الحرب العالمية الأولى عندما تغيرت الظروف الاقتصادية بسبب الحرب وكان لهذه الظروف المتغيرة تأثيراً بالغاً في تنفيذ عقود إلتزام المرافق العامة. وعلى سبيل المثال فقد كان من بين المواد التي تأثرت بالحرب وإرتفع سعرها ارتفاعاً فاحشاً مادة الفحم بحيث وجدت شركة الإضاءة لمدينة بوردو الفرنسية عام 1916 أن الأسعار التي تتقاضاها أصبحت قليلة جداً ولا تغطي نفقات التشغيل. فتقدمت الشركة للسلطة مانحة الالتزام طالبة رفع تلك الأسعار لكن السلطة رفضت الطلب الذي تقدمت به الشركة, مبررة الرفض بالتمسك بالقوة الملزمة للعقد وأنه أي العقد شريعة المتعاقدين ولدى عرض النزاع على مجلس الدولة الفرنسي فقد أقر المجلس مبدءاً جديداً مستمداً من قاعدة دوام سير المرافق العامة. مقتضاه أنه إذا وجدت ظروف لم تكن في الحسبان من شأنها أن تزيد الأعباء الملقاة على عاتق الملتزم إلى حد الإخلال بالتوازن عند تنفيذ العقد, فللملتزم الحق في أن يطلب من الإدارة المساهمة ولو إلى حد ما في الخسائر التي تلحق به, وأصبح هذا المبدأ أساساً لنظرية الظروف الطارئة في القانون الإداري(29).
ثم توالت بعد ذلك أحكام مجلس الدولة الفرنسي التي استقرت على الأخذ بالنظرية المذكورة عند تصديه للمنازعات في القضايا المعروضة عليه مراعياً في أحكامه مبادئ العدالة وتوسع المرافق العامة وضرورة المحافظة على استمراريتها في تأديتها لخدماتها للمواطنين.
أما في مصر فقد رفض ( القضاء الوطني ) الأخذ بنظرية الظروف الطارئة إلى أن صدر القانون رقم 29 لسنة 1947 بشأن المرافق العامة التي تدار عن طريق الامتياز حيث نص في مادته السادسة على الأخذ بالنظرية(30).
وطبق القضاء الإداري المصري الذي عاصر في إنشاءه إقرار النظرية تشريعياً نظرية الظروف الطارئة في العديد من أحكامه ومنها الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 30/حزيران/1957 حيث ورد فيه (... لا شبهة في أن قيام الحرب يعتبر من الحوادث الاستثنائية العامة الخارجية التي لم يكن في الوسع توقعها والتي ترتب عليها أنه إذا أصبح تنفيذ الالتزام أشد إرهاقاً وأكبر كلفة كان للمتعاقد مع الإدارة مطالبتها بالمساهمة معه في تحمل النتائج المترتبة على ازدياد الأعباء الناشئة عن تلك الظروف ...)(31).



المبحث الثالث
في القانون المدني
طبقاً للمفاهيم والأفكار التي أفرزها المذهب الفردي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر فإن الغرض من القانون يتمثل في احترام حرية الفرد وصيانة حقوقه.
وقد أدى ذلك إلى عدة آثار في مجال القانون منها انكماش أو تضاؤل تدخل الدولة وضيق مفهوم المصلحة العامة إضافة إلى تغليب المصلحة الفردية على مصلحة المجتمع وظهر ذلك واضحاً في التأكيد على مبدأ سلطان الإرادة في مجال الروابط العقدية واحترام الحقوق الفردية وإقامة المسؤولية المدنية على فكرة الخطأ الشخصي لا على مبدأ تحمل التبعة أو فكرة الضمان(32).
لكن المذهب الفردي هذا أخذ يضعف وتضيق دائرته تحت تأثير الوعي الاجتماعي ونمو وانتشار الأفكار الاشتراكية في العصر الحديث وبسبب هذه التطورات فقد ظهرت النظرة الجماعية للقانون وأهم مبادئها الإيمان بأن المجتمع هو الأساس في الحياة وإن القانون أداة للخدمة العامة.
وكان من نتائج هذه النظرة في دائرة القانون انكماش دور الإرادة في إنشاء الروابط العقدية وانتفاء تحكمها في إبرام العقد ووضع شروطه وترتيب أحكامه وكذلك إقامة المسؤولية المدنية على فكرة الضمان لا على أساس الخطأ الشخصي(33).
وحسب هذه النظرة الجماعية فأن القانون هو قبل كل شيء وسيلة من وسائل تطوير المجتمع وتوجيهه نحو القيم والمثل العليا والتي بدونها لا توجد حرية حقيقية أو مساواة حقيقية(34).
وعلى ضوء هذه المبادئ والأفكار الجديدة تحت تأثير مفاهيمها بدأ المشرعون في بعض الدول بإصدار التشريعات المدنية التي من شأنها التدخل في تنظيم العقود وعموم العلاقات المدنية وإعطاء الأولوية لمصلحة المجتمع على مصلحة الأفراد والتركيز في العقود على التوازن بين الحقوق والالتزامات المتولدة عنها وإبطال ما يخالف ذلك, وجواز تعديل العقد من قبل القضاء وبالشكل الذي يكفل تحقيق هذا التوازن. وتغليب صفة العلاقة القانونية على صفة العلاقة العقدية. والتوسع في إقرار المسؤولية الناشئة عن حكم القانون في دائرة العقود حماية للطرف الضعيف في الرابطة العقدية. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه المبادئ قد نص عليها قانون إصلاح النظام القانوني في العراق رقم 35 لسنة 1977 وأكد على اعتمادها والأخذ بها عند إعداد التشريعات الجديدة في العراق وفقاً للأسس والمبادئ والأفكار التي حدد نطاقها بكل دقة القانون المذكور.
ومن هذا المنطلق بدأت نظرية الظروف الطارئة تظهر كنص عام في التشريعات المدنية لعدد من الدول فقد أخذ بها قانون الالتزامات البولوني في المادة 269 منه حيث نصت المادة المذكورة على ما يلي ( إذا وجدت حوادث استثنائية كحرب أو وباء أو هلاك المحصول هلاكاً كلياً أو غير ذلك من النوازل الطبيعية فأصبح تنفيذ الالتزام محوطاً بصعوبات شديدة أو صار يهدد أحد المتعاقدين بخسارة فادحة لم يكن المتعاقدان يستطيعان توقعها وقت إبرام العقد جاز للمحكمة إذا رأت ضرورة لذلك تطبيقاً لمبادئ حسن النية وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تعين طريقة لتنفيذ الالتزام أو أن تحدد مقداره أو أن تقضي بفسخ العقد)(35).
ونص القانون المدني الإيطالي في المادة (1467) على ما يلي (.. في العقود ذات التطبيق المستمر أو التنفيذ الدوري المؤجل إذا أصبح التزام أحد المتعاقدين مرهقاً أثر ظروف استثنائية جاز للمتعاقد المدني بهذا الالتزام أن يطلب فسخ العقد وللمتعاقد الآخر أن يدرأ الفسخ بأن يعرف تعديلاً لشروط العقد بما يتفق مع العدالة)(36).
أما القانون الإنكليزي فإنه كقاعدة عامة لا يعترف بالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي كسبب لانقضاء الالتزام لكن القضاء الإنكليزي أوجد ثغرة في هذه القاعدة بافتراض قيام الشرط الضمني بتبدل ظروف العقد وقضى بإعفاء المدين عن تنفيذ التزامه إذا أصبح التنفيذ متعذراً أو صعباً لسبب خارج عن إرادته لوقوع حوادث أثناء تنفيذ العقد وقد أطلق على هذه الحالة تعبير (تعذر التنفيذ) وهي حالة قريبة من نظرية الظروف الطارئة(37).
كما سبق وأن أشرنا إلى أن القانون المدني المصري الصادر عام 1948 قد أخذ بنظرية الظروف الطارئة في المادة 147 منه.
كذلك فإن القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 قد أخذ بنظرية الظروف الطارئة بنص عام ورد في الفقرة الثانية من المادة 146 منه.
ومن النصوص المتقدمة يبدوا واضحاً أن نظرية الظروف الطارئة قد وجدت مكانها في القانون المدني في العصر الحديث بسبب أن مبادئ العدالة والإنصاف قد سادت فيه بشكل واسع, وأنها توجب توزيع العبء الزائد أو الخارج عما يقتضيه العقد بين الطرفين المتعاقدين, فضلاً عن تحقيق التوازن في أحكام القانون المدني ذاته حيث أن القانون المذكور لا يقبل (بالغبن) حين إبرام العقد فحري به إذن أن لا يقبله في مرحلة تنفيذ العقد.
هذا بالإضافة إلى أن نظرية الظروف الطارئة تستند إلى مبدأ حسن النية الذي يتصل بمبدأي الإثراء بلا سبب وعدم التعسف في استعمال الحق, التي هي من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها أحكام القانون المدني.

الفصل الثاني
أحكام وتطبيقات نظرية الظروف الطارئة في القانون
والقضاء العراقي

قبل نفاذ القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 كان القانون المدني السائد يتمثل في مجلة الأحكام العدلية التي أخذت بنظرية الفسخ للعذر في عقد الإيجار التي تقترب في مفهومها العام من نظرية الظروف الطارئة حيث أنها تهدف إلى دفع الضرر عن أحد المتعاقدين أو تؤدي إلى فسخ العقد. وتنفسخ الإجارة بالأعذار كمن استأجر دكاناً في السوق ليتجر فيه فذهب ماله, وكمن أجر داراً أو دكاناً ثم أفلس ولزمته ديون لا يقدر على قضائها إلا من ثم ما أجر(38).
بعدها صدر القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 وتم العمل به في 8/9/1953. حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 146 منه على ما يلي:( على أنه إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة, جاز للمحكمة بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تنقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك).
وبمقتضى هذا النص تعتبر نظرية الظروف الطارئة في القانون العراقي من النظام العام وبالتالي لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها. وقد حال ذلك دون فرض المتعاقد القوي شروطه على المتعاقد الضعيف بإعفاء نفسه من تحمل تبعات الظرف الطارئ.
وسنتناول ذلك كله بالتفصيل من خلال ثلاثة مباحث وهي:
خصص المبحث الأول : شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة.
أما المبحث الثاني فقد تناول آثار النظرية في تنفيذ الالتزامات.
أما المبحث الثالث فتناول إزالة اختلال التوازن الاقتصادي في التزامات طرفي العقد.

المبحث الأول
شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة
إن اختلاف التوازن الاقتصادي في العقد بسبب الظروف الطارئة يرجع إلى وقوع حوادث استثنائية عامة غير متوقعة لا يمكن دفعها, تجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة, وحتى يمكن إعادة التوازن الاقتصادي المختل عن طريق تطبيق النظرية لا بد من توفر شروط وهي:-
أولاً : أن يكون العقد متراخي التنفيذ :
تنطبق نظرية الظروف الطارئة على العقود التي يفصل بين إبرامها وبين تنفيذها فترة من الزمن يطرأ خلالها حادث استثنائي غير متوقع يؤدي إلى جعل تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين, فتنطبق النظرية على عقود المدة ذات التنفيذ المستمر أو الدوري كما تنطبق على العقود الفورية التي يتفق فيها على أجل لاحق لتنفيذ بعض التزامات المتعاقدين. لتحقق حكمة التشريع في الحالتين وهي إصلاح ما أختل من التوازن الاقتصادي للعقد في الفترة ما بين إبرامه وتنفيذه نتيجة للظروف الاستثنائية التي طرأت خلال هذه الفترة وذلك برفع الإرهاق عن المدين تمكيناً له من تنفيذ التزامه وهذا الإرهاق كما يحدث في الالتزامات التي تنفذ بصورة دورية أو مستمرة يحدث كذلك في الالتزامات المؤجلة التنفيذ(39). ولكن لا يجوز إعمال أحكام نظرية الظروف الطارئة إذا كان تراخي تنفيذ الالتزام إلى ما بعد وقوع الظرف الطارئ راجعاً إلى خطأ المدين(40). أما إذا كان العقد فوري التنفيذ فلا يمكن الاستناد إلى نظرية الظروف الطارئة بدعوى اختلال التوازن الاقتصادي بل يمكن الاستناد إلى نظرية الاستغلال إذا توافرت شروط الغبن مع التقرير(41). وقد قضت محكمة التمييز: (... وقد تراخى الطرفان المتعاقدان في تنفيذ العقد لعدم تسديد بقية الثمن حتى أدركهما قانون الإصلاح الزراعي وهو من قوانين النظام العام... كما أنه يعتبر حادثاً طارئاً أخل بالتوازن الاقتصادي المتعلق بالعقارات الزراعية وأدى إلى هبوط أقيامها مما يتحتم معه تدخل القضاء للموازنة بين مصلحة الطرفين وأنقاض الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن إقتضت الحاجة ذلك ...)(42).
ثانياً : أن يكون الحادث طارئاً :
والمقصود بهذا الشرط أن تطرأ بعد إبرام العقد وقبل إكمال تنفيذه حوادث استثنائية عامة وغير متوقعة. وحتى يوصف الحادث بأنه طارئ لابد من أن تتوفر فيه الصفات التالية:
1. أن يكون الحادث استثنائياً : ويراد بالحادث الاستثنائي أن كون الحادث مما لا يتفق مع السير الطبيعي للأمور بمعنى أنه بعيد عما ألفه الناس واعتادوه في حياتهم ومعاملاتهم اليومية العادية, ومن الحوادث التي تعتبر استثنائية وقوع زلزال أو نشوب حرب أو فرض تسعيرة أو إلغاء تسعيرة كانت مفروضة وقت إبرام العقد أو ارتفاع باهض في الأسعار بسبب حصار اقتصادي مثلاً كما يحدث الآن بالنسبة لقطرنا العراقي نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض عليه بقرارات مجلس الأمن الدولي, حيث نرى ونلمس العديد من صور الحوادث الاستثنائية غير المألوفة. ومن قرارات محكمة التمييز حول الاستثنائية في الحادث نذكر ما يلي (... بما أن المميز عليه قد أعفى عدد من السيارات من الرسوم المقررة التي تدفع إلى المميز... فهذا الإعفاء من الحوادث الاستثنائية التي طرأت بعد تنفيذ الالتزام, فكان على المحكمة والحالة هذه تطبيق أحكام المادة 146/2 من القانون المدني...)(43).
ومن القرارات الأخرى التي أصدرتها محكمة التمييز والمتعلقة بذات الموضوع نذكر القرار الآتي (... إن المميز يستند في دعواه بطلب الفسخ إلى حكم المادة (878) مدني وحيث أن الحكم الذي جاءت به المادة المذكورة هو تطبيق لنظرية الظروف الطارئة التي تقرر مبدأها في المادة 146/2 من القانون المدني, ولما كان من شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة في عقد المقاولة أن يحدث أثناء تنفيذ عقد المقاولة حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد يترتب عليها زيادة تكاليف العمل زيادة فاحشة تجعل تنفيذ المقاول التزامه مرهقاً وعسيراً وحيث أن الثابت في أوراق الدعوى... أن فيضان سنة 1968 كان غير اعتيادي بمقارنته بالفيضانات للسنوات السابقة وإنه لم يكن متوقعاً... لذا كان على المحكمة أن تتحقق عما إذا كان الفيضان... يعتبر من الحوادث الاستثنائية العامة غير المتوقعة. وهل ترتبت عليها زيادة فاحشة جعلت تنفيذ المقاول التزامه بإكمال العمل مرهقاً وعسيراً أم لا ؟..)(44).
أما إذا وقع الحادث عند التعاقد فلا يعتبر من الحادث الاستثنائية العامة ولا مجال عندئذ للمطالبة بتطبيق نظرية الظروف الطارئة وبهذا قضت محكمة التمييز (... إن الاعتراضات التمييزية غير واردة لأن المميز قد استند على الفقرة (2) من المادة (146) من القانون المدني ولما كانت هذه الفقرة تشترط أولاً أن تكون الحوادث الاستثنائية عامة وقعت بعد التعاقد... ولأن ابتداء تنفيذ التعهد كان بتاريخ 1/2/1954 وكان الظرف الاستثنائي العام وهو الفيضان واقع قبل ذلك التاريخ وعند التعاقد فلا يكون الفيضان من الحوادث الاستثنائية التي لم يكن من الممكن توقعها ...)(45).
ولكن من الجائز أن تترتب آثار أخرى غير متوقعة على الظرف الطارئ الذي كان واقعاً عند التعاقد وتسبب إرهاقاً للمدين, وفي مثل هذه الحالة يكون من حق المدين المرهق المطالبة بتطبيق النظرية للاستفادة من أحكامها والحلول التي تتضمنها وفي قرار لها بهذا الشأن قضت محكمة التمييز (... وجد أن محكمة الاستئناف ذهبت إلى أن الحادث الاستثنائي هو الفيضان وإنه كان في تاريخ الضم قائماً ... وقد فاتها أن قبول مبدأ الحوادث الاستثنائية مبني على أساس اختلال التوازن الاقتصادي للعقد ... وقد تأيد بأن المميز عليه أثرى على حساب المميز واختل بينهما التوازن الاقتصادي للعقد, .... وعلينا أن نبحث الأسباب التي دعت المميز أن لا يتوقع تلك الحوادث فنجد أن مجرد وجود الفيضان في شهر أيار لا يوحي له بأنه سيستمر المدة التي بقيت المياه راكدة فيها على المزارع, إذ عادةً إن الفيضانات تنحسر بعد أن تغمر مياهها الأراضي الزراعية مدة وجيزة وتترك على الأراضي المذكورة طبقة غرينية تزيد من قابليتها الإنباتية ... لهذا فإن مجرد حدوث الفيضان لا يوحي للمميز استمراره المدة الطويلة التي سببت إضراره, فالحادث الاستثنائي في هذا الموضوع هو استمرار مدة الغرق وعدم هبوط مستوى المياه وبقاء مياه الفيضان غامرة للأراضي مدة طويلة, بحيث إنتهى الموسم الزراعي وأوشكت مدة العقد على الانتهاء, فكان على المحكمة أن تدقق هذه الجهة فإذا تأيد لها أن المياه في تلك السنة بقيت غامرة للأراضي مدة طويلة, بحيث انتهى الموسم الزراعي وأوشكت مدة العقد على الانتهاء, فكان على المحكمة أن تدقق هذه الجهة فإذا تأيد لها أن المياه في تلك السنة بقيت غامرةً الأراضي الزراعية على الشكل المذكور فتكون الحالة استثنائية غير متوقعة ويستحق المميز التعويض استناداً للفقرة (2) من المادة (146) من القانون المدني ...)(46).
2. أن يكون الحادث عاماً : يقصد بالحادث العام أن لا يكون خاصاً بالمدين فقط كإفلاسه أو موته أو مرضه بل يجب أن يكون عاماً شاملاً لطائفة من الناس, بمعنى أنه يشمل بآثاره طائفة من الناس أو أكثر كأهل البلد أو سكان إقليم معين من بلد ما أو مجموعة من الناس يؤلفون طبقة في المجتمع أو فئة منها. كالحرب والثورة والفيضان والحرارة أو البرودة الشديدة غير المتوقعة وتساقط الثلوج بشكل غير عادي. وهذا الحادث في عموميته تسبب في إلحاق الضرر الجسيم بالمدين. وفي قرار لها قضت محكمة التمييز (... أن نظرية الحوادث الطارئة التي تمسك بها المميز وفقاً للمادة 146 من القانون المدني يشترط لتطبيقها شروط ثلاثة هي:
أولاً: أن توجد بعد إبرام العقد وقبل تنفيذه حوادث استثنائية عامة, فالحوادث الاستثنائية الخاصة بالمدين وحده لا تكفي لتطبيق نظرية الحوادث الطارئة ...)(47). هذا وينتقد اشتراط صفة العمومية في الحادث الاستثنائي من ناحيتين:
الأولى : إن هذا الشريط يجافي المنطق القانوني من حيث طبيعة الحادث والأثر الذي يترتب عليه, ذلك أن القوة القاهرة قد تكون أمراً عاماً وقد تكون حادثاً فردياً خاصاً بالمدين وربما تكون أشد وطأة من الحادث الطارئ العام بالنسبة إلى المدين فهي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً وهذه الاستحالة تؤدي إلى انقضاء الالتزام في حين أن الحادث الاستثنائي العام يجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً فقط فكيف يجوز بعد ذلك أن يشترط في الحادث الاستثنائي مالا يشترط في القوة القاهرة.
الثانية : إن اشتراط الوصف المذكور يخالف الاتجاه الجديد في نظرية الحوادث الطارئة الذي أخذت به تشريعات عديدة وفي دول مختلفة. بالإضافة إلى أن الوصف المذكور يضيق من نطاق هذه النظرية(48). 3. أن يكون الحادث غير متوقع ولا يمكن دفعه : ويراد بهذا الشرط أن لا يكون في الوسع توقع الحادث وقت إبرام العقد. فالحادث غير المتوقع هو الحادث الذي يجاوز تقدير الطرفين عند إبرام العقد. والعبرة في الوقع بمعيار موضوعي وهو معيار الشخص المعتاد(49) وقوامه أن لا يكون في وسع الرجل المعتاد توقع وقوع الظرف الطارئ عند إبرام العقد. وكان مجلس الدولة الفرنسي أول من أخذ بهذا المعيار وصولاً إلى معرفة هل الحادث الطارئ متوقع الحصول أو غير متوقع(50).
وبذلك فإن الحدث المتوقع لا يترتب عليه تطبيق نظرية الحوادث الطارئة ففي قرار لها قضت محكمة التمييز (... إن مناط تطبيق نظرية الظروف الطارئة هو أن يكون الحادث غير متوقع وكانت محكمة الاستئناف حسب سلطتها الموضوعية قد قررت بأن برودة الجو أمر متوقع وقد جرى بذلك قضاء هذه المحكمة لذا فلها مجال لتطبيق نظرية الظروف الطارئة...)(51).
وتعتبر الحوادث التي ترافق إعلان الحرب وبدء عملياتها من قبيل الحوادث غير المتوقعة حيث قضت محكمة التمييز (... إن الحكم المميز غير صحيح لأن المميزة كانت قد قامت من جهتها بكل ما يترتب عليها من الواجبات فطلبت الأدوات الاحتياطية برقياً, على أن تشحن بالطائرة لتأمين سرعة وصولها وحيث قد طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وهي الحوادث التي رافقت الاعتداء الإسرائيلي في الخامس من شهر حزيران 1967 وتوقف الشحن الجوي بين إنكلترا والعراق لذا لا تكون المميزة مسئولة عما نشأ من هذا الظرف الاستثنائي الذي لا دخل لها فيه ...)(52).
كما إنه إذا تم إبرام عقد معين في ظروف استثنائية فلا يحق للمدين في مثل هذه الحالة أن يطالب بتطبيق نظرية الظروف الطارئة بدعوى الظروف الاستثنائية ما دام بالإمكان توقع الآثار المترتبة عليها أو كانت معلومة لديه, وفي قرار لها قضت محكمة التمييز بما يلي (... إن حصول ارتفاع في أسعار المواد وفي الأيدي العاملة لم يكن من قبيل الحوادث الاستثنائية غير المتوقعة ... لأن هذا الارتفاع كان قائماً ومعلوماً لدى الطرفين حتى التعاقد ...)(53).
هذا وينبغي أن يكون عدم التوقع نسبياً لا مطلقاً فالحادث الطارئ الذي لا يمكن توقعه هو الحادث غير الممكن توقعه اعتيادياً ومما يدل على (اعتيادية الحادث) كثرة وقوعه, أما الحوادث النادرة فلا تعتبر متوقعة. وإذا كان العقد مبرماً لمدة طويلة فإن احتمال وقوع الظروف الطارئة خلال مدة تنفيذه أكبر من احتمال وقوع الظروف الطارئة في حالة كون العقد مبرماً لمدة قصيرة. وتتأثر درجة توقع الظرف الطارئ بحالة المتعاقد فيما إذا كان شخصاً أم شركة, فمهما أوتي المقاول الشخص من إمكانات وقدرات فإن إمكانية توقعه للظرف الطارئ تكون محدودة بخلاف الشركة وبما تملكه من إمكانيات وخبرات في توقع الظرف الطارئ (فالشركة المتخصصة بالتجارة مثلاً تكون على دراية بالأزمات والاختناقات التي تحصل في الموانئ). وبمثل هذا قضت محكمة التمييز في قرارها المرقم 137/84/85 في 9/2/1986 (54).
ويترتب على أن الحادث لا يمكن توقعه أن يكون نصاً مما لا يستطاع دفعه فالحادث الذي بالإمكان وقعه يستوي في شأنه أن يكون متوقعاً أو غير متوقع ذلك أن الحادث الذي لا يمكن دفعه هو الذي ليس بإمكان المتعاقد أن يتفاداه وأن يتوقى آثاره فإذا كان بإمكانه دفع هذا الحادث وتوقي آثاره ولم يفعل كان مخطئاً وعليه أن يتحمل نتيجة خطأه وليس له المطالبة بتطبيق نظرية الظروف الطارئة للاستفادة من حمايتها. ومن أبرز الأمثلة على الحوادث التي لا يمكن دفعها الحرب والتمرد والزلازل وثورات البراكين.

ثالثاً : إرهاق المدين :
أن إرهاق المدين يعتبر من أهم الشروط التي يجب الاعتماد عليها للقول بأن هناك إختلالاً في التوازن الاقتصادي في العقد ومن ثم تطبيق نظرية الظروف الطارئة على الواقعة محل النزاع وعلى أن تتوافر الشروط الأخرى المقتضية لذلك. والملاحظ على المشرع العراقي أنه تجنب تحديد معنى الإرهاق, وبذلك فإنه ترك أمر تحديده إلى القضاء لكنه على العموم ينطوي على الخسارة الجسيمة المؤكدة والثابتة التي تصيب المدين جراء تنفيذه لالتزاماته المترتبة عليه بموجب العقد الذي هو طرف فيه(55). ويؤدي إلى اختلال التوازن الاقتصادي.
وهذا الأمر هو الذي يميز نظرية الظروف الطارئة عن القوة القاهرة, حيث أن القوة القاهرة في حال تحققها تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً وبها ينقضي العقد, بينما الظرف الطارئ يجعل تنفيذ الالتزام مرهقاً دون أن يبلغ حد الاستحالة والإرهاق هو الشرط الوحيد الذي ينتج أو ينشأ من العقد نفسه وينقل نظرية الظروف الطارئة من الميدان النظري إلى ميدان العمل. وإذا لم يحصل شرط الإرهاق امتنع تطبيق نظرية الظروف الطارئة حيث قضت محكمة التمييز في قرار لها حول هذا الموضوع بما يلي (... وجد أن الحكم المميز بالنظر لما أستند إليه من أسباب موافق للقانون ... إذ أن تنفيذ الالتزام لم يصبح مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة...)(56). وهنا يطرح سؤال مهم نفسه على بساط البحث وهو كيف يتم تحديد الإرهاق أو الخسارة الفادحة؟ وما هي الأسس والمعايير التي تعتمد في ذلك؟ الإرهاق كما تقول محكمة التمييز (... حالة متغيرة تتغير بتغير الظروف فما يكون مرهقاً لمدين لا يكون مرهقاً لمدين آخر وما يكون مرهقاً لمدين في ظروف معينة لا يكون مرهقاً لنفس المدين في ظروف أخرى ...)(57).
ولغرض الوصول إلى تقدير الإرهاق يتم الاعتماد على معيارين:
الأول : موضوعي وهو يتعلق بالعقد ذاته وعلى أساسه يتم تحديد الفرق في القيمة بين كل من قيمة الالتزام أثناء التعاقد وقيمته أثناء التنفيذ ووقوع الظرف الطارئ. ومن ثم البحث حول ما إذا كان الفرق المذكور يصل إلى مستوى الخسارة الفادحة للمدين.
أما المعيار الثاني فهو معيار شخصي يتعلق بحالة المتعاقد ذاته حيث نبحث امكاناته وظروفه وصولاً إلى تحديد ما إذا كان تنفيذ المدين لالتزامه مرهقاً له أم لا؟ هذا وعلى المحكمة أن تستعين بالخبراء والجهات ذات الاختصاص للوصول إلى الغرض المذكور وليس لها الانفراد في الرأي في تقدير تحقق الإرهاق من عدمه وبهذا قضت محكمة التمييز (... ليس للمحكمة أن تنفرد برأيها في تقدير عدم تأثير زيادة الرسوم الكمركية على التوازن الاقتصادي بين الطرفين بل عليها أن تستطلع رأي الخبراء في ذلك ...)(58). وحول نفس الموضوع وفي قرار آخر لها أكدت محكمة التمييز أهمية الخبرة في تحديد الإرهاق حيث قضت (... حتى إذا قدر الخبراء ذلك وازنت المحكمة بين مصلحة الطرفين فإن أتضح لها أن الالتزام أصبح مرهقاً أنقصته إلى الحد المعقول ...)(59).
ولا تعتبر الخسارة المادية المألوفة في التعامل من قبيل الإرهاق, فكما يحتمل التعامل التجاري الربح فإنه يحتمل الخسارة أيضاً ما دامت مألوفة ومتوقعة وذلك تطبيقاً لقاعدة (الغرم بالغنم) وبهذا قضت محكمة التمييز (... وجد أن الارتفاع الذي طرأ على المادة التي وقع التعهد عنها لا يعتبر غير اعتيادي إذ أن ارتفاع الثمن وانخفاضه لمادة استهلاكية يعتبر نتيجة محتملة لثمن تلك المادة وفق العرض والطلب فالزيادة أو النقص لا يخلان بمنطوق التعهد أو يجعلانه مرهقاً ...)(60).
وبالإضافة إلى ما تقدم توجد بعض الأسس التي يجب مراعاتها في تحديد الإرهاق منها الأخذ بنظر الاعتبار جميع أوجه النشاط الاقتصادي التي يمارسها المتعاقد والتي يقوم بينها اتصال وثيق بحيث يمكن اعتبارها فرعاً من الالتزام الأصلي, أو ما إذا كان المتعاقد يمارس أنشطة متعددة ومختلفة بمقتضى عقد واحد حيث تؤخذ جميع هذه الأنشطة ومردوداتها المالية عند تقدير الإرهاق الذي يتعرض له المتعاقد بسبب الظرف الطارئ, كما لا يدخل في حساب الخسائر ما قد تحمله المتعاقد منها قبل وقوع الظرف الطارئ إذ تقع هذه الخسائر على المتعاقد وحده باعتبارها ضرباً من ضروب المخاطرة التي يتعرض لها المتعاقد عادةً(61).
هذا وإنه من المتفق عليه فقهاً وقضاءاً أنه يمكن للمحكمة الاستعانة بجميع وسائل الإثبات ومنها القرائن لتحديد درجة الإرهاق أو الخسارة.

المبحث الثاني
آثار النظرية في تنفيذ الالتزامات

إذا توافرت الشروط القانونية لتطبيق نظرية الظروف الطارئة, فما مدى ذلك على استمرارية المدين في تنفيذ التزامه المرهق له؟ وإذا نفذ التزامه رغم إرهاقه وتعرضه إلى خسائر مادية فادحة فهل يستطيع المطالبة بتطبيق النظرية ومن ثم الاستفادة من أحكامها؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها سوف نتولاها في هذا المبحث وكما يلي:
أولاً : حالة استمرار المدين في تنفيذ الالتزام :
على المتعاقد الذي يطالب بتطبيق نظرية الظروف الطارئة ويتمسك بها أن يستمر في تنفيذ التزامه بالرغم من الظرف الطارئ الواقع وتأثيراته الضارة على المتعاقد وإذا توقف عن تنفيذ التزاماته العقدية كما هي واردة في العقد, فيكون عندئذ غير جدير بالحماية التي تقررها فكرة (نظرية الظروف الطارئة) في مساعدة المدين والأخذ بيده لغرض تمكينه من تنفيذ ما كان قد التزم به, وبهذا المعنى قضت محكمة التمييز (... يتبين من أوراق الدعوى أن المدعين (المميز عليهم) قد حصروا دعواهم بالأضرار التي أصابتهم جراء تنفيذ العقد المبرم بين الطرفين استناداً إلى نظرية الظروف الطارئة وقد أقر المدعون في عريضة الدعوى أنهم توقفوا عن تنفيذ العقد, بينما كان عليهم أن يستمروا بتنفيذ العقد إلى نهايته ... ولما كانت المادة 146/2 من القانون المدني تجيز للقضاء إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب عليها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي صار مرهقاً للمدين ويهدده بخسارة فادحة أن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ومفهوم هذا أن يستمر المتعاقد الذي يشكو الإرهاق في تنفيذ التزامه, لكي يستفيد من تدخل القضاء لتخفيف حدة الإرهاق, فإذا امتنع من جانبه وتوقف عن تنفيذ التزامه كله أو بعضه فلا يستفيد من نظرية الظروف الطارئة ولا يحق له المطالبة بالتعويض لأن الهدف الرئيسي للنظرية هو مساعدة المتعاقد على تنفيذ التزامه التعاقدي وتخفيض الأضرار التي أنزلتها به الظروف الطارئة بسبب تنفيذ التزامه التعاقدي وذلك بشرط استمراره على تنفيذ هذا الالتزام, لأنه يجب تنفيذ العقد طبقاً لما أشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية فكان على المميز عليهم (المدين) الاستمرار في تنفيذ العقد ثم المطالبة بالتعويض...)(62). وليس للمدين أن يطلب فسخ العقد عند تعرضه للظرف الطارئ بالاستناد إلى نص المادة 146/2 من القانون المدني وبهذا قضت محكمة التمييز في قرار لها حيث جاء فيه (... إن المادة 146 من القانون المدني لم تجز للملتزم الفسخ إنما أجازت تنقيص الالتزام إذ لا يجوز فسخ العقد إلا إذا أصبح الالتزام مستحيلاً فينقضي حينذاك الالتزام أما الحالة الواردة في المادة 146 فتعالج ما إذا أصبح الالتزام مرهقاً بحيث يهدد المتعهد بخسارة فادحة وللمحكمة أن تعدل التوازن الذي أختل نتيجة الحادثة الطارئة ...)(63).
وهذا الحكم هو تطبيق للقاعدة العامة في تطبيق نظرية الظروف الطارئة المنصوص عليها في الفقرة (2) من المادة (146) من القانون المدني العراقي التي لا تجيز فسخ العقد وإنما تجيز للمحكمة أن تعدل العقد بإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك, وإن رفض الفسخ يعني الإبقاء على العقد كما هو بالرغم من عدم التوازن الاقتصادي الذي حدث فيه.
لكن المشرع العراقي نفسه خرج على هذه القاعدة وذلك في المادة 787 من القانون المدني حيث عالج فيها فسخ عقد المقاولة إذا انهار التوازن الاقتصادي بين التزامات رب العمل والمقاول انهياراً تاماً بسبب حوادث لم تكن في الحسبان وقت إبرام العقد أدت إلى انعدام الأساس الذي قام عليه التقدير المالي لعقد المقاولة.
ثانياً : حالة تنفيذ الالتزام والمطالبة بتطبيق النظرية :
الثابت فقهاً وقضاءاً أن للمدين الحق في المطالبة بتطبيق نظرية الظروف الطارئة إذا تمسك أثناء تنفيذ العقد.
وهنا يثور السؤال التالي:
إذا نفذ المدين التزامه المترتب عليه جراء العقد بصورة تامة ووفقاً لما كان قد التزم به عند التعاقد بالرغم من آثار ونتائج الظرف الطارئ الذي تعرض له أثناء التنفيذ, فهل يستطيع مثل هذا المدين أن يطالب بتطبيق نظرية الظروف الطارئة بعد تنفيذ التزامه؟.
الملاحظ أن القضاء العراقي ومن خلال ما أطلعنا عليه من أحكام قضائية ذات صلة بالموضوع, إنه قد اتجه إلى عدم جواز المطالبة لتطبيق نظرية الظروف الطارئة في حالة تنفيذ المدين لالتزامه. إذ أن تنفيذ العقد تماماً يعني إنه انقضى بالوفاء وبالتالي لم يعد هذا العقد قائماً حتى يكون من الممكن المطالبة بتعديله وفق أحكام النظرية وإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول لأن الالتزام قد نفذ, وانقضى بالتنفيذ ولأن تدخل المحكمة لإعادة التوازن الاقتصادي المختل بين الدائن والمدين نتيجة الظرف الطارئ يفترض أن هناك عقداً قائماً بين الطرفين لتتمكن من تعديله بقوة القانون. أما وإن العقد قد أنقضى بالتنفيذ فكيف إذن يتم تعديل عقد غير قائم.
هذا إضافة إلى أن نظرية الظروف الطارئة تشترط تحقق إرهاق المدين وتنفيذ العقد دليل على انتفاء الإرهاق, وبهذا المعنى قضت محكمة التمييز في قرار لها حيث جاء فيه (... إن المدعية أقامت دعواها مستندة إلى حكم الفقرة (الثانية) من المادة (146) من القانون المدني, بعد أن نفذت التزامها كاملاً.
ولما كانت الفقرة المشار إليها لا تجد مجالاً للتطبيق إلا إذا كان الحادث الاستثنائي الذي يتسبب عنه الإرهاق قد طرأ في الفترة بعد إبرام العقد وتنفيذ الالتزام الناشئ عنه, فإذا كان الالتزام قد نفذ فإنه ينقضي ويمنع انطباق نظرية الظروف الطارئة لأن تطبيقها لا يكون إلا على التزام لم ينفذ بعد, بالإضافة إلى أن تنفيذ الالتزام فيه الدلالة الكافية على انتفاء شرط الإرهاق ...)(64).
وفي قرار آخر قضت محكمة التمييز (... وجد أن المميز عليه كان قد أبرم عقد مقاولة مع المميز وبعد تنفيذ العقد أقام المميز عليه الدعوى بطلب الحكم بإلزام المميز بمبلغ ... تعويضاً عما أصابه من خسارة بسبب زيادة أسعار الحديد زيادة فاحشة أثناء تنفيذ العقد, فأصدرت محكمة البداءة حكماً بإلزام المدعى عليه بالمبلغ المدعى به, فاستأنف المدعى عليه الحكم البدائي فأيدت محكمة الاستئناف الحكم ... وحيث أن الذي تراه الهيئة العامة هو أن ما قررته المادة 878/مدني هو تطبيق في عقد المقاولة لنظرية الظروف الطارئة التي تقرر مبدأها في المادة 146/2 من القانون المدني, فشروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة في عقد المقاولة هي نفس شروط تطبيقها في مبدأها العام... ولما كان مفهوم الشرط الأول فيها هو أن تفصل فترة من الزمن بين إبرام عقد المقاولة وتنفيذه, وينبني على هذا أن انطباق نظرية الظروف الطارئة يمتنع إذا كان المقاول قد نفذ التزامه لأن النظرية ترد على التزام لم يتم تنفيذه فيستند إليها المقاول لرفع الإرهاق الذي حل به من جراء الحادث الطارئ وتنفيذ المقاول التزامه خير دليل على أن ما ترتب على الحادث الطارئ من ارتفاع الأسعار لم يكن مرهقاً له, ولما كان ذلك وكان عقد المقاولة المبرم بين الطرفين قد تم تنفيذه فليس للمميز عليه أن يستند إلى حكم المادة 878/مدني للمطالبة بتعويض عن زيادة الأسعار لمادة الحديد ... وحيث أن شروط تطبيق المادة 878/مدني لم تتوفر في دعوى المميز عليه إذ أنه أقام دعواه بعد أن نفذ التزامه التعاقدي ...)(65).
ومن ذلك يتضح ويتأكد من التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز عدم أحقية المدين في المطالبة أو التمسك بنظرية الظروف الطارئة في حالة تنفيذه التزامه التعاقدي بالكامل.


المبحث الثالث
إزالة اختلال التوازن الاقتصادي في التزامات طرفي العقد

إذا توافرت شروط النظرية وبعد الموازنة بين الموازنة وبين مصلحة كل طرف من طرفي العقد, جاز للمحكمة معالجة أو إزالة الاختلال في التوازن وبما يؤدي إلى رفع الإرهاق الواقع على أي من الطرفين وسنتناول في هذا البحث كيفية قيام المحكمة بذلك وما هي الأساليب التي تتبعها لتحقيق هذا الهدف.
أولاً : زيادة التزامات الدائن :
بعد الموازنة بين مصلحتي الطرفين المتعاقدين قد ترى المحكمة إن مقتضيات العدالة, توجب إزالة الإرهاق عن المدين وذلك بزيادة التزامات الدائن فمثلاً إذا كان شخص ما قد تعاقد مع آخر على توريد كمية معينة من مادة معينة وبسعر محدد ومتفق عليه بين الجانبين وقت التعاقد, ولظروف طارئة غير متوقعة حصلت أثناء التنفيذ أرتفع ذلك السعر ارتفاعاً كبيراً بحيث أدى إلى أن تكون عملية توريده من قبل الطرف الآخر مرهقة له. ولغرض إزالة الإرهاق عن المدين, على المحكمة أن تتبع أسلوباً بمقتضاه يتم الوقوف على مقدار الزيادة المتوقعة أو المألوفة في الظروف الاعتيادية في أسعار نفس المادة. وخلال نفس الفترة التي يتم بها تنفيذ الالتزام معاصرة مع الظرف الطارئ, أي أن يتم احتساب الزيادة في الأسعار ضمن نموها الطبيعي وكأن الظرف الطارئ لم يقع أو ليس له وجود, وبعد تحديد هذه الزيادة بمعرفة أهل الخبرة والاختصاص يتم طرحها من المستوى الذي بلغته الأسعار لنفس المادة بسبب الظرف الطارئ. وبذلك يتم التوصل إلى معرفة مقدار الزيادة غير المتوقعة في الأسعار وبعدها تقرر المحكمة زيادة التزامات الدائن برفع السعر المتفق عليه أثناء التعاقد إلى حد معقول بحيث لا يتحمل أحد طرفي العقد بمفرده الزيادة غير المتوقعة بل توزع على كلا طرفي العقد. وبهذا المآل قضت محكمة التمييز حيث جاء في قرار لها ما يلي: (... إن نظرية الظروف الطارئة قد توفرت أركانها في الدعوى المقامة, وإن المادة 146/مدني التي بحثت في ذلك قد توفرت في ادعاء المدعي لذلك من حق المحكمة الموازنة بين مصلحة الطرفين وتنزيل الخسارة المألوفة من المبلغ العام لمجموع الضرر ثم توزيع ما بقي على طرفي الالتزام ...)(66).
وفي قرار آخر قضت محكمة التمييز (... كان عل المحكمة الخوض في أساس الدعوى والمتثبت من انهيار التوازن الاقتصادي بين التزامات المقاول ورب العمل فإذا ثبت لديها ذلك فعليها الحكم بزيادة الأجرة بنسبة ما أنجزه المدعي من العمل تطبيقاً لنظرية الظروف الطارئة وما استقر عليه قضاء محكمة التمييز في مثل هذه الدعاوى ...)(67). وفي قرار حديث لها قضت محكمة التمييز (... ولكن المحكمين وإن كانوا قد أخذوا بنظرية الظروف الطارئة وكان قرارهم مسبباً وواضحاً إلا إنهم أخطأوا في حساب ما يتحمله كل من الطرفين حيث أنهم حملوا الطرفين مناصفة جميع الزيادات الحاصلة في المواد الإنشائية وأجور العمل وإن الحساب الصحيح هو احتساب الخسارة المألوفة من هذه الزيادة وهي خسارة متوقعة في حساب كل مقاول حيث أن المقول هو الذي يتحمل الخسارة المألوفة دائماً ثم ما زاد عن الخسارة المألوفة يقسم مناصفة بين رب العمل والمقاول ... )(68).
على أن الدائن, في مثل هذه الحالة لا يجبر على قبول السعر الجديد فله أن يقبل أو يطلب فسخ العقد (69).
ثانياً : إنقاض التزامات المدين :
وقد ترى المحكمة أن إزالة الإرهاق وإعادة التوازن الاقتصادي بين طرفي العقد يتم بأنقاض الالتزامات المترتبة على المدين, وبمثل هذا قضت محكمة التمييز في قرار لها (... ثبت منع الحكومة للذبح خلال المدة المطالب بها ... وهو يعتبر من الحوادث الاستثنائية التي لم يكن للمستأجر أو المؤجر يد فيها, وحيث أن المنع جعل المأجور أثناء الفترة المذكورة في حالة لا يصلح معها للانتفاع الذي أجر من أجله وهو الذبح فيكون من حق المستأجر أن يطالب بإنقاص الأجرة عن الفترة المشار أليها ...)(70).
وفي قرار آخر قضت محكمة التمييز (... إن المميزين رفعا بأن عدم تنفيذ الالتزام كان لسبب شحة مياه نهر الفرات ... فكان على المحكمة ملاحظة ما تقدم وإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ...)(71) وحول ذات الموضوع وفي قرار آخر أكدت محكمة التمييز (... إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي صار مرهقاً للمدين فللمحكمة بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تنقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ...)(72).
هذا ويدور حكم المحكمة بإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول مع الظرف الطارئ وجوداً وعدماً فإذا زال الظرف الطارئ زال معه الإنقاص ورجع العقد إلى ما كان عليه والعكس صحيح في حالة اشتداد وتفاقم آثار الظرف الطارئ.
ثالثاً : إمهال المدين :
إذا وجدت المحكمة أنه من المؤمل قرب زوال الظرف الطارئ, جاز لها أن تقرر ولغرض إزالة الإرهاق عن المدين بوقف تنفيذ العقد لحين زوال الظرف الطارئ(73). وإذا جاز للمحكمة ذلك فإنه لا يجوز لها فسخ العقد باستثناء ما ورد في المادة 878 من القانون المدني ذلك أن نص المادة 146/2 من القانون المدني لا يجعل لها إلا (إنقاص) الالتزام المرهق إلى الحد المعقول, فالالتزام المرهق يبقى ولا ينقضي ولكن ينقص إلى الحد المعقول.
وقد أجازت الفسخ في مثل هذه الحالة بعض القوانين كالقانون البولوني حيث أجاز للمحكمة فسخ العقد إذا رأت ضرورة لذلك والقانون الإيطالي الذي ينص على فسخ العقد لمصلحة المدين المرهق ولكن يجعل للمتعاقد الآخر الحق في أن يدرأ طلب الفسخ بأن يعرف تعديلاً لشروط العقد بما يتفق مع العدالة وقد أراد القانون الإيطالي بالطريقة التي ذكرناها أن يجعل تعديل العقد من عمل المتعاقد لا من عمل المحكمة ولكنه يفرض عليه هذا التعديل عن طريق تهديده بالفسخ(74).

الـخــاتـمـة

تبين من البحث في نظرية الظروف الطارئة إنها قد شقت طريقها وبدأت في الظهور في عدد من التشريعات المدنية الحديثة لعدد من الدول. بعد أن تردد صداها في آراء وبحوث الفقهاء عبر مراحل تاريخية متعاقبة كما وجدت نصيباً لها في التطبيقات القضائية.
وتتأكد أهمية هذه النظرية وتزداد كلما تقدم الزمن وتبعاً للتطورات التي تحصل في المجتمعات البشرية والتي تترافق معها ظروف طارئة غير متوقعة تؤثر بشكل مباشر على التوازن الاقتصادي للمتعاقدين إلى حد اختلاله وبما يؤدي إلى إلحاق الغدر المادي الجسيم بأحد أطراف العملية التعاقدية.
وهنا تظهر أهمية نظرية الظروف الطارئة ومعالجاتها العادلة في إعادة التوازن الاقتصادي بين طرفي العقد بما ينعكس إيجابياً على المعاملات الاقتصادية والتجارية حيث يشعر المتعاقد بالطمأنينة أثناء التعاقد أو خلال تنفيذ العقود.
وقد ظهر لنا من خلال البحث أن القانون المدني العراقي من بين القوانين المدنية التي أخذت بالنظرية وبنص عام فيه وهو نص المادة 146/2 منه. وهذا النص من النظام العام وكل اتفاق يخالف أحكامه هذه يعد باطلاً بطلاناً مطلقاً. فإذا اتفق المتعاقدان عند إبرام العقد على إنه إذا أصبح تنفيذ الالتزام مرهقاً للمدين بسبب ظروف طارئة غير متوقعة فلا يجوز لأي منهما أن يلجأ إلى القضاء طالباً حمايته كان الاتفاق باطلاً لمخالفته للنظام العام.
ولكن يلاحظ على النص المذكور أنه أشترط بتطبيق النظرية أو التمسك بها أن يكون الحادث الطارئ عاماً بالإضافة إلى الشروط الأخرى, وحيث تقع في الحياة العملية حوادث استثنائية لكنها لا تتصف بالعمومية إذ إنها قاصرة على المدين فقط أي على أحد طرفي العقد وتسبب له إرهاقاً مادياً جسيماً, وفي مثل هذه الحالة لا يستطيع هذا المتعاقد أن يطالب بتطبيق النظرية والاستفادة من أحكامها, ونرى من الضروري إعادة النظر في هذا الشرط واستبعاده وصولاً إلى تحقيق الغايات والأهداف العادلة التي تسعى إليها وتنشدها النظرية.
كما ظهر من البحث أن القاعدة العامة في تطبيق نظرية الظروف الطارئة المنصوص عليها في الفقرة في الفقرة الثانية من المادة 146 من القانون المدني لا تجيز فسخ العقد وإنما تجيز تعديل العقد بإنقاص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول.
وإننا نرى إن رفض الفسخ يعني الإبقاء على العقد كما هو بالرغم من عدم التوازن الاقتصادي الذي حدث فيه. لذا نرى إعادة النظر في النص المذكور حتى يمكن الفسخ إذا تطلب الأمر ذلك وحسب تقدير محكمة الموضوع.
وبما يتفق مع العدل والإنصاف الذي تقوم عليه نظرية الظروف الطارئة. ولا سيما وإن المشرع العراقي ذاته أخذ بمثل هذا الحكم في المادة 878 منه وكذلك في المادة 792 أيضاً بالإضافة إلى أن عدداً من القوانين المدنية الحديثة لعدد من البلدان قد أخذ بمبدأ الفسخ عند تحقق الظرف الطارئ. كما رأينا ومنها القانون الإيطالي.
وقد ظهرت من خلال البحث أيضاً أن التطبيقات القضائية لمحكمة التمييز تميل إلى عدم نظرية الظروف الطارئة بها ومطالبته بعد إكمال تنفيذ المدين لالتزامه بالرغم من الإرهاق الذي أصابه بسبب الظرف الطارئ. ونرى أنه من الضروري وجوب المداخلة التشريعية في النصوص النافذة ليصبح بالإمكان طلب المدين تطبيق نظرية الظروف الطارئة حتى وإن نفذ التزامه بالكامل وذلك استجابة لمتطلبات العدالة وما تهدف إليه النظرية في حماية المدين أو الطرف الضعيف في العلاقة العقدية. فلا نرى موجباً لحجب الحماية المقررة بموجب النظرية عن المدين (المرهق) إذا نفذ التزامه ولمجرد إنه نفذ التزامه, فالظرف الطارئ ليس إلا واقعة مادية يترتب عليها إرهاق المدين نتيجة الخسارة المادية الفادحة وغير المألوفة. وإن تمسك المدين بالظرف الطارئ بعد أن يكون قد نفذ التزامه التعاقدي لا يغير في حقيقة هذه الواقعة وأثرها شيئاً فالخسارة الفادحة غير المألوفة تهدده أثناء التنفيذ وقد لحقته فعلاً بعد إكمال التنفيذ. فلماذا يحرم مثل هذا المدين من حق طلب معالجة اختلال التوازن الاقتصادي بعد إكمال تنفيذه التزامه التعاقدي. وهو الذي تحمل الإرهاق امتثالاً لعقده واحتراماً لالتزاماته. ومن العدل أن تقدم الحماية التي قصدتها النظرية لمن لحقته الخسارة الجسيمة فعلاً بسبب تنفيذ التزامه.
وربما نشترط عليه استئذان القضاء في الاستمرار في تنفيذ الالتزام الذي أصبح مرهقاً أو إعذار الطرف الآخر في العقد بما طرأ لأنه يحتفظ بحقه بالمطالبة تخفيض التزامه للظرف الطارئ وبذا نوفق بين مصلحة رب العمل في أن يستمر تنفيذ بنود العقد وبين مصلحة المقاول في الحفاظ على حقوقه وآمل من القضاء العراقي أن يتلافى بتطبيقاته هذا النقض فليس هناك ما يمنع من اتخاذه الموقف المتقدم.
ومن الله التوفيق

مراجع البحث
1. د. إسماعيل غانم, مصادر الالتزام, القاهرة, 1966.
2. د. هاشم الحافظ, تاريخ القانون, 1980 , بغداد.
3. زهير الزبيدي, الغبن والاستغلال بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية, مطبعة دار السلام, 1973.
4. د. حسن علي الذنون, النظرية العامة للالتزام, 1946, ج1.
5. د. صفاء الحافظ, نظرية القانون الاشتراكي.
6. د. صبيح مسكوني, القانون الروماني, ط1, بغداد, 1968.
7. عبد السلام الترمانيني, سلطة القاضي في تعديل العقود, القاهرة, 1961.
8. د. عمر ممدوح مصطفى, القانون الروماني, 1962.
9. د. عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, ج1.
10. عدنان إبراهيم سرحان, الأوضاع الظاهرة ومدى حمايتها في القانون العراقي والمقارن, 1986.
11. د. عبد المجيد الحكيم, مصادر الالتزام, ج1, بغداد, 1963.
12. د. عبد الرحمن نورجان الأيوبي, القضاء الإداري في العراق, 1965.
13. د. عبد الباقي البكري, المدخل لدراسة القانون والشريعة الإسلامية, 1972.
14. عبد الرحمن العلام, المبادئ القضائية لأحكام محكمة التمييز, 1957.
15. د. عصمت عبد المجيد بكر, نظرية الظروف الطارئة ودور القاضي في تطبيقها, بغداد, 1993.
16. د. عصمت عبد المجيد بكر, الغبن اللاحق وموقف القانون المدني العراقي منه, مجلة العدالة, 1978, ع1.
17. ميشيل فيليه, القانون الروماني, ترجمة د. هاشم الحافظ, بغداد, 1965.
18. د. محمد شريف أحمد, نظرية تفسير النصوص المدنية, 1979.
19. منير القاضي, شرح المجلة, ج1, 1949.
20. منير القاضي, شرح المجلة, ج4, 1949.
21. د. سليمان محمد الطاوي, الأسس العامة للعقود الإدارية, 1975, ط3.
22. سلمان بيات, القضاء المدني العراقي, ج1.
23. د. غازي عبد الرحمن ناجي, التوازن الاقتصادي في العقد أثناء تنفيذه.
24. فاضل شاكر النعيمي, نظرية الظروف الطارئة بين الشريعة والقانون.
25. الدوريات
- قضاء محكمة التمييز.
- النشرة القضائية.
- مجموعة الأحكام العدلية.
- مجلة القضاء.


الـــهـــوامـــش
1. د. عمر ممدوح مصطفى, القانون الروماني, 1962, ص4.
2. د . هاشم الحافظ, تاريخ القانون, 1980 , بغداد, ص73.
3. د. صبيح مسكوني, القانون الروماني, ط1, بغداد, 1968, ص232.
4. عبد السلام الترمانيني, سلطة القاضي في تعديل العقود,1961, ص6.
5. ميشيل فيليه, القانون الروماني, ترجمة د. هاشم الحافظ, بغداد, 1965, ص23.
6. فاضل شاكر النعيمي, نظرية الظروف الطارئة بين الشريعة والقانون, رسالة ماجستير, بغداد, 1960, ص25وص26.
7. ميشيل فيليه, المرجع السابق, ص25.
8. د.هاشم الحافظ, المرجع السابق, ص73.
9. زهير الزبيدي, الغبن والاستغلال بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية, 1973, ص52.
10. عبد السلام الترميناني, المرجع السابق, ص7.
11. د. عصمت عبد المجيد بكر, نظرية الظروف الطارئة ودور القاضي في تطبيقها, بغداد, 1993, ص10.
12. زهير الزبيدي, المرجع السابق, ص53.
13. د. عصمت عبد المجيد بكر, المرجع السابق, ص10.
14. د. عبد الرزاق أحمد السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, مصادر الالتزام, ص707.
15. عبد السلام الترميناني, المرجع السابق, ص11, و د. عصمت عبد المجيد, المرجع السابق, ص10.
16. د. محمد شريف أحمد, نظرية تفسير النصوص المدنية, 1979, ص33.
17. فاضل شاكر النعيمي, المرجع السابق, ص157.
18. منير القاضي, شرح المجلة, الجزء الأول, 1949, ص78.
19. منير القاضي, شرح المجلة, الجزء الأول, 1949, ص81.
20. منير القاضي, شرح المجلة, الجزء الأول, 1949, ص89.
21. عدنان سرحان إبراهيم, الأوضاع الظاهرة ومدى حمايتها في القانون العراقي والمقارن, 1986, ص16.
22. د. عبد المجيد الحكيم, الموجز في شرح القانون المدني, ج1, مصادر الالتزام, بغداد, 1963, ص32.
23. د. غازي عبد الرحمن ناجي, التوازن الاقتصادي في العقد أثناء تنفيذه, منشورات مركز البحوث القانونية, 13, بغداد, 1986, ص29.
24. د. عبد الرزاق السنهوري, المرجع السابق, ص709.
25. المرجع السابق, ص711.
26. المرجع السابق, ص711.
27. المرجع السابق, ص713.
28. د. عبد الرحمن نورجان الأيوبي, القضاء الإداري في العراق, القاهرة, 1965, ص3.
29. د. غازي عبد الرحمن, المرجع السابق, ص33.
30. د. سليمان محمد الطاوي, الأسس العامة للعقود الإدارية, 1975, ط3, ص627.
31. المرجع السابق, ص627.
32. د. عبد الباقي البكري, المدخل لدراسة القانون والشريعة الإسلامية, 1972, ص696.
33. د. عبد الباقي البكري, المرجع السابق, ص722.
34. د. صفاء الحافظ, نظرية التطبيق الاشتراكي, ص25.
35. د. عبد الرزاق السنهوري, المرجع السابق, ص716.
36. د. عبد الرزاق السنهوري, المرجع السابق, ص716.
37. د. عصمت عبد المجيد بكر, المرجع السابق, ص12, 13.
38. منير القاضي, شرح المجلة, الجزء الرابع, 1949, ص233.
39. زهير الزبيدي, المرجع السابق, ص37.
40. د. عصمت عبد المجيد بكر, الغبن اللاحق وموقف القانون المدني العراقي منه, مجلة العدالة, العدد الأول, السنة الرابعة, 1978, ص30.
41. د. حسن علي الذنون, النظرية العامة للالتزام, ج1, مصادر الالتزام, 1946, ص149.
42. قرار محكمة التمييز المرقم 259/هيئة عامة أولى/1971, النشرة القضائية, العدد الثاني, السنة الثالثة, ص66.
43. رقم القرار 244/مدنية ثالثة/1973, النشرة القضائية, العدد الثاني, السنة الرابعة, ص122.
44. رقم القرار 588/مدنية ثانية/73 في 22/4/1974, النشرة القضائية, العدد الثاني, السنة الخامسة, ص93.
45. رقم القرار 923/حقوقية/1966 في 24/11/1966, قضاء محكمة التمييز, المجلد الرابع, 1970, ص127.
46. رقم القرار 2240/56 أورده سلمان بيات في كتابه ( القضاء المدني العراقي ), ج1, ص149.
47. رقم القرار 109/مدنية أولى/74 في 11/9/1974, النشرة القضائية, العدد الثالث, السنة الخامسة, ص48.
48. د. عصمت عبد المجيد بكر, نظرية الظروف الطارئة, المرجع السابق, ص34.
49. د. إسماعيل غانم, مصادر الالتزام, القاهرة, 1966, ص316.
50. د. حسن علي الذنون, المرجع السابق, ص149.
51. رقم القرار 266/68 في 31/3/1968, قضاء محكمة التمييز, المجلد الخامس, ص309.
52. رقم القرار 1843/حقوقية/67 في 30/12/1967, قضاء محكمة التمييز, المجلد الرابع, ص393.
53. رقم القرار 754/مدنية أولى/79 في 25/4/1981 أورده غازي عبد الرحمن في المرجع السابق, ص81.
54. القرار أشار إليه د. عصمت عبد المجيد في المرجع السابق, ص38.
55. د. عبد الباقي البكري, شرح القانون المدني العراقي, ج3, بغداد, 1971, ص37.
56. رقم القرار 722/حقوقية/1969, قضاء محكمة التمييز, المجلد السادس, ص322.
57. رقم القرار 109/مدنية أولى/1974, النشرة القضائية, العدد الثالث, السنة الخامسة, ص48.
58. رقم القرار 923/حقوقية/1966 في 24/11/1966, قضاء محكمة التمييز, المجلد الرابع, ص128.
59. رقم القرار 1383/حقوقية/958 في 5/10/1958, منشور في القضاء المدني العراقي, ج1, سلمان بيات, ص159.
60. رقم القرار 511/حقوقية/58 في 14/4/1958, القضاء المدني العراقي, ج1, سلمان بيات, ص158.
61. فاضل شاكر النعيمي, المرجع السابق, ص135.
62. رقم القرار 1229/ح/967 في 27/1/1968, قضاء محكمة التمييز, المجلد الخامس, ص307, وانظر القرار المرقم 1558/م3/91 في 25/1/1992 (غير منشور).
63. رقم القرار 698/56, القضاء المدني العراقي, ج1, سلمان بيات, ص148.
64. رقم القرار 206/مدنية أولى/978 في 25/12/1987, الأحكام العدلية, العدد الرابع, السنة التاسعة, ص25. وانظر القرار المرقم 1307/م3/منقول/992 في 5/7/1992 (غير منشور).
65. رقم القرار 495/هيئة عامة/1978 في 19/5/1979, مجموعة الأحكام العدلية, العدد الثاني, السنة العاشرة, ص45. وانظر كذلك القرار التمييزي المرقم 1504/مدنية أولى/79 في 6/7/1981, المنشور في مجموعة الأحكام العدلية, العدد الثالث, السنة الثانية عشر, 1981, ص14.
66. رقم القرار 1501/حقوقية/59 في 18/8/1959, القضاء المدني العراقي, ج1, سلمان بيات, ص163.
67. رقم القرار 23/موسعة/989 في 4/4/1989, مجلس القضاء, العدد الثاني, السنة 45, 1990, ص216.
68. رقم القرار 1649/م/1994 في 19/3/1996, مجلة القضاء, الأعداد 1و2و3و4 لعام 1996, السنة الحادية والخمسون, ص24و25.
69. د. عبد المجيد الحكيم, المرجع السابق, ص344.
70. رقم القرار 891/مدنية رابعة/973 في 29/9/1973, النشرة القضائية, العدد الثالث, السنة الرابعة, ص103.
71. رقم القرار 451/مدنية رابعة/975 في 27/1/1976, مجموعة الأحكام العدلية, العدد الأول, السنة السابعة, ص38.
72. رقم القرار 327/ح/955 في 4/10/1955, منشور في المبادئ القضائية, القسم المدني, عبد الرحمن العلام, ص247.
73. د. حسن علي الذنون, المرجع السابق, ص150.
74. د. عبد الرزاق السنهوري, المرجع السابق, ص727.

http://www.iraqijudicature.org/researches/html/zuruf%20tarea.htm
أكمل قراءة الموضوع ...

التفويـــــض واللامركزيـــــة


التفويـــــض واللامركزيـــــة


1- مفهــوم التفويـــض .
2- مبــادئ التفويـض الفعــال .
3- الاقتراحـات العمليـة للتفويـض الناجـح .
4- مفهـوم المركزيـة واللامركزيـة للسـلطــة .
5- المركزيـة المرنـة ( درجـة اللامركزيـة ) للســلطة .
6- فروض تحديد درجة اللامركزية الإدارية ( المركزيـة المرنة ) .
* تطبيقـات علـى الفصـل الحـادى عشـر .





الأسـبوع الحادى عشر


الفصل الحادى عشر
التفويـــض واللامركزيــــة

1- مفهـوم التفويـض :
يقصد بتفويض السلطة العملية التنظيمية التى تسمح بنقل السلطة من الرئيس إلى المرؤوس . وتتضمن هذه العملية الخطوات التاليــة :
1/1 تحديـد المسـئولية :
حيث تعنى المسئولية جميع الواجبات اللازم إنجازها لإتمام عمـل مـا .
1/2 تفويـض السـلطة :
ويشمل هذا التمكين والنيابة حيث يشير التمكين إلى الحق فى توجيه تصرفات الآخرين . أما النيابة فتعنى أن مفوض السلطة يظل محتفظاً بحق الرقابة الكاملة على من فوض إليه تلك السلطة كما يحق له استرجاع هذه السلطة عند الضرورة . ومعنى هذا أن تفويض السلطة لا يعنى إطلاقاً التخلى عنها أو التنازل عن هذه الســلطة .
1/3 المســاءلة :
بمعنى أن المرؤوس مسئول أمام رئيسه عن الاستخدام الملائم للسلطة المفوضة إليه ، وعن إنجاز المسئوليات والواجبات المحددة له . وهناك فرق بين المسئولية والمساءلة حيث أن المرؤوس يكون مسئولاً عن إنجاز العمل المخصص له ويساءل بواسطة رئيسه عن الأداء المرضى لهذا العمل .
2- مبـادئ التفويـض الفعـال :
2/1 مبدأ مساواة السلطة والمسئولية :
يعنى هذا المبدأ أن القدر المفوض من السلطة إلى المرؤوس يجب أن يلازمه قدراً مساوياً له تماماً من المسئولية . فهذا المبدأ يعترف بأهمية التفويض ويؤكد على أن مجال السلطة المفوضة يجب أن يكون كافياً بما يسمح بالنهوض بواجبات العمل .
ويرجع عدم تساوى السلطة مع المسئولية إلى :
1- أن السلطة الإدارية نادراً ما تملك القوة الضرورية لإنجاز المسـئولية .
2- أن السلطة ليست مطلقة ولكنها دائماً محدودة بسياسات وإجراءات المنظمة .
2/2 مبدأ حتمية المساءلة :
ويركز على أن بالرغم من إمكانية تفويض السلطة والمسئولية إلى المرؤوسين إلا أن المساءلة لا يمكن تفويضها . ومعنى هذا أن الحساب حتمى ولا يمكن تفويضه والحساب هنا يعنى المساءلة .
2/3 مبـدأ وحـدة القيادة :
بمعنى أن المرؤوس لا يحاسبه إلا شخصاً واحداً فقط هو رئيسه . ورغم وضوح هذا المبدأ إلا أن هناك أربع حالات شائعة تمثل خروجاً عنه ، هى :
1- عدم التمايز التنظيمى ، بمعنى وجود مجموعات عمل غير متميزة أو غير واضحة الهوية من حيث المراكز التى تشغلها أو الاختصاصات الوظيفية .
2- تخطى مستوى الإشراف الأوسط ، بمعنى تعمد بعض المديرين تخطى مستوى أو أكثر من مستويات الإشراف الوسـطى .
3- التجاهل المتعمد لمبدأ وحدة القيادة ، بمعنى خضوع القدر الواحد لرئاستين أو أكثر وذلك إذا ما خصص لفرد واحد عملية أو أكثر بحجة أن عبء العمل قليل ولابد من شغل وقته بالكامل .
4- العلاقات الاستشارية ، بمعنى تشابك العلاقات الاستشارية والتنفيذية خاصة عند استخدام السلطة الوظيفية .
3- الاقتراحات العملية للتفويض الناجح :
3/1 تحديد الأهداف بشكل واضح .
3/2 تحديد الواجبات وتفويض ما يساويها من السلطة .
3/3 اختيار المساعدين الراغبين فى تنفيذ الواجبات التى تسند إليهــم .
3/4 تحديد وسائل الرقابة لضمان الحكم على حسن تصرف من تفوض إليه السلطة وعلى تقييم مستوى أدائه وإنجازه للواجبات المفوضة إليه .
4- مفهوم المركزية واللامركزية للسلطة :
4/1 مركزيـة السـلطة :
وتشير إلى حالة تركز سلطة اتخاذ القرارات فى
المستوى الأعلى أى عدم التوسع فى تفويض سلطة صنع وإصدار القـرارات .
4/2 لامركزيـة السـلطة :
وتشير إلى حالة زيادة درجة تفويض السلطة بمعنى مدى التوسع فى تفويض سلطة اتخاذ القرارات وعدم تمركزها فى جهة واحـدة .
5- المركزية المرنة ( درجة اللامركزية ) للسلطة :
وتشير إلى أن التوسع فى تفويض السلطة لا يمكن أن يكون مطلقاً بمعنى أن أى تنظيم إدارى لابد أن يتضمن قدراً من المركزية وقدراً أخراً من اللامركزية ومعنى هذا ضرورة تحقيق التوازن بين مركزية السلطة ولا مركزية السلطة .
وهذا التوازن يمكن الاستدلال عليه من خلال :
- القرارات التى يحتفظ المستوى الأعلى بحق إصدارها .
- مدى مساهمة المستويات التنظيمية فى صنع القرارات التخطيطية والرقابية .
6- فروض تحديد درجة اللامركزية الإدارية ( المركزية المرنة ) :
يخضع تحديد درجة اللامركزية للسلطة للاعتبارات الفرضية التاليــة :
6/1 حجـم المنظمـة .
6/2 التداخل بيـن الأنشـطة .
6/3 شـخصية العامليــن .
6/4 توافــق الأهــداف .
6/5 مسـتوى صنع القـرار .
6/6 كفـاءة النظــــام .

تطبيقات على الفصل الحادى عشر

أكتب فقط رمز الإجابة الصحيحة على الأسئلة التالية :
1- تتضمن خطوات تفويض السلطة :
(أ ) تحديد وتفويض السلطة .
(ب) المســاءلة .
(ج) الاثنــان معــاً .
2- من بين مبادئ التفويض الفعال :
(أ ) مبدأ حتمية المساءلة .
(ب) مبدأ وحدة القيادة .
(ج) الاثنــان معــاً .
3- يرجع عدم تساوى السلطة مع المسئولية إلى :
(أ ) ضعف السلطة الإدارية عن إنجاز المسؤولية .
(ب) أن السلطة ليست مطلقة ولكنها دائماً محدودة بسياسات المنظمـة .
(ج) الاثنــان معــاً .
4- من بين الاقتراحات العملية للتفويض الناجح :
(أ ) تحديد الأهداف بوضوح .
(ب) تحديد الواجبات وتفويض ما يساويها من السلطة .
(ج) الاثنــان معــاً .
5- من بين فروض تحديد درجة اللامركزية الإدارية :
(أ ) التداخل بين الأنشطة .
(ب) كفـاءة النظـام .
(ج) الاثنــان معــاً .
6- يشير مفهوم المركزية المرنة للسلطة إلى ضرورة تحقيق التوازن بين مركزية السلطة ولامركزية السلطة .
(أ ) نعــم .
(ب) لا .

أكمل قراءة الموضوع ...

الجمعة، 7 مايو، 2010

مفهوم اللامركزية في الإدارة التربوية


مفهوم اللامركزية في الإدارة التربوية :-

إن نظام اللامركزية الإدارية بشكل عام هو أحد أساليب التنظيم الإداري يقصد به تعدد مصادر النشاط الإداري في الدولة ويتم على أساس توزيع اختصاصات الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية وبين الهيئات الإدارية المتعددة، فيكون لكل منها استقلالها في مباشرة اختصاصاتها الإدارية، وفي الإطار الذي تحدده السلطة المركزية، والذي يعرف بالرقابة الإدارية وتتحدد هذه الاختصاصات أما على أساس جغرافي إقليمي، (المحافظات والألوية) ومديريات التربية والتعليم في النظام التربوي الفلسطيني واما على أساس تربوي وظيفي ويطلق على هيئاتها اسم الهيئات اللامركزية الإدارية الوظيفية أو الهيئات اللامركزية في الإدارة التربوية .

ان كلمة اللامركزية لها مضامين مختلفة حسب الصفة التي تصحبها، فيمكن ان تكون لامركزية سياسية، وعندئذ تسمى بالنظام الفيدرالي. وتوجد أيضا اللامركزية الصناعية للدلاله على سياسة نشر المشروعات بعيدا عن المركز الرئيسي. وتهدف اللامركزية الفنية إلى إنعاش الحياة الثقافية والمسرحية والموسيقية في الإقليم ويمكن التحدث عن اللامركزية الرياضية….. الخ .

نظرا لتعدد أنواع النظم اللامركزية الإدارية وتنوع اتجاهاتها وأهدافها واختلاف البيئة التي تطبق فيها، لذا فإننا سوف نتجنب تحديد تعريف جامد (استاتيكي) للامركزية في الإدارة التربوية الفلسطينية بسبب الخصوصية الفلسطينية شديدة التغيير والتبدل، ولا يجب وضعها في إطار صياغة قانونية محددة تكبلها وتفقدها المرونة والديناميكية اللازمة وخاصة في ظل إخضاع هذه التجربة للاختبار في بعض المديريات لاستخلاص العبر في التطبيق سلبا وإيجابا.

في ضوء ما سبق نحاول بحث فكرة اللامركزية في الإدارة التربوية الفلسطينية ووضع (مفهوم مبدئي) يساعد على إبراز اكثر جوانبها أهمية ودون التعرض لوضع تعريف محدد وجامد لها.

يقوم نظام اللامركزية في الإدارة التربوية على أساس وجود مصالح محلية مشتركة في حدود الوظيفة التربوية في تطوير العملية التعليمية يستلزم إدارتها وتنفيذها ذاتيا ويتطلب الاعتراف بالشخصية القانونية للوحدة الإقليمية (المديرية) والوحدات الأخرى التابعة لها (المدرسة) وخضوع هذه الوحدات لرقابة السلطة المركزية (وزارة التربية والتعليم) وتنفذ على مراحل بعد إتمام الاختبار القبلي ودراسة نتائجه .

يشتمل هذا المفهوم على أربعة عناصر أساسية لنظام اللامركزية في الإدارة التربوية الفلسطيني وهي:-
الاعتراف بالاستقلال الذاتي لمديريات التربية والتعليم والوحدات التابعة لها .
وجود مصالح محلية في حدود الوظيفة الإدارية التربوية تمس المجتمع بفعاليته المختلفة وتتطلب اشراكه في القرارات التربوية .
وجود سلطة مركزية تمارس الرقابة على المديريات والوحدات التابعة لها والمدارة ذاتيا.
التطبيق التدريجي للوظيفة الإدارية التربوية المنفذة ذاتيا بعد اختبارها.
ويلاحظ أن هذا المفهوم يشتمل على عناصر أخرى مفهومة ضمنا وهي وجود رقعة جغرافية محددة يمارس عليها النظام اللامركزي، ووجود استقلالاً ذاتيا متضمنا استقلالاً مالياً.
سنتعرض إلى العناصر الأساسية لنظام اللامركزية بالتفصيل.
أولا:- الاستقلال الذاتي لمديريات التربية:
تقوم اللامركزية في الإدارة التربوية على أساس وجود نوع معين من المصالح الوطنية العامة يمكن إدارتها محليا في مديرية معينة او اكثر في النظام التربوي الفلسطيني ، إلا أن إدارة هذه المصالح وتنفيذها ذاتيا تتوقف بدورها على الاعتراف للمديرية والوحدات التابعة لها بالشخصية القانونية، لتتوفر لديها القدرة الكافية على تحقيق هذه المصالح بأعمال وأدوات قانونية ولتحقيق ذلك يتم عن طريق منح"الشخصية المعنوية" للمديرية والوحدات التابعة باعتبارها الوسيلة اللازمة لتحقيق الشخصية القانونية للوحدات اللامركزية واستقلال هذه الهيئات باختصاصات معينة في حدود الوظيفة الإدارية .

ثانيا :- المصالح المحلية المشتركة:
إن انسجام التركيب الاجتماعي في المحافظات والألوية الفلسطينية وتجانس التكوين القومي والجغرافي يعد من العوامل الأساسية لتقوية وحدة الدولة السياسية والقانونية ومع ذلك لا تخلو هذه الوحدات من وجود بعض التباين والتنوع فيما بينها نابع من العوامل الجيوسياسية من الضفة الغربية وقطاع غزة أو عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية فان الإدارة اللامركزية ستكون الأقدر على تلمس هذا التباين والتنوع بشكل افضل من المركز ومعرفة توجهات وحاجات السكان في المديريات والنهوض بأعباء التنسيق بين السياسات والأنشطة التربوية على المستوى الوطني وعلى المستوى الإقليمي .

ان هذا التنسيق هو من مهمة الإداريين التربويين الذين سيعملون جاهدين على تدعيم وتقوية هذا التنسيق. وبهذا الخصوص تعتبر اللامركزية أن الطريق لضمان احترام التنوع هو الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمادية والتوزيع المتوازن للاستثمارات التربوية المحلية وتسخيرها لخدمة العملية التربوية.

ومن النتائج الأخرى التي لا تقل أهمية للامركزية هي أنها تشجع السكان على المشاركة في صنع القرار حول التعليم، وتحفز على المبادرة والإبداع وفي الوقت نفسه تحترم الخصوصيات المحلية كما إنها تعزز وتفعل من دور المنظمات الجماهيرية. وحيث أن السكان يرسلون أبناءهم للتعليم فمن حقهم ان يعرفوا ويقرروا نوعه التعليم التي يتلقوه ابناءهم عن طريق مشاركتهم في اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع والإصلاحات في التعليم، بالإضافة إلى ذلك فان اللامركزية يمكن أن تصبح عاملا نشطا في مصلحة الديمقراطية لأنها تسمح بتسيير مصالح المجتمع المحلي ذاتيا من خلال المنظمات المحلية وبذلك فإنها تشجع على المشاركة والتعاون بينها .

ان أي منطقة جغرافية سواء كانت محافظة او لواء او مدينة او قرية او مخيم يوجد فيها خدمات، ومجموعات مصالح وجمعيات ونوادي ومجلس بلدية وقروية وغيرها تتعايش وتتعامل بشكل متصل او منفصل مع التعليم كالرعاية الصحية والرياضة والثقافة وغيرها لذا يجب حصر هذه المنظمات والفعاليات في المنطقة او الناحية من اجل التواصل معها ضمن أطر مؤسساتية محددة.

عرضنا سابقا في هذا البند مبررات مشاركة المجتمع في الإدارة التربوية في النظام اللامركزي وسوف نتناول قضية مشاركة المجتمع في الادارة التربوية من خلال القضايا التالية:-
1- دراسة خصائص المجتمع ومؤسساته وعلاقتها بالعملية التعليمية .
2- ميادين مشاركة المجتمع.
3- الأبعاد السياسية والاقتصادية والتربوية لمساهمة المجتمع المحلي.
وسنناقش هذه القضايا بالتفصيل.

أولا: دراسة خصائص المجتمع ومؤسساته:-
أن أول عمل يجب أن نقوم به الإدارة التربوية في النظام اللامركزي أن تدرس المجتمع الذي تتولى المسؤولية التربوية فيه وتتفهم طموحاته واحتياجاته ونوع المؤسسات التي يديرها ويمكن تحليل هذه الاحتياجات من خلال اتجاهين:

1- الحاجات الاجتماعية والاقتصادية:
كل إدارة تربوية سواءً كانت على مستوى مديرية تربية أو على مستوى مدرسة مطلوب منها التعرف على الواقع الاقتصادي والاجتماعي سواء في المدينة أو القرية أو المخيم ومعرفة العلاقة مثلا بين التربية والعناية الصحية ومصادر دخل الأسرة، لان هذه العوامل تؤثر على مستوى وتطور التعليم الأكاديمي والمهني وغير النظامي. وهذه المعرفة ضرورية في ترشيد القرار التربوي فيما يتعلق بتوجيه البرامج التربوية بطريقة تجعلها تلبي الحاجات الاجتماعية وخاصة في المناطق الأقل حظا التي تحتاج الى دعم مادي ومعنوي من المناطق الأوفر حظا وتفعيل دور الهيئات التطوعية، ودراسة واقع المؤسسات والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية ومجالات عملها وميادين مساهمتها في العملية التعليمية .

2- تخطيط فعاليات مشاركة المجتمع:
يعتبر التخطيط اداه جيدة لمعرفة حاجات ورغبات المجتمع المحلي المعنيين بالتنمية التربوية. ويتم ذلك عن طريق إشراكهم في وضع الخطط واشراكهم في اتخاذ القرار لكي يتحملوا المسؤولية مع الإدارة التربوية في القرار والتنفيذ وتكثيف البرامج التطوعية لخدمة المجتمع المحلي وأنخراط الطلبة والمعلمين في الخدمة المدنية في مجتمعاتهم. بالإضافة إلى ذلك من الضروري معرفة أولويات السكان في توجهاتهم نحو التعليم وميادين مساهمتهم ومشاركتهم سواء على صعيد فردي أو هيئات.

من الضروري التأكيد هنا إن افضل وسيلة لدفع السكان للمساهمة في إدارة التربية هو جعل المدرسة نفسها تساهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع، وذلك بالانفتاح بصورة أوسع على بيئاتها وتوجيه برامجها التربوية لتلبية الحاجات الحقيقية للسكان.

ثانيا : ميادين مشاركة المجتمع

يظهر أمام الإدارة التربوية المحلية سواء على مستوى مديرية التربية أو على مستوى المدرسة طريقتان في تنظيم علاقة الشراكة بين فعاليات المجتمع المحلي والإدارة التربوية وهما:

1- تنبع علاقة الشراكة بين المركز (وزارة التربية) والفعاليات المحلية رسميا على أساس التفاوض بينهما، ثم التعاقد المسبق وتظهر نتائج هذا الاتفاق الرسمي وعلى المستوى المركزي على شكل أعمال تؤدى أو تجهيزات تمول أو أموال نقدية تقدم. وهذا ما ينفذ حاليا على صورة مشاريع بين وزارة التربية ووزارة الصحة مثلا في مشروع (الصحة المدرسية) أو الأفراد الممولين لبناء المدارس أو الغرف الصفية ….الخ

2- إن المشاركة قد تنبع من منطلق حماس السكان ورغبتهم في المشاركة مما يتوجب على الإدارة المحلية استغلال هذا التوجه لصالح العملية التعليمية، وبذلك يجري التعاقد بينهما مباشرة وعلى المستوى المحلي.
تختلف الأهمية النسبية لكل من هذين النوعين تبعا لغنى المجتمع المحلي واستقلاليته وسلطته السياسية وفي كلا الحالين على الإدارة التربوية المحلية إن تعرف بالضبط النشاطات التي يمكن أن تستفيد من مشاركة المجتمع المحلي فان المجتمع المحلي، قادرا على المشاركة في جميع النشاطات التربوية تقريبا، بدءا من التخطيط إلى المراقبة ومن التمويل حتى إدارة النشاطات ويمكن عرض اوجه مشاركة المجتمع المحلي في الإدارة التربوية في النظام اللامركزية بصورة اكثر تفصيلية:-
1-المشاركة في التخطيط :-
يشمل عادة التخطيط تحديد الحاجات وصياغة الأهداف واختيار الطرائق والوسائل لتحقيق هذه الأهداف ونحن هنا لا نتكلم على مستوى التخطيط الكلي (مستوى الوزارة) إنما التخطيط على المستوى المحلي حيث أن المجتمع المحلي معني بصورة مباشرة بالاحتياجات التعليمية على مستوى المديرية كتشييد مدارس أو غرف صفية أو توفير أجهزة ووسائل تعليمية لمدارس المنطقة حيث إن نظام اللامركزية يدعم ويحفز هذا التوجه للسكان ويدفعهم للمشاركة في صياغة القرارات التربوية أو على أساس تقديم اقتراحات بناءه. وتجدر الإشارة ان الخطة الوطنية في نظام اللامركزية تنبع من المستويات القاعدية.
ويمكن ان تأخذ مشاركة المجتمع في تهيئة الخطة المحلية والوطنية من خلال النشاطات التخطيطية التمهيدية وتأخذ هذه المشاركة أشكالا متعددة:-
أ- مشاركة مباشرة وغير مباشرة في المشاريع التي تديرها الوزارة
ب- مشاركة المجتمع المحلي في اللجان التربوية المحلية، في مناقشة تلك المقترحات
المعدة من اجل تنمية المنطقة.
ج- المشاركة في مناقشة الدراسات التي لها علاقة بالبنية التحتية للمدارس كالمواصلات
والطرق في المناطق النائية والعمالة والمدارس التي ستبنى في المستقبل (الخارطة
المدرسية).
2- المشاركة في التمويل:
يمكن تحقيق مشاركة المجتمع في التمويل بأشكال عديدة منها الإسهام المباشر في التمويل المالي عن طريق فرض الضرائب على الشركات المحلية او المواطنين مثل ضريبة المعارف ويمكن الاستفادة من هذه المشاركة عن طريق شراء التجهيزات كالكمبيوترات والوسائل التعليمية وأدوات المختبر والكتب المكتبية المدرسية وصيانة المدارس والمشاركة عن طريق التبرع، وهو أمر شائع كالتبرع بأرض لبناء مدرسة او بنايات وتأثيث المدارس او مستلزمات رياضية والمشاركة في العمل الإنشائي او صيانة الأجهزة او المشاركة التطوعية في برامج محو الأمية …الخ.
ان الغرض الأساسي لتشجيع المشاركة المحلية يجب ان لا تهدف فقط توفير الأموال بل ينبغي ان تكون المشاركة بهدف تحسين البيئة المحلية وخاصة في المناطق الريفية الفقيرة .ومن هنا تظهر اهمية النظام اللامركزي الذي يتفهم البيئة المحلية بشكل افضل من المركز ويكون المركز في كثير من الأحيان غريبا عن البيئة القروية في حين ان المدرسة التي يتم تصميمها وبنائها من قبل المجتمع المحلي ستتوافق مع البيئة وستكون مقبولة من قبل السكان ومما تعزز روح الاعتزاز والفخر للمجتمع المحلي الذي حقق هذا الإنجاز، ويدفعهم الى المحافظة عليها وصيانتها المستمرة وبالرغم من ان مشاركة المجتمع أمر مرغوب فيها دائما الا أنها في بعض الأحيان لا تستجيب بشكل جيد الى بعض المعايير الإلزامية وليس أيضا من المرغوب فرض المشاركة فرضا .
3- المشاركة في الإدارة :-
ان الأمثلة على مساهمة المجتمع في الإدارة المدرسية او الإدارة الوسطى ( المديرية) مساهمة قليلة جدا حيث ان جهود المجتمعات المحلية تنصب عادة في حدود المساهمة في الأموال والموارد البشرية وتقديم المشورة ولكن هناك حقول عدة بإمكان المجتمع المساعدة فيها مثل : تصميم الأبنية المدرسية واختيار موقعها وانتاج الوسائل التعليمية وتقديم المساعدات في نقل وتوزيع الكتب المدرسية والمساعدة في تصنيف الكتب في المكتبات المدرسية والمساعدة في إلقاء المحاضرات من المتخصصين في المجتمع المحلي على الطلبة ومشاركة المجتمع في التعليم المساند للطلبة الضعفاء في التحصيل وبخاصة الأمهات غير العاملات .

وافضل مشاركة للمجتمع المحلي في الإدارة عن طريق مجلس الآباء، الذي يجب ان يفعل ويشارك في اتخاذ القرارات التربوية في مجال الأداء والتحصيل لدى الطلبة. وكذلك الانضباط الطلابي فان المجتمع المحلي ميال الى المساعدة في محاربة الغياب عن المدرسة، ويمكن للسلطات البلدية المساعدة في التحاق الطلبة الجدد في بداية العام الدراسي وتشجيع أولياء الأمور الى احترام القوانين وتطبيقها وإجبارهم على إرسال أبنائهم الى المدارس إذا دعت الحاجة وتطبيق الإجراءات القانونية بحقهم ان رفضوا في مرحلة التعليم الالزامي وبذلك تنخفض معدلات التسرب من المدارس في سن المرحلة الأساسية .

اما بالنسبة للعناية الصحية للطلبة فهو امر ضروري بحيث تنظم الجهات المعنية دورات لفحص الأطفال في بداية كل سنه لتشخيص أي خلل صحي موجود لدى الأطفال كما ان الزيارة الطبية مهمة جدا لتشخيص الأمراض ومعالجتها وفي هذا المجال قد ينجح ممثلو المجتمع المحلي ومدراء التربية ومدراء المدارس في إقامة تنسيق تطوعي فيما يخص الفرق الطبية المحلية.

اما على صعيد المعلمين فان إدارة المدرسة يجب ان تستمع بانتباه الى شكوى المجتمع المحلي من تصرفات وسلوك المعلمين وطرق أدائهم وغالبا ما يكون لهم رأيا في عمل كل معلم وحماسه وسلوكه الاجتماعي وهم يعرفون أمورا لا تعرفه ألادارة وخلاصة القول ان المجتمع يمكن ان يتدخل مباشرة في التربية وانه قد يشارك في التعليم كما انه قد يشارك في إدارة الافراد ولنتذكر التجربة الجزائرية في بداية السبعينات عندما توجه آلاف الطلبة الجامعيين الى الريف الجزائري للمشاركة في حملات محو الأمية .

ان استخدام المجتمع كمصدر للتربية مبني أساسا على النظرية التي تقول ان العملية التعليمية يجب ان تكون مندمجة بمشكلات الحياة اليومية للناس من جميع الأفراد مختلفي الأعمار الذين يكونون المجتمع.

ثالثا: الأبعاد السياسية والاقتصادية والإدارية للمساهمة المجتمع المحلي:-

ان محاولات الإدارة التربوية في إقامة الجسور مع المجتمع المحلي لتحسين التفاعل الإيجابي بين المجتمع والمؤسسات التربوية ستفشل إذا اصطدمت بنظام تربوي شديد المركزية وبنظام مدني مركزي بيروقراطي. في هذا البند سنناقش الإطار السياسي والاقتصادي والإداري الذي تستطيع فيه الإدارة التربوية الناجحة العمل في حدوده وبكفاءة عالية .
1- الإطار السياسي : ان النظام السياسي الفلسطيني هو نظام ديمقراطي فتي لم تكتمل بعد مؤسساته الديمقراطية وقد أكدت وثيقة الاستقلال على النظام الديمقراطي في فلسطين كما إن الديمقراطية هي أحد المبادئ الخمسة في النظام التعليمي الفلسطيني التي وردت في الخطة الخمسية لوزارة التربية والتعليم، وان نظام اللامركزية في الإدارة التربوية هي إحدى الأهداف الاستراتيجية وهي إطار من أطر الديمقراطية في النظام التربوي الفلسطيني .

ان مبدأ الحق لكل مواطن في التعليم هو أيضا الإطار الثاني للديمقراطية لذا فان ربط مشاركة المجتمع المحلي بديمقراطية التعليم ترقي الى ارتباطه بديمقراطية المجتمع ككل.

ويتطلب النظام الديمقراطي لتفعيل العلاقة بين المعلمين والطلبة من جهة والمجتمع المحلي من جهة أخرى . وكذلك إشراك المجتمع المحلي وتنظيماته في تحديد السياسة التربوية وادارة النظام التعليمي. لذا فان ديمقراطية التعليم إنما تعتمد على ديمقراطية المجتمع الذي يؤلف النظام التربوي جزءا منه فان الغرض من ديمقراطية التعليم هو ديمقراطية المجتمع.

ان الإدارة التربوية الناجحة وفي مختلف المستويات في النظام اللامركزية في الإدارة التربوية الفلسطينية، يجب ان تعي حقائق المجتمع الديمقراطي الفلسطيني الفتي وتعمل في إطاره وهذه الحقائق هي:-

1-ان الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني تعني حق كل صغير وكبير ان يحصل على الأقل على الحد الأدنى من المعرفة والمهارات الفنية ومعرفة كيف يسمح له بالمشاركة بشكل كامل في حياة مجتمعه.
2- ان الديمقراطية الفلسطينية تعني تقليص الفوارق بين المناطق والحد من عدم المساواة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وتزويد السكان بالحد الأدنى من التعليم والتدريب المطلوبين.
3-تفعيل الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني تتطلب إيجاد أشخاص ذوي تأهيل جيد ورغبة وحماس في العمل بدلا من المنتفعين من التعليم.
ان الديمقراطية ليست شعار وفكر مجرد إنما هي ممارسة وأسلوب حياه وتبدأ من الأسرة أولا وتمتد الى المجتمع أخيرا .
2- الإطار الاقتصادي:-
ذكرنا سابقا ان العلاقة بين الإدارة التربوية والسكان في ظل النظام اللامركزية تظهر من خلال مساهمة المجتمع المباشرة وغير المباشرة في تحديد مواقع المدارس وتشييدها وصيانتها وإدارتها سواء من خلال التمويل او العمل فالإدارة التربوية الناجحة هي التي تدرك مدى ارتباط التعليم بحاجات المجتمع، فعندما تساهم الشركات في التعليم تصبح مسالة دفع الخريجين في الحياة المهنية اسهل ، وان السكان المستفيدين من التعليم في مناطقهم سيساهمون بصورة افضل في دعم التعليم.

3-الإطار الإداري:-
ان الإدارة التربوية الناجحة هي التي تدرس تركيبة مجتمعها المحلي ومؤسساته التي تعرف مواقع سلطة اتخاذ القرارات الأساسية فيه ومعرفة قوة هذه القرارات واتساعها. وعلى ضوء هذه المعرفة تحدد الإدارة التربوية الأشخاص والمؤسسات التي سيتم التعامل معها، فهم في الغالب ممثلو المجتمع الرسميون وفي العادة المجلس البلدي او ما يوازيه وممثلون منتخبون وأعضاء المجلس التشريعي والمستفيدين من التربية. هذه المعرفة تساعدهم على بناء جسور الثقة مع فعاليات المجتمع المحلي ودفعهم الى المشاركة في العمل التربوي.

خلاصة مما تقدم يمكن تصميم جدول تجمع المعلومات على أساسه مما يساعد في تصنيف مجالات العمل التربوية المتعددة والجهة متخذة القرار ونوع المشاركة التي يقدمها الجهاز التعليمي والمجتمع المحلي وتساعد هذه المعلومات على وضع خطة للإدارة التربوية المحلية تعكس فيها دور المجتمع المحلي في العملية التربوية.




















جدول رقم (1)
مجالات العمل التربوية حسب السلطة متخذة القرار ونوع الجهة المشاركة

مجال العمل السلطة التربوية المركزية السلطة التربوية المحلية
مدير المدرسة
المعلمون
الطلبة
اولياء الامور
البلدية
الغرفة التجارية
النفايات
لجمعيات
الصحة
التنظيمات السياسية
اخرى
اخرى
تحديد موقع المدرسة
الارض
تشييد المدارس
التنظيم الدراسي
ميزانية المدرسة
اختبار النشاطات
تعليم الكبار
تعيين المعلمين
ادارة المعلمين
تطوير المناهج
الارشاد التربوي
تقويم عمل المدرسة
اخرى
اخرى
ضع الرقم في الخانة المناسبة
السلطة متخذة القرار = 1
المشاركة المالية = 2
المشاركة النوعية=3
المشاركة عن طريق العمل =4



ثالثا : رقابة السلطة المركزية:

إن مديريات التربية والوحدات التابعة لها التي ستتمتع بالاستقلال الذاتي القائم على النظام اللامركزي في الإدارة التربوية تظل جزءا من السلطة المركزية الممثلة بوزارة التربية والتعليم . ولها علاقة وارتباط بالمركز في حدود تلك العلاقة القانونية التي تربطها بالسلطة المركزية بنصوص قانونية صريحة . وان ما تتمتع به المديريات والوحدات التابعة لها من استقلال مالي واداري مهما كان مداه ودرجته فانه لا يكون بأي حال من الأحوال مطلقا".
بل هو محدد بالأبعاد التي يحددها القانون. ومن ناحية أخرى يتجسد في تلك النصوص القانونية التي تحدد للسلطة المركزية قدرا محددا من سلطة الرقابة على نشاط المديريات والوحدات التابعة لها وعلى أعضاءها واعمالها وتسمى (الرقابة الإدارية) وسنتناول هذا الموضوع من جانبين:-

1- الأساس القانوني للرقابة : يستند نظام اللامركزية في الإدارة التربوية على عنصرين أساسيين هما: استقلال الوحدات المحلية ورقابة السلطة المركزية . وهما عنصران متعارضان متضادان، في النظام اللامركزي ، وبخلاف ذلك في النظام المركزي الذي يستند على السلطة المركزية والتبعية الوظيفية لذا فهما عنصران متلازمان يكمل احدهما الاخر وهذا بخلاف العناصر المكونة لنظام المركزية الذي يستند على السلطة المركزية والتبعية الوظيفية بل عنصر ملازم ومكمل لها.

أما من حيث الغرض الذي يهدف اليه نظام اللامركزية الإدارية فهو تحقيق قدر من إشراك المواطنين في إدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم وتحت رقابة السلطة المركزية. أحيانا يطلق على العلاقة القانونية بين السلطة المركزية والوحدات الإقليمية وصف المشاركة، وهي مشاركة بين طرفين في تنظيم الفعاليات التعليمية بمختلف أوجهها من الناحية الإدارية بشكل لا غنى لاحداهما عن الآخر.

أما الغرض من النظام المركزي هو تشديد وتركيز السلطة في يد هيئه عامة مركزية واحدة . وان سلطة الرقابة التي تملكها السلطة المركزية في النظام المركزي هي حق من حقوقها وبدون حاجة لوجود نص يخول لها هذه السلطات لانها حقوق مستمدة من طبيعة السلطة المركزية .

خلاصة القول ان لرقابة السلطة المركزية على الوحدات الاقليمية في نظام اللامركزية الادارية اساسا قانونيا يتمثل في النصوص القانونية الصريحة التي تباشر وظيفة الرقابة في حدودها وبناءً عليها . ومعنى ذلك ان سلطة الرقابة المركزية تعتبر استثناء في النظام اللامركزي، في حين ان الرقابة في النظام المركزي غالبا ما تكون رقابة مطلقة غير محددة وتمارس دون حاجة الى نص قانوني .

ان وجود الروابط بين السلطة المركزية والوحدات الاقليمية لا يتوقف على تلك العلاقة القانونية التي تربط بين كل من السلطة المركزية والهيئات المحلية والتي تتجسد في الرقابة المركزية. بل ان لها اسساً اخرى ثابتة وهي ان الوحدات المحلية تنفذ الاستراتيجيات التربوية التي ترسمها السلطة المركزية وتقوم الوحدات المحلية ايضا بالالتزام بتنفيذ الخطة السنوية التي اعتمدتها السلطة المركزية .وتقدم السلطة المركزية المساعدات اللوجستية للادارات المحلية بامدادها بالكفاءات العلمية والخبرات وتدريب الكادر المحلي وتسهل تدفق المعلومات بين المركز والهيئات المحلية.
نستخلص مما تقدم ان الهدف من رقابة السلطة المركزية على الادارات التربوية المحلية هو ضمان حسن ادارة المرافق التعليمية وفق الاستراتيجيات التربوية الوطنية وفق الصلاحيات المحددة لها.
2- مظاهر الرقابة الإدارية على الهيئات المحلية:
تركز الرقابة الإدارية على الهيئات المحلية على مظهرين هما الرقابة على الهيئات المحلية ذاتها وعلى أعضاءها، وعلى أعمال هذه الهيئات وسنناقش كل منهما بالتفصيل.
اولا :- الرقابة على الهيئات المحلية وأعضاءها.

ومن هذه الرقابة نذكر ما يلي:
1- التعيين : تؤكد التجارب والتطبيقات في نظام اللامركزية الإدارية الإقليمية على ضرورة تدخل سلطة الرقابة في تعيين بعض أعضاء الهيئات المحلية فضلاُ عن حقها في تعيين رؤساء الوحدات الإدارية . كما ان السلطة المركزية حق إصدار النظم والأوامر الإدارية المتعلقة مثلا بدرجات الجهاز الإداري والمهمات أحيانا الوصف الوظيفي والترقيات والرواتب في تلك الوظائف.
2- الحل: تنص اغلب القوانين المنظمة لهذا النظام (اللامركزي) على حق السلطة المركزية في حل الهيئات المحلية او وقفها عن العمل مؤقتاً . ونظراُ لخطورة هذا الإجراء الذي يهدد استقلال الوحدات الإقليمية لما يترتب عليه من سحب شخصيتها المعنوية والتي هي أساسها القانوني . نرى ضرورة وضع قيود على حق السلطة المركزية في اتخاذ هذا الإجراء من هذه القيود :-

ا- عدم جواز حل الهيئات المحلية أو إقالتهم إلا بناءُ على مرسوم يشرح فيه الأسباب الموجبة لذلك.
ب- ان يكون هناك ضرورة ملحة أو مخالفة جسيمة للقانون او إخلال جسيم لواجباتها .
ج- ويمكن ان يحل الهيئات المحلية بتوصية من السلطات المحلية كمجلس المحافظة او بتوصية من المؤسسة المشكلة من فعاليات المجتمع المحلي المشاركة في صنع القرار التربوي.

ثانيا :- الرقابة على الأعمال:
تمارس هذه الرقابة بصورة مختلفة منها الإقرار والإلغاء والإحلال والرقابة على التنفيذ.
1- الإقرار(الإذن التصديق): أن تمتع الهيئات المحلية بقدر من الاستقلال، لا يجعل سلطتها في إدارة هذه المصالح مطلقة، حيث يوجد بعض القضايا التي تدخل في اختصاص الهيئات المحلية ولكن ترتبط من جانب آخر بالمصلحة العامة التي تمثلها السلطة المركزية لذا لا بد من مراجعة السلطة المركزية سواء عن طريق الإذن او التصديق. وهناك أيضا مشاريع تقرها السلطة المركزية وترغب في تطبيقها في المديريات ومتابعتها. ويوجد العديد من المشاريع التربوية ينطبق عليها هذا البند في وزارة التربية والتعليم .
2- الإلغاء : لسلطة الرقابة في نظام اللامركزية الحق في التدخل وإلغاء قرارات الهيئات المحلية غير المشروعة وذلك عند مخالفتها للقانون أو إغفالها المصلحة العامة المحلية.
3- الحلول: هناك حالات لا تستطيع الهيئات المحلية ان تفي بأعبائها وتنفيذ ما يحدد لها لذا يحق لسلطة الرقابة الحق في ان تنصب نفسها محل الهيئة المحلية في أداء الأعمال التي تمتنع او تتقاعس عن القيام بها خلال المدة المقرر لها . لا شك ان الإحلال محل الهيئات المحلية يتعارض مع مبدأ اللامركزية التي يعطي للهيئة المحلية الحق بالتصرف في المسائل المحلية التي هي الأقدر على معرفة مشكلات وحاجات المجتمع المحلي وان مبدأ الإحلال يتدخل في صميم اختصاص الهيئات المحلية . لذا لا بد من وضع ضوابط لاستخدام هذا المبدأ ولا يجوز استخدامه الا بعد أخطار الهيئة المحلية.
4- الرقابة على التنفيذ(الرقابة غير المباشرة) : هناك بعض القرارات يتحتم طبيعة تنفيذها ان تطلب الهيئة المحلية تدخل السلطة المركزية لانه في بعض الحالات يتوقف تنفيذ القرارات المحلية على دور السلطة المركزية بحكم ما تملك من الوسائل اللازمة لتنفيذها من هنا تضطر السلطة المحلية اللجوء الى السلطة المركزية.

ان عيوب ومساوئ النظام اللامركزية تاتي في الغالب من تلك المظاهر المتعددة للرقابة التي تثير الشك وتضعف الثقة في الرابطة بين الهيئات المحلية والسلطة المركزية لذا يجب تطبيق هذه الرقابة بعد استنفاذ جميع الإمكانات المتاحة قبل اتخاذ القرارين المتعلقين بالإلغاء والحلول وان يكون عامل الثقة وحسن النوايا هما السائدين.

رابعاُ : الاختبار القبلي
ان هذا العنصر من مفهوم اللامركزية هو عنصر إجرائي يعبر عن آلية العمل في نظام اللامركزية في الإدارة التربوية . ان تطبيق نظام اللامركزية يسبقه العديد من الإجراءات والمتطلبات التنظيمية والفنية والقانونية وسيجري الحديث عنها بالتفصيل لاحقاُ. ومن اجل إنجاح تجربة اللامركزية وتعظيم إيجابياتها وتقليل آثارها السلبية على العملية التربوية . نقترح ان تمر بمرحلة اختبار قبلي على أربعة مديريات تربية تمثل مختلف المناطق الجغرافية في الشمال والوسط والجنوب وقطاع غزة، وعدد من المدارس المختارة بعناية من هذه المديريات ويتم تحضير هذه المديريات تحضيرا جيدا من حيث التأهيل والتدريب للكادر البشري للنظام الجديد وتوفير جميع المتطلبات التنظيمية والإدارية والقانونية والفنية والمالية سواء المتعلقة بالهيئات التربوية او المؤسسات والفعاليات المحلية. ويطبق هذا النظام على مراحل وفقاً لاستكمال المتطلبات الضرورية الواجب توفرها لتسلم الإدارة الذاتية سواء على مستوى المديرية او على مستوى المدرسة . وبعد سنة من التطبيق تدرس التجربة دراسة مستفيضة ومن مختلف الجوانب منها فعالية القرار المالية والإدارية والتربوية التي تم اتخاذها وتنفيذها وانعكاساتها على مستوى أداء الطلبة وتحصيلهم العلمي ومستوى مشاركة المجتمع المحلي بجميع فعالياته ومساهمتهم في العملية التعليمية.
في الوقت الذي يجري فيه التحضير للمديريات المختارة في الاختبار القبلي يجري تحضير المديريات والمدارس الأخرى بصورة حثيثة من اجل تعميم التجربة على جميع المؤسسات التعليمية.



المتطلبات التنظيمية لعملية اللامركزية في الإدارة التربوية:
ان عملية لامركزية الإدارة التربوية تغطي مجالات متعددة بالإضافة إلى المجال التربوي فهي تمتد الى الأنشطة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتستند على عدد من الركائز منها البحث والتخطيط والتنفيذ والتقويم، وتحديد أنماط المشاركة وغيرها. لذا ينبغي على الإداريين والتربويين المسؤولين عن عملية اللامركزية ان يتعاملوا مع الحاجات التي تتطلبها هذه العملية باهتمام بالغ لصياغة الأهداف الأساسية التي يتم على ضوءها بناء الخطة القابلة للتنفيذ ومن هذه الأهداف :-
1- القيام بجرد الحاجات التربوية القصيرة والمتوسطة والطويلة الاجل على جميع المستويات الثلاث على مستوى المركز (الوزارة) وعلى المستوى الأوسط(المديريات) وعلى المستوى المحلي(المدرسة).
2- العمل على تنسيق الأنشطة التربوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على المستويين الأوسط والمحلي وبخاصة مواءمة القطاعين التربوي والاقتصادي ليكون التعليم مواكبا لسوق العمل.
3- تفعيل دور المجتمع المحلي بفعاليته المختلفة واشراكه في حل المشكلات التي تعترض العملية التعليمية عن طريق تشخيص الواقع كما هو عليه وصياغة الأهداف واليات العمل من اجل تعريف السكان في المستوى الأوسط والمحلي بمسؤولياتهم تجاه التعليم ومسؤولية التعليم اتجاه السكان .
4- ملاءمة النظام المدرسي مع بيئته وتنشيط دور المدرسة في الحياة الاجتماعية .
5- إعادة تنظيم ميزانية التعليم تتوافق مع نظام اللامركزية.

بعد صياغة الأهداف المرجو تحقيقها في النظام اللامركزية في الإدارة التربوية، يجري العمل على وضع آليات تنظيمية تدير عملية لا مركزية القطاع التربوي في المديريات المختارة وتعمل على تهيئة الظروف الموضوعية والذاتية على مستوى المديرية والميدان.
في هذا المجال نقترح تشكيل فريق مركزي مكون من خيرة الإداريين والتربويين ليتولوا كامل عملية لامركزية القطاع التربوي ويكون له كامل الصلاحيات في اتخاذ القرار وتحديد المديريات والمدارس التي ستكون مشمولة في النظام اللامركزي وبأي شكل وعلى أي مستوى وتحدد الشروط والمتطلبات الواجب توفرها لتطبيق اللامركزية . وتقوم أيضا بتفويض الصلاحيات وتصدر الأنظمة والتعليمات وتشكل اللجان وفرق العمل المحلية وتعين القادة الإداريين والتربويين.
ان نجاح مهمة هذه اللجنة او فريق العمل المركزي يعتمد بالدرجة الأولى على حسن اختيار أعضاءها . وان المدعوين للمشاركة في هذه اللجنة ان يتوفر لديهم مستوى عالي من المهارة الفنية والتنفيذية وان يكونوا على معرفة تامة بالنظام التربوي الفلسطيني، وكذلك ان يكونوا مؤمنين ايمانا إيجابا راسخا بالديمقراطية بمفهومها الشامل، وبقيمة تفويض الصلاحية والمقتنعين بان نظام اللامركزية هو النظام الأكثر فعالية في تحسين نوعية التعليم الفلسطيني.وهو الطريق الانسب
لضمان الاستخدام الامثل للموارد البشرية والمادية والتوزيع المتوازن للاستثمارات التربوية وهو الطريق الأفضل لتعزيز دور المجتمعات المحلية في العملية التربوية. ويجب ان يتوفر في فريق العمل المركزي المهارات والخصائص التالية:

1- القدرة على العمل بروح الفريق القادر على تحديد المشكلات وتحليلها واتخاذ القرارات المناسبة وتفويض الصلاحيات للأشخاص المناسبين وفي الوقت المناسب بالاستناد على دراسات ومعطيات علمية.
2- القدرة على تطوير الأنظمة الإدارية والمالية القائمة واستحداث أنظمة جديدة وبما يتناسب مع الظروف المستجدة على الساحة التعليمية ووفقا لمتطلبات المرحلة والواقع الملموس.
3- مهارة التفاوض مع السلطات الحكومية والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم المصلحة التربوية والمجتمع المحلي.
4- القدرة على تفعيل وتنشيط العاملين في المستويين المركزي والأوسط من اجل تولي الأنشطة المحلية.
5- قدرة الفريق على إدارة نفسه بكفاءة عالية واتباع أسلوب في العمل رفيع المستوى ومرونة عالية في تدفق المعلومات داخليا ومن الأدنى للأعلى.

بالإضافة الى ذلك فان فريق العمل المركزي ينبغي ان يحسن الاستماع ويحترم حاجات ومتطلبات العاملين ومتابعة قضاياهم.

1-الهيكل الداخلي للفريق المركزي:
من الصعب تحديد العدد المثالي لهذا الفريق . فإذا كان الفريق يعمل بكفاءة عالية فمن الضروري ان لا يكون كبيرا. وقبل كل شيء ان يكون أعضاءه من ذوي الخلفيات الفنية المناسبة الذين يستطيعون مواكبة مستويات السلطة المركزية والوسطى والمحلية المشمولة بعملية اللامركزية.
اما بالنسبة للخبرة التي يتمتع بها الفريق بالإضافة الى ضرورة توفر الخبرة التربوية لجميع أعضاءها يجب ان تتنوع اختصاصات الفريق في مجالات الاقتصاد وعلم الاجتماع والقانون والتعليم.
وإذا تعذر توفر هذه الاختصاصات من داخل الوزارة يمكن تشكيل لجان خاصة لجميع الاختصاصات الاقتصادية والقانونية والمالية وغيرها او تعين خبراء وفنيين كمستشارين لفريق العمل المركزي.

2- أسلوب العمل والتشكيل ودرجة الاستقلالية للفريق المركزي:

يتميز النظام المركزي عادة بالبيروقراطية مما يعيق بشكل كبير عملية اللامركزية . لذا فان الفريق المركزي يجب ان يعمل في جو من الحرية الفنية الواسعة بالتنسيق المستمر مع أجهزة الوزارة بمختلف مستوياتها، وان تكون الوزارة هي المرجعية المعتمدة له ،وان يكون الفريق اقرب ما يمكن الى واضعي السياسة ومتخذي القرار في الوزارة . وهذا الفريق هو الذي يساعد متخذي القرار على صنع القرار بناءا على توصيات مستندة على أسس علمية مدروسة.

ان فريق العمل المركزي يجب ان يتمتع باستقلالية تنفيذية كبيرة وذلك لتجنب البيروقراطية في الأداء وان يتمتع بدرجة معينة من صلاحية اتخاذ القرار والاستقلالية ويمكن رفده بممثلين من المستويات الوسطى والمستويات المحلية . اما بالنسبة لمدة عمل فريق العمل المركزي يجب ان لا تتجاوز المدة المحددة لعملية اللامركزية ويحل نفسه بعد ترسيخ النظام اللامركزية، وبعد ان يسند مهامه الى فرق العمل في النظام اللامركزي لمختلف المستويات.

تشكيل الفرق المحلية :

ان الغرض من عملية اللامركزية هي تفعيل مشاركة المجتمع المحلي في العملية التعليمية فان العملية يجب ان تتضمن مشاركة ممثلين عن السكان الذين يتوفر لديهم نوعا من النشاط التربوي لان الحاجة التربوية تمتد الى ابعد من ارتباط السكان المباشر بالتعليم. فالتربية الحديثة تهدف الى تفاعل المدرسة مع المجتمع والى جعل النشاط التربوي شاملاً. لذا يتوقع من النشاط التربوي ان يكون ملبيا لمدى أوسع من الحاجات التربوية من بينها التربية الصحية والثقافية وإعداد الطلبة للعمل الوظيفي . فتشمل التربية على البرامج الرسمية وغير الرسمية، وهذا يتطلب التنسيق مع جميع هذه الفعاليات.
لتحقيق هذا التفاعل وتوسيع المشاركة يتطلب تشكيل فرق عمل محلية على مستوى المديرية والميدان على غرار فريق العمل المركزي . تتولى إدارة عملية اللامركزية في منطقة نفوذها . وتتكون هذه الفرق من ممثلين من السلطات الوسطى (المديرية) والمحلية (المدرسة) ومن الفئات التالية:
1- العاملون في القطاع التعليمي ذوي الخبرة والمهارة الواسعة (المحترفون) ويمثلون المناطق الجغرافية المختلفة، وممثلين عن فريق العمل المركزي.
2- ممثلين عن المجتمع بفعالياته المختلفة من غير التربويين مثل ممثلي السلطات الاقتصادية والرعاية الصحية والجمعيات ونقابات العمال …الخ.
3- ممثلين عن أولياء أمور الطلبة والقادة الثقافيون والشباب والطلبة.
4-ممثلين عن المجالس المحلية والبلدية وأعضاء من المجلس التشريعي الممثلين للشعب .
ان اختيار فريق العمل المحلي يتم وفقا لاختصاصات الأعضاء وفقا للعمل الذي يقومون به . ويتم وضع خطة تقوم بتقسيم العمل بين الأعضاء وفقا لاختصاصاتهم والية التنفيذ والمتابعة. ويجب ان يتمتع أعضاء الفرق المحلية بالصلاحيات الضرورية في اتخاذ القرار على مستوى اختصاص كل عضو. وهذه الصلاحية تعتمد بالضرورة على درجة التفويض التي تمنحها للمؤسسة او السلطة للعضو وعلى النظام السائد في الوزارة او المؤسسة الممثلة في فريق العمل المحلي.فإذا كان النظام في هذه المؤسسات لا مركزيا فان العضو الذي يمثلها في فريق العمل يحصل على التفويض اللازم ويسهل ضم ممثلين عنها.

من الضروري ان لا يكون فريق العمل كبيرا بحيث لا يكون قادرا على العمل بطريقة صحيحة . ويجب اختيار الأعضاء الأكثر كفاءة، حيث ان الخلفية العلمية والفنية هي التي يجب ان تكون معيارا للاختيار.





آليات دعم فرق العمل:
من الضروري توفير التسهيلات والموارد المادية لعمل الفرق لتسهيل تنفيذ المهام الموكلة لهم وتنفيذ القرارات التي يتخذونها وبشكل سلس وفي الوقت المناسب وكذلك تصميم عملية اللامركزية بكاملها. وان عمل الفرق يجب ان يستند على خطة مدروسة ومحكمة ومفصلة لجميع الخطوات التي ستقوم بها ومهام كل عضو ولجنة موضحا فيها الجداول الزمنية للتنفيذ والموارد المالية اللازمة واليات التنفيذ والجهات المشرفة وعملية المراقبة على التنفيذ والأداء.

ولتسهيل عمل الفرق لا بد من تشكيل أمانة سر يعتمد حجمها على حجم الفريق المركزي بهدف تخليص الفنيين من الأعمال البيروقراطية ويكون عمل أمانة السر، طباعة التقارير والتعليمات والاتصالات والدعوة للاجتماعات وتنظيم الملفات والترجمة للاستفادة من مساعدة الخبراء الدوليين وغيرها . وينبغي تخصيص أماكن مناسبة وتوفير مكاتب مجهزة على المستوى المحلي وعلى غرار المستوى المركزي مما يسهل عمل الفرق المحلية . حيث ان توفير الأبنية والمكاتب والتجهيزات لهذه المكاتب هي نوعا من المشاركة.

وجميع ما ذكر يتطلب تخصيصات في الميزانية وإيجاد ميزانية تشغيله تغطي جميع النفقات ومنها مخصصات النقل والأنشطة التدريبية والمسوحات الميدانية والدراسات وغيرها.

الإطار القانوني لفرق العمل:

يعتبر الإطار القانوني أحد أهم متطلبات تنظيم عملية اللامركزية في الإدارة التربوية . حيث ان إصدار القوانين والقرارات لتجسيد الأعمال التي ينبغي القيام بها يشكل الخطوة الرئيسية في جعل الأجهزة التنفيذية وفرق العمل تتقدم الى الأمام في هذه العملية.

يجب ان يتضمن قانون التربية والتعليم والذي سيقر من قبل المجلس التشريعي على قرار واضح للامركزية قطاع الإدارة التربوية والأهداف التي ينبغي الوصول إليها من هذه العملية وذلك من اجل تثبيت هذا النظام واعطاء صفة القانونية الملزمة على مستوى الوطن .

كما ويجب ان تصدر عن الوزارة ومن أعلى المستويات أنظمة وتعليمات ملزمة تتضمن ما يلي:
1- تعليمات بتشكيل فريق مركزي يتولى تصميم المشروع بكامله والمراقبة على تنفيذه .
2- تعليمات تدعو الى تشكيل الفرق المحلية بالوقت المناسب وبالكيفية المناسبة .
3- تعليمات بخصوص شكل الفرق ومهامها الوظيفية واختصاصاتها والجهات الممثلة فيها ومؤهلات أعضاءها.
4- تعليمات بخصوص آليات العمل والأدوات المستخدمة.
5- تعليمات وأنظمة تتعلق بالهيكل الإداري لهذه الفرق والدعم المالي والتسهيلات لعمل الفرق.
6- تعليمات بخصوص عملية تخطيط عمل الفرق على مختلف المستويات واليات التنفيذ والمراقبة والمتابعة والجدول الزمني التفصيلي والميزانية .
7- تعليمات ولوائح بخصوص الجهات والمناطق المشمولة بعملية اللامركزية وفترة الاختبار التجريبي.
8- آليات تدفق المعلومات من مختلف المستويات .

الإعداد لعملية اللامركزية في الإدارة التربوية:
بعد الانتهاء من بناء الهياكل الأساسية التي تشرف على إدارة عملية اللامركزية واكتمال تشكيل فرق العمل المركزية وفرق العمل المحلية وأمانة السر. يبدا عمل هذه الفرق على دراسة هيكل وتنظيم إدارة النظام التربوي وتشخيص الطريقة التي تعمل بها الإدارات . ومن ثم تقوم بمسح الحاجات وتحديد المشاكل الحالية وتحليلها ووضع الأهداف بناء على الحاجات من اجل إعداد خطط تربوية على مستوى المركز ومستوى الميدان.
يشتمل تشخيص الطريقة التي تعمل بها الإدارة التربوية على عنصرين أساسيين :
1- تشخيص هيكل وتنظيم إدارة النظام التربوي: ويتضمن الأمور التالية:
1- مكونات الهيكل الإداري أي الخارطة الهيكلية للنظام التربوي الفلسطيني والقوانين والأنظمة التي تسير هذا النظام.
2- المهام الوظيفية لكل وحدة وقسم ودائرة واي مستوى إداري.
3- تصنيف العاملين حسب المؤهل العلمي والتأهيل والخبرة والتدريب والمهمة.
4- ميزانية كل إدارة عامة ومديرية ومدرسة.
ان غالبية المعلومات الواردة أعلاه متوفرة وهي معلومات خام وبحاجة الى دراستها دراسة تفصيلية متخصصة تساعد على تشخيص الواقع الإداري ووضع التوصيات لمعالجة المشاكل والتداخل في مهام الإدارات والدوائر.
يقوم فريق العمل المركزي المكلف بإدارة عملية اللامركزية وتشخيص الجهاز الإداري بتنظيم ندوات وورشات عمل لمناقشة نتائج الدراسة والتوصيات ومناقشة المشاكل ووضع الحلول العملية لها .
2- المستويات والهياكل والمهام :
ان تحديد المستويات والهياكل والمهام المطلوبة لادارة التعليم هي إحدى الخطوات المهمة في الإعداد للامركزية وفي هذا المجال يحدد ما يلي:
أ- تحديد المستويات: في النظام التربوي الفلسطيني ثلاث مستويات هي مستوى المركز والمتمثل بوزارة التربية والتعليم والمستوى الأوسط ويمثل مديريات التربية والتعليم والمستوى المحلي ويمثل المدارس بمختلف تصنيفاتها حسب جنس المدرسة والموقع والمرحلة الدراسية….الخ.
ب- تحديد الهياكل والوظائف : في الخارطة الهيكلية لوزارة التربية والتعليم هناك ترابط منطقي بين هيكل الدوائر والوظائف التي تؤديها في كل مستوى من المستويات. حيث نجد ان اغلب هذه الدوائر والأقسام الموجودة في مستوى المركز (الوزارة) يوجد لها أقسام موازية على مستوى المديريات وهناك ترابط بينها وان اختلفت مهام الأقسام في المديرية عنها في الوزارة من حيث شمولية العمل حيث ان الأقسام في الوزارة تقوم بوظيفتها على مستوى الوطن في حين ان الأقسام في المديرية وظيفتها تخص المديرية نفسها كما ان درجة استقلالية الاقسام في المديرية اقل منها في الوزارة بسبب تداخل مهام الوظائف في المديرية وتعدد المسؤولين المباشرين.
لتفعيل عملية اللامركزية على مستوى الوسط (المديرية) يتطلب إيجاد دوائر وأقسام في المديرية موازية تماما للموجودة على مستوى الوزارة. وتحديد مهامها الوظيفية بدقة ليسهل تفويض الصلاحيات لها بحيث تقوم بأعمالها بحرية وبصورة مستقلة وفقا لظروف عملها وفي حدود الصلاحيات المنوطة بها. وفي ظل وجود آلية محددة للرقابة والمتابعة.

التخطيط كأداة للانتقال للامركزية:
بعد إتمام تشخيص هيكل وتنظيم إدارة التعليم ومسح الحاجات التربوية تأتى مرحلة التخطيط وتعتبر من المراحل المهمة التي تسهل عملية الانتقال السلس إلى نظام اللامركزية. فاللامركزية هي عملية يجب أن تخطط كما أن تطبيقها في الميدان يجب ان يتم وفق خطة مدروسة.ومعنى ذلك أن دراسة المجتمع المحلي وتفعيل دوره وإشراكه في العملية التعليمية ودراسة الواقع التربوي الإداري والتنظيمي ومسح الحاجات وتحديد الأهداف جميع هذه الأعمال تتم وفق خطة مدروسة نضعها وتشرف عليها فرق العمل المركزية والمحلية وهي مرحلة تشخيص الواقع التربوي وهي ضرورية للتحضير لعملية اللامركزية.
ان نجاح تطبيق اللامركزية في الإدارة التربوية في مختلف المستويات مرهونا بقدرة النظام التربوي على صياغة خطة تربوية على مستوى الوطن وعلى المستوى الأوسط والمحلي وتكون واقعية تعكس الحاجات التربوية وتحقق الأهداف التربوية على مستوى المديرية والمدرسة ومنسجمة مع الأهداف التربوية على مستوى الوطن . وان نجاح الخطة مرهون أيضا بقدرة المخططين على إشراك أوسع الفئات في المجتمع المحلي.
ويعتبر التخطيط في الوحدات الادارية في مختلف المستويات شرطا اساسيا لعملية اللامركزية في الادارة التربوية . وبدون التخطيط لا تفوض الصلاحية ولا تمنح الاستقلالية الذاتية للوحدات التربوية.

يجب أن تحقق الخطط التربوية للوحدات الإدارية في مختلف المستويات _وحسب اختصاصها _الأهداف الاستراتيجية العامة التي يسعى التعليم الفلسطيني تحقيقها خلال الأعوام الخمسة القادمة بالإضافة إلى الأهداف الاستراتيجية العامة هناك أهداف خاصة على مستوى الوحدات التربوية تتلاءم مع خصوصياتها وإمكانياتها ترغب في تحقيقها على أن لا تتعارض مع الأهداف الاستراتيجية العامة ويمكن تلخيص الأهداف الاستراتيجية العامة التي وردت في الخطة الخمسية القادمة كما يلي:-
1- توفير فرص الالتحاق جميع الطلبة ممن هم في سن التعليم الأساسي.
2- تحسين نوعية التعليم من خلال المنهاج الفلسطيني وتحسين مصادر التعليم.
3- تطوير التعليم النظامي وغير النظامي.
4- تطوير النظام الإداري والتربوي .
5- تنمية القوى البشرية في الجهاز التربوي.
6- أهداف أخرى تحددها الوحدات الإدارية التربوية تتوافق مع خصوصيتها الهدف الأخير ثم إضافته إلى الأهداف العامة الخمسة الذي لم يرد ذكره في الخطة الخمسية وذلك من اجل مراعاة الخصوصية للوحدات الإدارية التي سيطبق فيها نظام اللامركزية على أن لا يتعارض مع الأهداف العامة.

الهدف الأخير تم أضافته الى الأهداف العامة الخمسة الذي لم يرد ذكره في الخطة الخمسية وذلك م اجل مراعاة الخصوصية للوحدات الإدارية التي سيطبق فيها نظام اللامركزية على ان لا يتعارض مع الأهداف العامة.
وتتضمن الخطة السياسات والبرامج التطويرية والكلفة المتوقعة والجدول الزمني لتنفيذها ويحدد فيها بالتفصيل دور المجتمع المحلي بمختلف فعالياته ومساهماته المادية والمعنوية في إدارة تنفيذ الخطة وتحقيق الأهداف المعلنة وفيما يلي البرامج التطويرية والسياسية العامة التي ستنتهجها الخطة لتحقيق هذه الأهداف:

الهدف الأول : توفير فرص الالتحاق جميع الطلبة ممن هم في سن التعليم الأساسي يتحقق من خلال السياسات والبرامج وتحديد دور المجتمع لتحقيق ذلك وهذه السياسات :
1- توفير بيئة مدرسية صحية منه لأطفال فلسطين.
2- التوسع في القدرة الاستيعابية للمدارس لتلبية الطلب على التعليم .
3- توفير العدالة في فرص التعليم للمجتمع دون النظر الى الجنس او الوضع الاجتماعي والاقتصادي
4- زيادة مراكز الحاسوب المدرسية وتفعليها.
5- تنمية النشاطات التربوية وشؤون الطلبة في المدارس.
6- إدخال نظام القياسي والتقويم في المدارس.
7- برامج أخرى خاصة بالمديرية.

الهدف الثاني : تحسين نوعية التعليم من خلال المنهاج الفلسطيني وتحسين مصادر التعليم ان مهمة وضع منهاج فلسطيني تتم على مستوى المركز وان مساهمة المديرية في هذا المجال يتم عن طريق الخبراء والمختصين من هذه المديرية وتفترض ان يكون المنهاج ملبيا لاحتياجات ومتطلبات الشعب الفلسطيني ككل أما بخصوص تحسين مصادر التعليم فان برنامج المديرية وتحسين نوعية التعليم يتم من خلال ما يلي:
1- زيادة المختبرات التعليمية في المدارس وتفعيلها .
2- زيادة المكتبات المدرسية وتفعيلها.
3- إنشاء مراكز مصادر التعليم في المديريات تعمل على إنتاج الوسائل والأجهزة التعليمية لتوفيرها في المدرس مجانا
4- زيادة مراكز الحاسوب وتفعيلها.
5- تنمية النشاطات التربوية وشؤون الطلبة في المدارس.
6- إدخال نظام القياس والتقويم في المدارس.
7- برامج أخرى خاصة بالمديرية.
ولتحقيق هذا الهدف ستدعى الحاجة الى تفعيل دور المجتمع المحلي من خلال اشراكه في تحسين مصادر التعليم من خلال الدعم المادي والمساهمة في البرامج التي تنص عليها الخطة.

الهدف الثالث: تطوير التعليم النظامي وغير النظامي يبرز دور المجتمع المحلي في هذا الهدف بصورة جلية ويلعب دورا كبيرا في مختلف المجالات أما البرامج والسياسات في هذا الهدف هي :
1- تطوير الجانب الفني والمهني في الإدارة المدرسية.
2- تشجيع التربية في مرحلة قبل المدرسة.
3- تطوير البرامج المتعلقة بالتعليم الأساسي الإلزامي.
4- تطير مسار التعليم الثانوي.
5-توسيع التعليم المهني والفني وتنويعة.
6- تنظيم قطاع التعليم الخاص وتشجيعه.
7-توسيع برامج محو الأمية وتعليم الكبار.
8- الحد من ظاهرة التسرب.
9-دمج الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العامة.
10-تشجيع مجال المشاركة الشعبية في تطوير التعليم .
11-برامج أخرى خاصة بالمديرية.
كما ذكرنا سابقا أن تطوير التعليم المهني يتم من خلال دعم الفعاليات الاقتصادية المحلية لهذا النوع من التعليم مما تساعد الخريجين في إيجاد فرص عمل لهم ويساعد الطلبة في الحياة المهنية.

الهدف الرابع: تطوير النظام الإداري والتربوي
وهذه الأولويات تتم ترجمتها على مستوى المديرية بالبرامج التالية :
1- رفع مستوى المهارات المهنية للموظفين من اجل تحسين الأداء الوظيفي.
2- تدعيم التوجه نحو اللامركزية.
3- تطوير النظام الإداري والمالي.
4- تطوير نظام المراقبة الإدارية والمالية والتدقيق.
5-تحسين فرص توظيف المرأة في جميع المستويات.
6- برامج أخرى خاصة بالمديرية نفسها.
للمجتمع المحلي دور مهم في تدعيم التوجه نحو اللامركزية عن طريق إشراكه في العملية التعليمية وفي التخطيط

الهدف الخامس : تنمية القوى البشرية وتطويرها :
في النظام اللامركزية يمكن أن تتم تنمية القوى البشرية على مستوى المديرية من خلال برامج تدريبية خاصة بها وبناء على الاحتياجات الخاصة بالمديرية وان ما يقوم به المركز يمكن أيضا ان تقوم به المديريات وخاصة في المجالات التالية:
1- إعداد الإدارات والقيادات التربوية وتطويرها.
2- تطوير نظام الإشراف التربوي .
3- تحديد أسس التأهيل والإجازات التربوية.
4- تأهيل المعلمين ورفع الكفاءات المهنية.
5- تدعيم دور المدرسة لوحدة تطويرية أساسية.
6- برامج أخرى بالمديرية.

أكمل قراءة الموضوع ...
تصميم القالب : مدونة الأحـرار